14/11/2005 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
|
فى البداية خلق الله الإنسان ومكّنه فى الأرض، فتكونت بذلك الأُسَرُ والمجتمعات التى إتخذت لها فى أرض الله أوطانًا، ثم أرسل الله أنبياءه وأنزل كُتبه، وجاءت بعد ذلك الأيديولوجيات والعقائد السياسية المختلفة، ولذلك فإن كل من حاول، أو يحاول الآن، التعامل مع هذه المنظومة بشكلٍ معكوس، أى ضد تيّار تطوّرها الطبيعى، فإنه كان، وسيكون، مثل الذى يحاول بناء هرمٍ عن طريق تعليق قمته فى الهواء أولاً، ومن يبدأ بأى نقطة فى المنتصف، فإن حظّه لم، ولن، يكون أفضل من حظ من بدأ برفع قمة الهرم فى الهواء وأغفل ضلعا قاعدته الأساسيان، وهما الإنسان والوطن!(*)
يعتبر الجيش الأمريكى من أكثر، وربما أول، مؤسسات العصر الحديث التى تستخدم مصطلح Rules of Engagement الذى تمت ترجمته إلى اللغة العربية بما يعرف بمصطلح قواعد الإشتباك، وبالرغم من أن الجيش الأمريكى، ولأسباب واضحة، يقصد بهذا المصطلح وضع ضوابط للعمل العسكرى من حيث تحديد مواقع القتال والأهداف وتوقيت ومبررات إطلاق النار، وحجمها وكثافتها ووقت إيقافها، وغير ذلك من الأمور العسكرية المتعلقة بالحرب والسلم من المنظور العسكرى، إلا أنه لكلمة Engagement فى اللغة الإنجليزية معانٍ أخرى غير (الإشتباك) بمفهومه السلبى أو العسكرى، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر، تعشيق التروس والعهد والإلتزام والإلتحام وحتى (الخطوبة) التى تسبق الزواج! وهذا ما دفع بأفراد وجماعات ومؤسسات مختلفة إلى إستخدام هذا المصطلح فى قضايا سياسية وإقتصادية وإجتماعية قد يحار المواطن العربى الذى لا يجيد اللغة الإنجليزية فى فهم مدلولاتها، فكم من الليبيين يعرف على وجه التحديد، ما إذا كان الأستاذ / محمد بويصير، مثلاً، قد قصد هذا المصطلح بالذات عندما إستخدم كلمة (إشتباك) أكثر من مرة فى سلسلة مقالاته الأخيرة بعنوان (هل ينجح العقيد القذافى فى العبور بليبيا نحو العالم الجديد؟) وذلك حين أشار فى الحلقة الأولى من تلك السلسلة إلى (المبادرة والإشتباك الإيجابى) والذى تناول فيه تطور العلاقات الأمريكية (القذّافية) منذ مبادرة القذافى بالتخلى عن أسلحة الدمار الشامل (المزعومة) وتأثير ذلك على موضع (قضية) ليبيا فى الساحة السياسية الأمريكية(**)، ثم أشار فى الجزء الثانى إلى (بداية "الاشتباك السياسى" مع الولايات المتحدة الذى دشنته مبادرة أسلحة الدمار الشامل فى ديسمبر2003)، وعاد فى الجزء الثالث من سلسلة مقالاته المذكورة إلى الإشارة إلى (تطور مراحل "الاشتباك ألأيجابى الحذر" الذى إعتمدته السياسة الأمريكية تجاه ليبيا).
ولست هنا بصدد تقييم كتابات وآراء الأستاذ / محمد بويصير وأمثاله، أو بصدد التيّمن بأساليب الجيش الأمريكى، أو تقليده هو أو غيره من المؤسسات والأفراد، ولكننى أعتقد أنه قد حان الآوان لكى نبدأ جميعا فى صياغة قواعد عامة للإسترشاد بها فى التعامل بين أفراد وفئات مجتمعنا الليبى الجديد الذى بدأ يتشكل فى الداخل والخارج، وبأطياف سياسية وعقائدية وإجتماعية وعرقية مختلفة، يتطلب تطورها وتفاعلها الإيجابى، داخليا وخارجيا، إعتماد أسسٍ للإلتحام والترابط وحتى التشابك، وإلا فإن التفاعل الجارى بيننا الآن على قدم وساق سيتحول كله إلى صراعات وتحالفات جانبية، تغذيها صراعات وتحالفات (جانب) جانبية، تؤدى جميعها إلى تجميد حركة هذا المجتمع وفرض ما يشبه الأمر العسكرى الشهير (محلّك سِرْ)، وما أسخف أن يسير أى إنسان أو مجتمع فى (محلّهِ)، أو يدور حول نفسه، سواء كان ذلك تنفيذا لأمرٍ عسكرى أو تطبيقا لفكرٍ متخلف أو غير ناضج، أيا كانت الأقنعة الإثنية أو اللاهوتية أو الأفكار (الفرانكو / أنجلو / ليبو / عربية) التى يتخفّى وراءها أى من الذين يحاولون فرض ذلك علينا!
