بين وهم الاصلاح واستحالة
التغيير
ان المعارضة الليبية منذ
بدايتها لم تعرض على الشارع الليبى كمعارضة فصائل بل كقوى اصلاحية
تغييرية فى قالب معارض واحد تسعى الى تحسين الاوضاع المتردية والمتدنية
التى يعيش فيها الشعب الليبى فى ظل نظام القذافى حيث انها لم يستقر بها
الحال في ايجاد صيغة او خطاب سياسي واضح المعالم تجاه معارضتها السلطة،
الامر الذي ادى بها الى التشتت في برامجها و مطالبها، اذا جزمنا ان العام
2005 عقب مؤتمر المعارضة الليبية كان حدثا مفصليا لتوجه الانظار الى
ادراج السياسة في حياة المجتمع الليبى، و جعله قوتاً للشارع المتعطش
اليها ، لكن تشرذم المعارضة و انقساماتها و مدها و جذرها بين التملق مع
النظام تارة و معاداته تارة اخرى وبين المطالبين بالاصلاح وبين المطالبين
بالتنحى، فيما كان يدور في ليبيا ومحاولة البعض الاستفادة من ما كان
ينوي نظام القذافى القيام به من اصلاحات وفق تحديث منهجيته واستيعابه
لقوى ذات اتجاهات وطنية تقف بالمرصاد في وجه الممارسات والتجاوزات التى
تحدث فى ليبيا ومحاولة اخراج الشعب الليبى من المنحدر الخطر الذى يمر به
، ولكن نظام القذافى اراد ان يستخدم قوى المعارضة المطالبة بالاصلاح مع
عدم اقصاء الاخر حاجز صد للاستقواء به على باقى اطياف المعارضة بالخارج،
لكننى على يقين ان الاصلاحيين لن يستطيعوا ان يصدوا الممارسات القمعية
لسلطات نظام القذافى فى داخل ليبيا وسوف تعلن عجزها عن اقناع نظام
القذافى فى التخلى عن ممارساته القمعية والمفسدة للبلاد وانها سوف تنتهى
الى ما باء من الجميع الا وهى (( انه جوهر الاصلاح فى ليبيا يبداء اما
بتنحى القذافى عن الحكم فى ليبيا او التنحى مطلاقا عن جميع ممارساته
السابقة فى ليبيا وهذا ضرب من الخيال)) ان نظام القذافى لم يفى بوعوده
بالاصلاحات التى قطعها على نفسه بل ان السلطة رفضت الاعتراف بوجوداطكراف
اخرى يمكن لان تفتح لها المجال فى اخراج ليبيا منحالة الاحتقان التى تمر
به و جعلت من تثبيط اصلاحها قلعة من الحجر و من يغرد خارجها يعتبر ممارس
للعصيان وخارج عن نهجها القويم ان هذه المراوحةوالاختلاف بين
اطياف المعارضة الليبية جعل كل منهما يسرف في تفسير الاخر، و يقنن من
محتوى مفهوم نماذج الاصلاح او التغيير، لتغدو النماذج تائهة فوضوية تفتقر
الى ارضية رصينة الفكرة واضحة الملامح، كما ان الذهاب الى التحليل و
النقد و الغوص فيهما الى حد الغرق يجعل من تنفيذهما معقد و صعب التنفيذ
على الساحة الليبية اوالاقناع فى الطرح لابناء الشعب الليبى.
ان الحديث او الحوار مع نظام القذافى الشمولى عن الإصلاح والتغيير
ومحاربة الفساد فى ليبيا وتحسين الاحوال الاقتصادية والسياسية والمعيشية
فى ليبيا ماهوفى حقيقة الامر الا ثمرة سوء فهم لنوايا واهداف القذافى
الحقيقية من وراء هذه الحوارات او ما يسميه البعض حوار المصالحة
والاصلاحات داخل ليبيا،حيث ان الاصلاحات الداخلية والدعوة اليهافى الوقت
الراهن لم تكن مطروحة في الواقع فيما مضى في أجندة نظام القذافى السياسية
وليس لها أي أجندة فعلية صادقة للعمل بها فى هيكلية العمل لدى نظام
القذافى فى الوقت الراهن . وعندما نقول إنه ثمرة (سوء فهم) فنحن نقصد أن
وجودها أيضا والحديث فيها ناجم عن أنماط متعددة من سوء الفهم لحقيقة
نوايا وتفكير القذافى لدى العديد من الشخصيات والجماعات والتجمعات
الداعية اليها والى فتح المجال لذلك الحوار مع نظام القذافى وزمرته حيث
ان النظام الشمولى فى ليبيا ماهو الا مجموعة من المصالح والتوازنات التي
تضمنها. والمصالح التي يحققها النظام الشمولي لا تقوم إلا على شكل من
توزيع السلطةوالثروة على ابنائه ورعيته ووزمرته المؤيدة والمساندة لنهجه
ويحرم باقى ابناء الشعب الليبى من خيرات ليبيا وثرواتهاواى رفض او
اعتراض شعبى ضده والداعية الى الاصلاح والتغيير لا يمكن ضمان قمعها إلا
بحرمان الشعب من أي هامش لحرية سياسية أو فكرية وتطبيق سياسة التجويع
والتفقير عليهم وأي تغييراو اصلاح او محاربة للفساد ورموزه فى ليبيا فى
الوقت الحاضر سوف يفتح ثغرة حقيقية في نظام القذافى ويضع جماعات
المافياالثورية والتى تعمل باسم الشرعية الثورية وبامر القذافى أمام
احتمال المحاسبة والمراقبة والمحاكمة وهو ما يشكل مقتل القذافى ونظامه .
لذلك ليس أمام المجموعات المطالبة بالاصلاح والساعية الى الاصلاح والتى
تعتبر من خارج زمرة نظام القذافى والمافيا الثورية الان سوى الاختيار بين
أن تلعب اللعبة وتساهم هي نفسها في تسليم المافيات الثوريةالقديمة أسس
الثروة فى ليبيا وتنفذ خططهم الاستنزافية والساعية الى سرقة ونهب اموال
الشعب الليبى وثروات ليبياواجهاض الحريات فى ليبيا ((وذلك حتى تضمن
استمرارها وسلامتها)) أو ان تضرب بيد من حديد على ايدى تلك المافيا وتوقف
سرقتهم لاموال وثروات الشعب الليبى وتكشف حقيقتهم و تقبل المواجهة مع
القذافى وزمرته وتتحمل مسؤولية قيادة المعارضة الرئيسية لهم.
لكن وللاسف الشديد فان سوء الفهم لحقيقة ونوايا القذافى لم يمس افراد
بسطاء من الشعب الليبى بل امتد ليصل نخبة كبيرة من مثقفى وسياسى بعض
اعضاء المعارضة الليبية فى الخارج . فبسبب العزلة والهامشية التي عاشتها
هذه النخبة منذ عدة عقود عن اوضاع ليبيا ومن جراء ماتعرضت له من قمع
واعتقال وتهجير حصل لديها اعتقاد قوي بأن عجلة التغيير قد دارت وأن ما
نجح النظام القذافى في تجنبه حتى الآن بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وسقوط
نظام صدام بواسطة امريكيا ورغبت القذافى فى ظل الظروف الدولية الراهنة
لن يمكن تأجيله لفترة أطول. وهكذا اندفعت في حوار للمصالحةمع النظام
داعية الى التغييرو الإصلاح الداخلى فى ليبيا وجعلت منه أجندتها و نظام
أولوياتها وموجه حركتها الأول، في حين لم يكن قد طرأ على أجندة النظام
القذافى وزمرته، أي أجندة القوى الفعليةفى ليبيا((قوى نظام القذافى))
المستفيدة من هذه الاصلاحات والتغييرات والضامنة لاستمرارها اي تغيير،
باستثناء تغيير واحد نجم عن إدراك هذه القوى للضعف الذي أصاب النظام
نتيجة الضغوط الخارجية والداخلية المطالبة بالاصلاح . وهكذا أصبحت النقطة
الأولى في أجندة هذ النظام هي احتواء حركة المعارضةالليبية الصاعدة، على
هامش تراجع مواقع النظام وتخلخل توازناته. وهذا هو مضمون السياسات التي
بلورها نظام القذافى فى الفترة الاخيرة، والتي يشكل خطاب الإصلاح والقضاء
على الفساد جزءا لا يتجزأ منها، ولا ينفصل عن متابعة سياسة التخويف
الأمني والاعتقال وضرب القوى السياسية والشعبيةالمعارضة له، فككل
استراتيجية احتواء، تقوم الاستراتيجية الراهنة للنظام القائم فى ليبيا
على الاستخدام المزدوج للجزرة والعصا بهدف إجهاض حركة تبلور قوى المعارضة
وتمزيقها وزرع البلبلة والشك فيها.
فخطاب الإصلاح هو الجزرة، والاستمرار في إطلاق يد أجهزة الأمن، من دون
قيد ولا التزام بقانون في إرعاب المجتمع الليبى وترويع نخبه السياسية
المعارضة وملاحقتها اليومية، هو العصا. ولا شيء اليوم في ليبيا غير ذلك.
وكل ما يسمعه الرأي العام عن الإصلاح والتغيير والقضاء على الفساد وتغيير
فى الاجهزة الامنية والحوار مع الدول الأوروبية لتقديم المساعدة في إعادة
تنظيم الإدارة أو تحديث بعض مؤسسات الدولة والا ستثمار فى ليبيا يدخل
مباشرة في هذه الاستراتيجية ولا يحيد عنها.
ومقصد القذافى الوحيد من ذلك الحفاظ على نظامه، أي على نمط السيطرة
وتوزيع السلطة والثروة القائم، واستبعاد فكرة إحداث أي تغيير اقتصادي أو
سياسي أو إعلامي أو ايديولوجي يمكن أن يمسه بأي تعديل او تغيير.
ان على المعارضة الليبية وبجميع
اطيافها والتى تعرضت لابشع السياسات القمعية و البطش و المصادرة و المطاردة و
الاغتيالات على يد نظام القذافى، ان تتقن الحرفة السياسية و اللعبة السياسية و
الاتعاظ من الهفوات التي وقعت فيها على مر احقاب عديدة ، الامر الذي يجب ان
يجعلها واعية للمرحلة الحالية ومقتضياتها ولكن وللاسف الشديد فان مشكلة المعارضة
الليبية رغم انها نخبة سياسية صادقة ومثقفة اصبحت عاجزة في تعليلاتها وحججها
وافكارها وبياناتها بل حتى فى توجيه خطابها السياسي و مد جذورها الى شعبها الذي
يشكل القاعدة الاساسية للاصلاح والتغير فى ليبيا.
ان هذا التمايز بين المعارضة الليبية من اصلاحيين واقصائيين يستوجب عليهم ايجاد
صيغة عمل مشتركة، فيها خير ليبيا وصلاح شعبها- بعيداعن التعصب للانتمائات
والافكار-،والتي ستكون خطة منهجية يوضع فيها آخر فصول الهيمنة و الشوفينية و
الانغلاق و التسلط و الفساد الذى يحدث ويدور فى ليبيا.
كمال الماجرى