06/11/2005
 

 المجتمع الليبى الجديد (1) حصاد رمضان

 
بقلم: حسين الفيتوري
 
(اعادة نشر)

 

كل عام والشرفاء من حرائر وأحرار ليبيا، فى الداخل والخارج، بخير وسلام، وبعد...

 

ها قد إنقضى رمضان كريم آخر، تعبّد فيه من تعبّد وعمل فيه من عمل وإكتفى فيه من شاء بالدعاء، والله أعلم بالنوايا وما فى ذات كل صدر من الصدور، وذلك من خلال منظموته الحكيمة التى لا تجيز لأى منا، والحمد لله، التدخل بين العبد وربّه وتقييم مدى إلتزامه بدينه وصحّة ممارسته لعباداته. وفيما عدا ذلك، ومن فضل الله علينا أيضا، فإنه ليس فقط من حق كل منا، وإنما من واجبه أيضا، أن يتناول أمورنا الدنيوية العامة بكل تجرد وموضوعية ودون خوف أو وجل من أى سلطان أو جبروت يمكن أن يدّعيه لأنفسهم أى من فقهاء الديموقراطية أو من يزعمون أنهم قادة الدين، خصوصا أولئك الذين ليس لهم أى محل واضح من الإعراب فى كادر دولتنا الحديثة، سواء داخل ليبيا أو خارجها، والتى بدأت تتشكل من جديد بعد ستة وثلاثون عاما من قيام فتحى الديب بتغييب القانون عنها ومواصلة معمر القذافى تغييبها عن القانون.
 
وعندما أتكلم عن المجتمع الليبى الجديد فإننى أقصد بذلك المجتمع الذى بدأ يتشكل فى السنوات الأخيرة بسرعة رهيبة لا تضاهيها إلا سرعة الإلكترونات العاملة بجدارة فى شبكة العنكبوت العالمية التى بدأ هذا المجتمع يتشكل بمساعدة من سريانها، وما أتاحته لنا هذه الشبكة من فرص لحرية التعبير وتبادل المعلومات، والتى حرمنا منها فى الداخل على أيدى القذافى وزبانيته، وحرمنا منها فى الخارج أيضا، وعلى مدى سنوات طويلة، على أيدى بعضٍ ممن يدّعون معارضة القذافى، وكذلك ما فرضته أغلب وسائل إعلام العرب والغرب من تعتيم على قضيتنا العادلة ولأسباب مختلفة تتراوح ما بين إزدواجية معايير الغرب وإزدواجية معايير (العرب) أيضا، ولا أستثنى من ذلك إزدواجية معايير بعض الليبيين!
 
وكما فرض علينا بعض العرب شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)، والتى ثبت أنها معركة (أو معارك) خاسرة بسبب سوء وقلة مؤهلات وشرعية من أداروها من العرب على مدى عقود طويلة، وعندما أقول العرب هنا فإننى أعنى من هم فى دوائر الحكم ومن هم خارجها أيضا، وعلى من يشك فى ذلك أن يقرأ بعضا من اللغط الذى ما زال يكتبه كتابنا (القومجيون) العرب، أو يستمع فقط لمداخلة السيد/ فاروق الشرع، وزير خارجية سوريا الحبيبة، فى إجتماع مجلس الأمن الأخير(*)، فقد حاول آخرون، وفى خط موازى، أن يفرضوا علينا نظرية (الإسلام هو الحل) وذلك دون تقديم أى نموذج لأى حل إسلامى ناجح فى أى بقعة من بقاع الأرض، ولأى أمر من أمور ديننا ودنيانا، بما فى ذلك مواعيد صيامنا وإفطارنا، وعدم قدرة شيخ فاضل مثل السيد/ القرضاوى، فى جلسة شهيرة له مع الأخت/ خديجة فى أحد صالونات قناة الجزيرة، على الإجابة على سؤال واضح ومحدّد وصريح، ألا وهو (كيف يصوم ويفطر المسلم فى مناطق شمال أوروبا التى لا تغيب الشمس عنها فى الصيف ولا تشرق فيها فى الشتاء؟)، وبما أننى أحد الذين عانوا شخصيا من هذه القضية على مدى ثلاث سنوات من إقامتى فى مملكة السويد، حيث فضّلت فى كل رمضان كريم خلال تلك الفترة، الهروب إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط (لكى أتبين الخيط الأبيض من الأسود) وذلك فى صورة (مقلوبة) لمن يهربون من أوطانهم (الإسلامية) إلى أوروبا (الكافرة) خلال شهر رمضان المعظم بحجة الإستشفاء أو (البزنس)! فإننى لا أستطيع الآن وصف هول الصدمة التى أصابتنى بسبب ما قاله هذا الشيخ الفاضل للأخت خديجة، ولمشاهدى الجزيرة فى تلك الليلة، وهو ما معناه أنه على المسلم أن (يستحمل) الصيام الطويل مرة، مقابل أن (يتمتع) بالصيام لفترة قصيرة فى عام آخر، أى أن فضيلة الشيخ قد (كروَتها) تلك الليلة، وأثبت للجميع قلّة علمه بالجغرافيا والفلك، ويا ليته قال: لا أعلم، والله أعلم، وبذلك يكون فعلا قد أفتى!
 
