|
رد على إصدار الإتحاد الدستورى الليبى الأخير (الجزء الأول) بقلم: حسين الفيتوري
بالإشارة إلى إصدار الإتحاد المذكور أعلاه بعنوان (الدستوريون الجدد) الذى نشر على منابر إعلامنا الوطنية الليبية فى الخارج بتاريخ 15/11/2005، أود شرح الآتى:
من الواضح أن الإصدار المشار إليه قد بُنِى كله أساسًا على عبارةٍ واحدة وهى (كبّدنا)، والتى لا أعرف من أين أتى بها من أعدّ هذا (الإصدار)! فعبارة (كبّدنا) هذه لا تتفق لغويًا حتى مع ما ذكره من أعدّ هذا الإصدار فى سياق الجملة، أو الفقرة، التى أوردها فى الإصدار المذكور كدليل على إدانتى!!! ناهيك بما قلته وقصدته فعلا.
وبالرغم من رمى (الإصدار النكِِرة، أى الذى لا يحمل توقيع أى شخص يمكن مخاطبته مباشرة) لى بالجهالة، فقد أثبت صاحبه أنه أكثر جهلا مما رمانى به، لأن من يقرأ لى و يعرفنى، يعرف تماما أن مدى إلمامى باللغة العربية هو أرفع كثيرا من أقول، سواء إرتجالا أو كتابةً، (كبّدنا الإتحاد الدستورى الليبى المطالبة بالعودة إلى الشرعية الدستورية...!) فأين المنطق فى ذلك، وأين التلاحم اللغوى لهذه العبارة مع كل ما سبقها وكل ما تلاها؟؟؟
وأمام هذا، فإننى أكاد أجزم الآن، بأن العزلة التى فرضها جماعة (الإتحاد الدستورى) على أنفسهم حوالى ربع قرن من الزمان لم تؤثّر فقط فى أفئدتهم وإنما فى آذانهم أيضا، لأن من يستمع بأذنٍ سليمة إلى كلماتى المسجلة فى الندوة، سيعرف حتمًا أننى قلت (تبنىّ الإتحاد الدستورى...) ولم أقل (كبّدنا الإتحاد الدستورى...).
أما عن إسفاف هذا (الإتحاد) فى مهاجمتى شخصيًا، وبالرغم من أننى كنت أتوقّع أنهم هم آخر من يمكن أن يقوم بذلك، فإننى سأؤجل التعامل معه الآن، وذلك ليس لأنه لم يؤلمنى، أو لأن به أى ذرّة من الصدق، ولكن لأن موضوع الدستور هو موضوع وطنى هام، أكبر منى ومن آل بن غلبون جميعًا، والذين يبدو أن الغيرة قد أصابت بعضهم بسبب نجاح (بعض الفتية الذين آمنوا بربهم وشعبهم ووطنهم) فى تحقيق تلاحم شعبى، داخلى وخارجى، حول المطالبة بتفعيل الدستور، وذلك خلال أربع سنوات فقط من العمل الجاد والمنفتح، وهو ما لم ينجح (النادى الخاص بجماعة الإتحاد الدستورى) فى تحقيقه على مدى ربع قرنٍ من الزمان!
ولكل من يريد التأكد مما ذكرته أعلاه أن يستمع بنفسه إلى تسجيل الندوة المشار إليها، والموجود نسخة منه حتى تاريخه على منبر (ليبيا المستقبل)، ليتأكد من أننى قلت (تبنّى) ولم أقل (كبّدنا). وللإسترشاد، فإننى أرفق نسخة مكتوبة من مساهمتى فى تلك الندوة(1)، والتى ستتيح لمن يقرأها أن يعرف أن عبارة (كبّدنا) هذه ليس لها أى محل من الإعراب فى هذه المساهمة، والتى أودعت نسخة منها أيضا لدى هيئة المتابعة للمؤتمر الوطنى للمعارضة الليبية فى اليوم الذى عقدت فيه تلك الندوة.
ولقد كان على من أعدّ هذا الإصدار، لو توفرت لديه النيّّة الحسنة، وخصوصا بعد شهر من عقد الندوة، أن (يتبيّن)، وذلك قبل إصداره ما أصدره، ووضع نفسه ومن معه محل الشبهات، فلقد كان بإمكانه الإتصال بى على بريدى الإلكترونى (المعروف للجميع) للإستفسار عما (إعتقد) هو أننى قلته، أو الإتصال بهيئة المتابعة للمؤتمر الوطنى للمعارضة الليبية للإستفسار منهم عن ذلك، خصوصا وأن هذا (الإتحاد) قد ضيّع على نفسه، وكعادته، فرصة أخرى للتفاعل مع الغير، وذلك بعدم المشاركة مباشرة فى الندوة المشار إليها حيث كان بإمكان مندوبهم إستيضاح الأمر والرد عليه فى حينه.
وأخيرا، فإننى أناشد آل بن غلبون، أن يتّقوا الله فى أنفسهم وفى غيرهم، وأن يكونوا على مستوى مسؤولية ما كان لهم شرف السبق فى المناداة به، فيعيدوا سماع التسجيل لـ(يتبيّنوا) أننى قلت (تبنّى) ولم أقل (كبّدنا)، وبالتالى يبادروا بالإعتذار لى، إذا كانت لديهم فعلا فضيلة الإعتراف بالخطأ، والتى أصبحت بضاعة نادرة هذه الأيام.
كما أطالب هيئة المتابعة للمعارضة الوطنية الليبية، بصفتها الجهة التى أدارت الندوة المشار إليها، بإصدار بيان توضح فيه حقيقة ما ورد فى مساهمتى، سواء الخطية أو الصوتية.
وأرجو من مشرف صفحة (ليبيا المستقبل) بأن يعلن كتابة عن حقيقة التعبير المشار إليه أعلاه، ومن واقع التسجيل الصوتى الموجود لديه، لكى يعرف رواد منبر ليبيا المستقبل ما إذا قلت (تبنّى) أو (كبّدنا)، لأن أغلبهم لا يملك إمكانية الإستماع للتسجيلات من خلال الإنترنت.
وللحديث بقية
حسين الفيتورى
(1) المرفق:
مؤتمر المعارضة الوطنية بالشرعية الدستورية / معانى وتوضيحات ودلالات (*)
من ضمن ما تم إقراره فى كل من البيان الختامى وإعلان التوافق الوطنى، اللذان صدرا عن المؤتمر الوطنى الأول للمعارضة الليبية، فى يونيو 2005 بمدينة لندن، ما يلى:
أ) التأكيد على ضرورة إعادة الشرعية الدستورية إلى الحياة السياسية الليبية.
ب) الشرعية الدستورية الوحيدة تتمثل في دستور عام 1951.
ت) ما أقدم عليه الإنقلابيون فى سبتمبر 1969 بشأن إلغاء الدستور هو إجراء غير شرعي ولا يعتد به.
وقد رأى المؤتمرون أن العودة إلى الشرعية الدستورية تتطلب إعمال الخطوات التالية:
1) تنحي العقيد معمر القذافي عن كافة سلطاته وصلاحياته، ورفض أسلوب التوريث.
2) تشكيل حكومة إنتقالية، في داخل البلاد، تكون مهمتها الأساس هى العودة بالبلاد إلى الحياة الدستورية، عن طريق الدعوة إلى انتخاب جمعية وطنية تقوم بمراجعة الدستور تحت إشراف الأمم المتحدة وإحداث التعديلات المناسبة عليه، وعرضه على الشعب الليبي في إستفتاء عام.
3) اقامة دولة دستورية ديمقراطية مؤسسة على التعددية السياسية والثقافية والتداول السلمي للسلطة، تكفل الحريات الاساسية وحقوق الإنسان، وترسى قواعد العدل والمساواة وتكافؤ الفرص لكافة أبناء الوطن بدون أي تمييز، وتصون الثروات الوطنية وتنميها، وتقيم علاقات خارجية متوازنة مؤسسة على الإحترام المتبادل.
وقبل البدء فى الحديث عن معانى ودلالات هذه القرارات والتوصيات، أود توضيح نقطة مهمة جدا، ألا وهى (ما لا تعنيه هذه القرارات والتوصيات)، فالمطالبة بـ، والعمل على العودة بالبلاد إلى الحياة الدستورية وإعتماد دستور ليبيا لسنة 1951 كشرعية وحيدة، لا تعنى إطلاقا العمل على إعادة الحكم الملكى لليبيا، وذلك إنطلاقا من أنه لا الملك، ولا نظام الحكم الملكى، هما من وضعا دستور ليبيا، بل على العكس من ذلك، فإن الدستور هو الذى أٌقر أن يكون نظام الحكم فى ليبيا ملكيا، وذلك إستنادا إلى ما أجمع عليه الشعب الليبى، أو على الأقل غالبيته العظمى فى ذلك الوقت، وبالتالى فإن الفصل الخاص بنظام الحكم، يمكن تعديله بتوصية من جمعية وطنية وعرض هذه التوصية على الشعب الليبي في إستفتاء عام، كما أقر المؤتمر، علما بأن هذا التعديل هو مطلب قديم يرجع تاريخه إلى النصف الأول من الستينات، أى قبل إنقلاب سبتمبر، ولم يكتب له النجاح حينها بسبب ضعف الإرادة السياسية لدى كل من القمة والقاعدة، ويمكن الإطلاع على مزيد من تفاصيل هذه المحاولة فيما نشر لكل من السيد/ مصطفى بن حليم والسيد/ عبدالحميد البكوش، وغيرهما من شهود العيان على تلك الفترة، وبغض النظر على إتفاق، أو إختلاف، أى منا مع أى منهم.
هذا ويلاحظ المتتبع لما ينشر مؤخرا فى وسائل إعلامنا الوطنية الحرة أن هناك من يتحدث عن (دستور جديد) بإعتبار أن دستور ليبيا قد إنقضى على صدوره أكثر من خمسين عاما، وكذلك من يخلط بين دستور البلاد والقواعد الأجنبية والفساد المالى والسياسى خلال فترة العهد الملكى. وبغض النظر عن قصد كل من يقوم بذلك، ومدى إلمامه بما يتحدث عنه، فهناك حقائق أغفلها كثيرون، ومنها:
1) يتم تقييم الدساتير بما تحويه من قيم ومفاهيم، وليس بطول عمرها أو حداثة عهد صدورها، ومن الأمثلة على ذلك قدم دساتير دول مثل أمريكا وفرنسا.
2) لا القواعد الأجنبية وضعت دستور ليبيا، ولا الدستور هو الذى أتى بها، فموضوع القواعد هو إجتهاد من إجتهادات السلطة التنفيذية فى ذلك الوقت، للخروج بالبلاد من ضائقتها المالية، وقد وافقت السلطة التشريعية على هذا الإجتهاد، وبعد إستغناء البلاد عن دخلها من القواعد، بحكم إكتشاف وتصدير النفط، تم البدء فى العمل على إنهاء وجود تلك القواعد، وذلك قبل إنقلاب سبتمبر ببضع سنوات.
3) الفساد المالى والسياسى خلال فترة العهد الملكى، وبالرغم من عدم وجود أى مجال لمقارنة حجمهما بما يدور الآن فى ليبيا من كوارث، كانا نتيجة ممارسات خاطئة وخارجة عن نطاق الدستور والقوانين الصادرة بمقتضاه.
4) إنخفاض مستوى الوعى لدى عامة الشعب، وتراخى النخب عن ممارستهم لحقهم الدستورى فى تشكيل الأحزاب والجمعيات، هى التى أدت إلى وجود أرضية خصبة لممارسة ذلك الكم المحدود من الفساد خلال فترة العهد الملكى، بل وكانت من بين الأسباب الرئيسية لوقوع كارثة سبتمبر 1969 وما حظى به الإنقلابيون بعدها من تأييد.
5) من كان لديه وعيا كافيا، فى فترة الحكم الدستورى فى ليبيا، تمكن حتى من إبطال مفعول مرسوم ملكى بحل المجلس التنفيذى لولاية طرابلس، وذلك عن طريق المحكمة الدستورية العليا، وغير ذلك من الإنجازات القانونية فى مواجهة التجاوزات والممارسات الخاطئة فى أى مجال من المجالات، وضد أى مسؤول أو مواطن.
6) الإعتراف بواقعة الإلغاء غير الشرعى لدستور البلاد هو إعتراف ضمنى بشرعية النظام الجاثم على صدر ليبيا الآن.
وقد كان لإنخفاض مستوى الوعى، وعدم وجود أى أحزاب أو جمعيات، دورا رئيسيا فى تمكين الإنقلابيين من تمرير (أجندتهم) بسهولة ويسر، بما فى ذلك قبول الجماهير لورقة (الإعلان الدستورى المؤقت) التى أصدرها فتحى الذيب ووقعها معمر القذافى بتاريخ 9 ديسمبر 1969، والتى فهم منها أغلب الناس أنه سيتم قريبا وضع دستور (جديد) للبلاد، ولكن هيهات، فسارق الشرعية لا يقبل بوضع شرعية جديدة تحد من سرقاته! فعمد القذافى بعد ذلك إلى الإبتعاد بالبلاد عن أى نوع من الشرعية وذلك من خلال إعلانه لنقاطه الخمس فى خطاب زوارة، وذلك تحديدا فى الساعات التى كان يتوقع منه فيها (بلهاء) ما سمى بمجلس قيادة الثورة أن يعلن إستقالته على الملأ، ثم إصدار الكتيب الأخضر وإعلان سلطة الشعب الذى يحلو للبعض، خصوصا فى الغرب، تسميته دستور ليبيا (الجديد)!
وفى بداية الثمانينات بدأ الإعلان عن نشاطات المعارضة الوطنية الليبية العاملة فى الخارج، بحكم منع عملها فى الداخل، وقد تبنى منذ تلك الفترة الإتحاد الدستورى الليبى المطالبة بالعودة إلى الشرعية الدستورية من خلال تجديد المبايعة للملك (رحمه الله)، وهى دعوة لم تجد حظا كبيرا من النجاح، وذلك لعدة أسباب، ليس هذا مقام حصرها، غير أن أهمها هو تقدم الملك فى السن وعزوفه الأصيل عن الخوض فى مثل هذه الأمور، خصوصا وأنه قد غادر البلاد فى أغسطس 1969 بعد أن قدم إستقالته من منصبه للمرة الثانية خلال عمله كملك للبلاد، ثم أن وجوده فى مصر فى تلك الفترة لم يكن يمثل وجود (ملك) لاجئ لدى دولة شقيقة، بقدر ما مثل ذلك ما يشبه إعتقاله فى مقر إقامته.
أما باقى تنظيمات المعارضة، مثلها مثل أى معارضة وطنية تتشكل وتعمل فى الخارج، لم يكن بوسعها إلا التعاطى مع القضية الوطنية حسب الإملاءات الذاتية والوطنية والإقليمية والعالمية، حيث لم تمثل الشرعية الدستورية أى أولوية فى تلك الإملاءات خلال تلك الفترة، وبالرغم من ذلك فقد قامت بعض تنظيمات المعارضة الليبية بوضع مشاريع لدساتير (جديدة) لليبيا، والتى إستندت بالأساس على توجهات وإجتهادات قيادات تلك التنظيمات.
وللأمانة التاريخية، فإنه يجب علىّ هنا ذكر واقعة لم تسجلها أى من وسائل الإعلام، أو أدبيات المعارضة الليبية، لأنها حدثت فى لقاء خاص للسيد/ منصور الكيخيا مع أحد المعارضين الوطنيين المستقلين سنة 1991، حيث سأل ذلك المعارض الأستاذ/ منصور عن رأيه فى الشرعية الدستورية، فرد عليه بما معناه (أخى لقد نجحنا فى إتخاذ علم ليبيا كجزء من شعار الإتحاد الوطنى الليبى، وإذا بدأنا فى الحديث عن دستور ليبيا فسيصفنا الجميع بالرجعية والعمالة)، ولقد صدق منصور فى ذلك، فالوقت كان عنصرا شاحنا لعداء كل ما هو وطنى، سواء كان فردا أو تنظيما أو توجها.
ولم يمضى على تلك الواقعة زمن طويل حتى وقعت ليبيا، بسبب جرائم النظام العسكرى الحاكم فيها، فى براثن العقوبات الدولية والتى إستغلها ذلك النظام فى ممارسة المزيد من التضييق غير المبرر على شعبنا فى الداخل، وكذلك رفع ورقة العقوبات فى وجه من يعارضه فى الخارج وإتهامه بالخيانة والتآمر. وبالتالى فلم يعد من الممكن لأحد التصدى للدفاع بشكل فاعل عن قضية الشرعية الدستورية فى ليبيا، وذلك بإستثناء واقعة وحيدة حدثت سنة 1994 عندما قدمت السلطة (اللاشرعية) فى ليبيا تقريرها الدورى إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، والذى وعدت فيه بالعمل على وضع دستور للبلاد!