ولتفادى الخوض فى ماضى تجاربنا الوطنية المؤلمة فى هذا الصدد، فإننى سأكتفى هنا بالبدء من حيث بدأ تكوين مجتمعنا الليبى الجديد، أى منذ أربعة أعوامٍ تقريبا، عندما وجدنا أنفسنا، وبعد طول عطش، أمام واحة حرية التعبير عن الرأى التى منحتها لنا شبكة المعلومات العالمية بقيادة روّادٍ من أبناء وطننا البررة من المشرفين على منابر إعلامنا الوطنية فى الخارج، فإذا بنا كأفراد فى قافلة أنهكها المسير طويلا فى صحراءٍ قاحلة وجدوا أنفسهم فجأة أمام نبع من الماء الرقراق، فتطاحنوا جميعا (وبشكل طبيعى وبدائى أيضا) على عبّ الماء من ذلك النبع ثم التقيؤ فيه بما كان يملأ صدورهم من أمراض وغبن رحلة القافلة الطويلة!
وقد إستاء كثير من إخوتنا وأخواتنا فى الداخل والخارج من مهرجان (الرّدْح)(***) الذى ساد خطابنا الإعلامى، والتبشيرى أيضا، خلال السنوات الماضية، غير أن التطور الطبيعى قد فرض علينا جميعا العودة مؤخرا، ولو تدريجيًا، إلى ما منحه الله لنا من عقل ومنطق وإيمان(****) وشيم وطنية وعربية وإسلامية، وفى المقدّمة، فقد بدأنا نعود إلى إنسانيّتنا التى فقدناها عند وصولنا، بعد طول عطش، إلى منبع الماء الرقراق، وربما قبل ذلك بسنوات طويلة!
ولكى لا نسئ إستخدام ما سخّره لنا الله، أو خليفته فى الأرض، من وسائل الإتصال والتواصل، فى صراع الهجين العطشى على منبع الماء، ولكى لا نتيح للبعض فرصة إستغلال العقول والنضال من خلال هذه المنابر، فإننى أدعو الجميع إلى إعتماد قواعد للتعبير عن الرأى والإرتباط والتلاحم والإشتباك، لا تجيز لأحد منا التطاول على أسر وقبائل ومدن وأقاليم وتنظيمات من نختلف معه فى الرأى، فإذا إختلف علىّ ومحمدٌ فى أى موضوع، فيجب أن يبقى الخلاف بين علىّ ومحمد فقط، وإذا غضِب أحدنا، مثلاً، من رسمٍ ساخر لفنّاننا (الساطور)، فله أن يصبّ جام غضبه على الساطور فقط، فلا علاقة لرسم الساطور بأسرته أو مشرف الصفحة التى نشرت الرسم أو المؤتمر الوطنى للمعارضة الليبية، وإذا أخطأ السيد / محمد احميدة فى نشر وثيقة ما، أو فى تقييمه لما جاء فيها، فلا ذنب للمؤتمر الوطنى للمعارضة الليبية فى ذلك، وإذا أساء أحد إخواننا من الملتزمين دينيًا فى أى تعبير من التعابير، أو تفسير من التفاسير، فيجب ألاّ نأخذ كل التنظيمات الدينية بجريرته، وإذا إختلف أسامة بن لادن مع مخدومه السابق، وهو المخابرات الأمريكية، فيجب ألا نعتبره بطلا قوميا أو دينيا، وقد ينطبق هذا أيضا على كل من السيدين/ محمد قدرى الخوجة و د. يوسف شاكير بعد إختلافهما مع مخدومهما السابق، وهو الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، مع إحترامى لكل منهما لكونه مواطنًا ليبيًا.