ولست هنا بصدد الخوض فى أمور ديننا الحنيف، أو تعديد المآسى التى جلبها علينا القومجيون العرب، وإنما كمواطن ليبى وإنسان قبل كل شئ، أردت أن أسلط بعض الضوء على ما حدث لنا ولقضيتنا خلال الشهر الكريم الذى ولّى، والذى كان من أهم أحداثه تلك الملحمة الرائعة التى سطرها جمع من شيب وشباب ليبيا أمام 10 داوننق ستريت، يوم أن قالوا: لا، يا سيد بلير، ليس من حقك تسليم القذافى من حصلوا على حق اللجوء فى بريطانيا ولم يرتكبوا أى جريمة على أراضيها، فأثبت ذلك الجمع لشعبنا وللعالم أن كل سجناء ليبيا، وكل ضحايا إنتهاكات حقوق الإنسان فى داخل ليبيا وخارجها، هم الأولَى برعايتنا جميعا، مهما إختلفت توجهاتنا وعقائدنا، وسواء كنا من أعضاء المؤتمر الوطنى للمعارضة الليبية أو من أولئك الذين وصف أحدهم من شاركوا فى ذلك المؤتمر بالمجانين(**) والعياذ بالله!
 
أما فى الداخل، فقد أبى الشهر الكريم أن يودّعنا قبل أن يشهد عائلة الزميل عبدالرازق المنصورى وهى تقوم بتسطير إحدى ملاحم تاريخ نضالنا الوطنى السلمى فى العصر الحديث، فبدلاً من أن تتبرأ هذه الأسرة من إبنها، كما فعل غيرها، قالوا جميعا: إذا لم نقتنع نحن بدعوة عبدالرازق لكل الليبيين بنبذ الخوف، فمن ذا الذى سيقتنع بهذه الدعوة؟؟؟
 
لكم الله يا آل المنصورى، ولست نبياً لكى أقول لكم أن مثواكم الجنّة، غير أننى أستطيع أن أجزم الآن بأنكم قد تبوأتم مكانةً مرموقة فى تاريخ ليبيا وصراع شعبها ضد الطغيان.
 
أما ذلك المرتجف الذى حاول أن يطول من المعارضة الوطنية الليبية بتساؤله عما يمكنها عمله لعائلة المنصورى إذا قام النظام بإعتقالهم أو إضطهادهم، فأقول له ولأمثاله:
 
1)  إن عائلة المنصورى ليسوا أعضاء فى أى تنظيم معارض، وليسوا عملاء لأحد، وقد قاموا بما قاموا به عن إرادة حرة وواعية ومستنيرة، ولم يرتكبوا بعملهم هذا أى جريمة تستدعى إعتقالهم أو إضطهادهم.
 
2)  الجريمة الحقيقية هنا هى ما لحق بعبدالرازق، وما لحق بأسرته تبعاً لذلك، وعلى كل مرتجف أن يكف عن الإستغلال السلبى لهامش حرية النشر التى أتاحتها له منابر الإعلام الوطنى فى الخارج، وأن يتوجه بدلا من ذلك بنقده للسلطة الحاكمة فى ليبيا على هذه الجريمة النكراء، بمن فيهم (المهندس) سيف ومن يدور فى فلكه من (إصلاحيى) الداخل والخارج، الذين أعماهم رماد الإصلاح الوهمى عن رؤية مثل هذه الجرائم وإتخاذ مواقف منها.
 