وقد قامت الرابطة الليبية لحقوق الإنسان فى جينيف بالتعقيب على هذا الموضوع فى ذلك الوقت، والإصرار على مطالبة سلطة القذافى بالإسراع فى وضع الدستور (المنتظر)، غير أن بعض أعضاء الرابطة، وبعض المدافعين عن حقوق الإنسان الآخرين، قد رأوا خطرا محدقا فى ذلك، فقيام سلطة سبتمبر بوضع دستور (جديد) لليبيا هو أكبر خطرا من قيامها بوضع وإصدار (الوثيقة الخضراء لحقوق الإنسان فى عصر الجماهير)، فهل لأى عاقل أن يتوقع من نظام الحكم فى ليبيا الآن وضع دستور لا يتماشى مع الأطروحات الخضراء لذلك النظام؟؟؟
وبعد رفع العقوبات عن ليبيا، وظهور سيف إسلام القذافى على الساحة الدولية، دون وجود أى دور له فى كادر الدولة، وبدء حديثه عن سيادة القانون ومعالجة ملف حقوق الإنسان فى ليبيا، زاد رنين جرس الإنذار لدى المعارضة الوطنية الليبية، فبالرغم من كل ما يقوله سيف فإنه لم يخرج بعد من شرنقة فكر أبيه الأخضر، فحتى المنظمة التى يقودها، وهى مجهولة الموارد المالية وأسس الترخيص، لا زالت تعمل بفكر (الوثيقة الخضراء لحقوق الإنسان فى عصر الجماهير)، فكيف لمثله أن يأتى لليبيا بدستور لا يكون أخضرا مثل فكر أبيه؟
وكما أن إنعقاد المؤتمر الوطنى الأول للمعارضة الليبية لم يأتى من فراغ، أو إنعقد فجأة كما يعتقد البعض، فإن تبنى هذا المؤتمر للشرعية الدستورية لم تأتى من فراغ أيضا، ولم تكن أمرا أقره المؤتمرون بشكل مفاجئ، فقد كانت له مقدمات كثيرة، ومنها إعتصامات ومظاهرات الليبيين فى شوارع المدن الأوروبية، ورفعهم لعلم البلاد، على مدى ثلاث سنوات قبل إنعقاد المؤتمر، وما أحدثه ذلك من ردود فعل إيجابية فى داخل البلاد.
وبالإضافة إلى ما دار من مناقشات مكثفة بين المشاركين فى المؤتمر الوطنى الأول للمعارضة الليبية، فإنه من أهم العناصر التى أدت إلى توافق المؤتمرين على إعتماد الشرعية الدستورية، هو العمل على تفادى ما حدث، ولا يزال يحدث، فى بعض الدول العربية بسبب الفراغ المفاجئ الذى أحدثه تغيير أنظمتها التى لا تختلف كثيرا فى فوضويتها وعدم شرعيتها عن نظام الحكم الحالى فى ليبيا.
الخلاصة:
إن مطالبة المؤتمر بإعمال الشرعية الدستورية فى البلاد تدل دلالة قاطعة على أن المعارضة الوطنية الليبية قد وصلت مرحلة متقدمة جدا من الإدراك والوعى السياسى، وأثبتت أنها تعمل فعلا على تحقيق مصالح شعبها الذى تناضل من أجله، مقدمة بذلك الشرعية على الإيديولجيات والعقائد والتنظيمات.
وبدلا من الإختلاف من الآن حول ما بحوزة بعضنا من (مشاريع دساتير)، أو ما قد يأتى به بعضنا (أو غيرنا) مستقبلا، فعلى أقل تقدير، لدينا الآن دستور جيد سبق لشعبنا والعالم الإعتراف به، وبإمكان شعبنا تعديله عندما تتوافر له الإرادة الحرة للقيام بذلك، وهذا أفضل كثيرا من البدء من الصفر فى محاولة لا تحمد عقباها، إذا أراد بعضنا (أو غيرنا) أن يضع دستورا (جديدا) لبلادنا، ومن لا يرى هذا فعليه النظر إلى ما يحدث الآن فى العراق، أو على الأقل أن يقرأ بتمعن ما يكتبه البعض على صفحات الإنترنت الليبية!
حسين الفيتورى (*) تم تقديمه فى ندوة ذكرى إعلان الدستور الليبي التى عقدت بغرفة (بال توك) المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية، يوم السبت 15 أكتوبر 2005، ولم يتسنى تلاوة الجزء الأخير نظرا لضيق الوقت.
|
![]()