وفى هذا الصدد، فإننى أود أن أعلن للجميع بأنه لم يعد مقبولا إستخدام تعابير مثل حكم سرت المتخلف، أو بغاء طرابلس الشر، أو عنصرية برقة، أو خيانة الحاسة للدستور، أو أحقية أى فئة منا بوطنية أكثر، أو أقدم من غيرها، فجرم القذافى يجب ألا تؤخذ به قبيلة القذاذقة، أو مدينة أو منطقة سرت، وشراكة عمر المحيشى له فى الخيانة، ودوره الشهير فى محمكة الشعب، يجب ألا يعاقب عليه أهل مصراته، ومحاولة إنقلاب عمر المحيشى على (زميله) القذافى، يجب ألا ترفعه إلى مصاف الأبطال فى تاريخ بلدنا الحديث، وأدوار عبدالمنعم الهونى (المشبوهة) فى الإنقلاب، ثم المعارضة، ثم الرجوع إلى أحضان القذافى، يجب ألا يؤاخذ عليها الشرفاء من هون، وقس على ذلك، فلا تزر وازرة وزر أخرى!
وتفاديا لمزيد من الأخطاء فى تقييم كل منا للآخر، ومن أجل العمل على درء المخاطر المترتبة على الخطأ الكبير الذى وقع فيه أغلب أحرارنا وحرائرنا فى الداخل والخارج، فإنه يجب علينا جميعا تفادى المزيد من الإنزلاق نحو ذلك التقييم (التافه) الذى لا أعرف من أين تم فرضه علينا، وهو تقسيمنا بين (جذريين) وإصلاحيين)، فحقيقة الأمر تختلف عن ذلك كثيرا، لأن من يتم وصفهم بـ(الجذريين) الآن، أغلبهم إصلاحيون يئسوا منذ سنوات من إصلاح النظام من ذاته، أو بمشاركة الغير، وعلينا أن نعرف جميعا أن إصلاح النظام الحالى فى ليبيا متوقف بالدرجة الأولى على قرارات يجب عليه إتخاذها من جانبه، وليس لأى طرف ليبى فى الخارج لعب أى دور أساسى فيها الآن، لأن (قواعد الإشتباك) التى فرضها معمر القذافى وجماعته علينا هى: إن لم تكن معنا فنحن ضدك وسنقوم بتصفيتك، ولا يعترف هذا النظام حتى الآن بأى تنظيم معارض، حتى تلك التى تواجهه بالتهديد بالضرب بالـ(معدنوس)، ناهيك بالذين وثقوا فى كلام سيف القذافى ومحمد الزوى وبوزيد دوردة وعبدالمنعم الهونى، واللهم لا شماتة، ولكن على الجميع أن يعرف مع أى نظام نحن نتعامل، وما هى قواعد الإشتباك التى قرر هو التعامل بها معنا، ومع غيرنا من الدول والمنظمات ووسائل الإعلام، وأثبت بعضنا، وللأسف، أنه قابل للوقوع فى حبائله كما تقع بعض المخلوقات فى حبائل العسل (الوهمى).
اللهم أعنا جميعا على رؤية ما فيه خير شعبنا لكى نسترد جميعا كرامتنا الإنسانية ووطننا، ومن ثم ننطلق إلى الأمام...
وإلى لقاء قريب آخر، أستودعكم الله
حسين الفيتورى *) راجع ما نشر مؤخرا حول شعار (الإسلام هو الحل) على صفحة ليبيا وطننا. **) خلال معاناتى لكتابة هذه المساهمة المتواضعة فوجئت بمطالبة وزيرة خارجية أمريكا لحكومة سوريا بالإفراج عن المعتقلين السياسيين لديها، وكأن ما يدور فى ليبيا إنما يحدث فى كوكب آخر لا علاقة له بسياسة أمريكا حيال الشرق الأوسط الكبير! ***) الردح: تعبير مأخوذ عن اللهجة المصرية، وأعتقد أنه يعنى الرقص الخليع المرافق للنقد الفج. ****) راجع مقالة السيد / خالد الغول بشأن الدعوة لتأجيل نقاش شعار (الإسلام هو الحل) على الرابط التالى: http://www.libya-watanona.com/adab/kelghool/kg12115a.htm الكاتب حسين الفيتوري انتقل الى رحمة الله يوم 21 مايو 2007 اثر مرض لم يمهله طويلا. رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته. أرشيف الكاتبملف خاص بالفقيد الراحل حسين الفيتوري |
|||||||