3)  إن أفضل ضمان لسلامة أى أسرة حرّة، من أسر الأحرار، هو تزايد أعداد من يقولوا (لا) فى وجه الطاغوت، لأنه لن يستطيع أن يعتقلهم ويضطهدهم جميعا، وقد جرّب الشعب الليبى عصر الخوف ورفع شعار (خطا راسى وقص) على مدى ستة وثلاثون عاما، فماذا كانت النتيجة؟ لقد قص النظام أولا تلك الرؤوس الشامخة، ثم إتجه بعد ذلك إلى الرؤوس الأخرى التى إعتقدت لسنوات طويلة أنها بعيدة عن منجله! فتباً للجبناء الذين لا يزالوا يخبؤون رؤوسهم بين الرؤوس، وتباً مرتين لمن يطالب الآخرين بوضع رؤوسهم بين الرؤوس!
 
وفيما عدا ذلك، فقد منّ الله علينا فى هذا الشهر الكريم بمزيدٍ من التواصل بين ليبيى الداخل والخارج بطريقة أصبحت تهدد بفقدان فرص (العمل) لدى من تعوّّد من خارج ليبيا على صياغة الموضوعات الإنشائية المكررة والمملة حول شيطانية النظام وفساده، فقد حل محلّهم، وبجدارة، أبناء وبنات وطننا من الداخل، والذين أصبحوا فعلا أفضل من (جهينة) بما لديهم من الخبر اليقين (والطازج، على رأى قناة الجزيرة)، وبالتالى فقد أصبح على بعض من هم فى الخارج التوقف عن المزايدة على غيرهم والإنضمام الفورى إلى العمل السياسى والحقوقى المنظّم، بكافة أشكاله وصوره، وفى مقدمتها النزول إلى شوارع أوروبا وأمريكا للمشاركة فى الإعتصامات الميدانية، بدلاً من الإكتفاء بالمعارضة (البرج عاجيّة)***، لأن نزولنا إلى الشوارع والميادين أصبح مطلباً من مطالب شعبنا فى الداخل، علينا أن نستجيب له، لأنه ضرورة  تمليها المرحلة الحالية من نضالنا الوطنى ضد الطاغوت، فهل من مجيب؟؟؟
 
فإذا كان رد القارئ: نعم، أنا لها، فأرجوه الإتصال بلجان العمل الوطنى على الساحتين الأوروبية والأمريكية، وإذا كان الرد (لا)، فإننى أنصحه بالتوقف عن قراءة ما ينشر على هذا المنبر، والبحث بدلا من ذلك عن جريدة (الزحف الأخضر) لقرائتها، لأن ما فيها من عفن هو الأقرب إلى تفكيره!!!
 
وقبل أن أفسد فرحة عيد الفطر على البعض، فسأكتفى بهذا القدر على أمل اللقاء قريبا فى حلقة أخرى بعنوان:
(قواعد الإشتباك)!
 
حسين الفيتورى
 

*) بعد صدور قرار مجلس الأمن بالإجماع بمطالبة سوريا بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية فى مقتل الراحل رفيق الحريرى، حاول فاروق الشرع تشبيه إمكانية تورط أجهزة الأمن السورية فى هذه الجريمة بإمكانية تورط الأمن الأمريكى فى إعتداءات 11 سبتمبر، والأمن الأسبانى فى تفجيرات مدريد، وحتى بإفتراض منطقية وصحة هذه (النظرية)، فإنه قد آن الأوان لحكامنا، ولنا جميعا، بأن نتشبه ونقارن بالأفضل، وليس بالأسوأ، وذلك لكى نتفادى الخسران المبين!
**) راجع مقالة السيد/ خالد الغول على الرابط التالى:
http://www.libya-watanona.com/adab/kelghool/kg23105a.htm
 ***) وهى معارضة غرف البال توك وكتابات الإنترنت، وخصوصا بأسماء وهمية!

 

الكاتب حسين الفيتوري انتقل الى رحمة الله يوم 21 مايو 2007 اثر مرض لم يمهله طويلا.

رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته.

 

أرشيف الكاتب

ملف خاص بالفقيد الراحل حسين الفيتوري

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة