عوائق
أجندة الحد الأدنى
بعد إنبلاج فجر ثورة المعلومات وشيوع ثقافة الأنترنت .. وبعد إنتصار ثورة
السماوات المفتوحة وتجاوز الفضائيات العربية لكافة الحدود .. وبعد أحداث
11 سبتمبر وما صاحبها من تغيرات جذرية فى المزاج العالمي .. وأولوياته ..
خاصة نظرته لعلاقة الحريات العامة بخلفية الحدث .. وبعد .. وبعد .. وما
نتج عن كل تلك المتغيرات من إرتفاع فى منسوب الوعي الجماعي .. وتراكم فى
الكم المعرفي حول قضية الحريات العامة وتوسيع قاعدة الشراكة فى إدارة دفة
الأوطان.. بات الكثير من أبناء ليبيا يتطلعون الى حدوث معجزة الإصلاح
السياسي الحقيقي داخل
الوطن بصورة سلسة وسلمية .. ودون الحاجة الى مباضع المستر بوش .. ولا الى
حُفر صدام حسين .. وأضحى الكل يتمنى أن يبيت فيُصبح على واقع غير الواقع
المأزوم الذى تعيشه ليبيا اليوم .
وقد
سمعت الكثير من حديث التمنيات المنبعث من داخل الوطن .. مرفقاً بأرتال من
الحِرص على مصلحة الوطن العلياً .. وممزوجاً
بخلاصة عصارة النوايا الحسنة ..ومصفوفاً بعبارات لو طرحت على نظام تنوء
صحائفه بما تنوء به صحائف النظام الليبي لتمسّك بتلك المبادرات ..
ولانطلق فى رحلة التخفيف من أوزاره ( على غرار دول الجوار ).. ولكنني
أتأسف ـ ويتأسف معي الغالبية من أبناء الوطن ـ على ضياع العمر فى
المراوحة عند " ليت " و " لو " .. لأن أحد الحقائق على الأرض تشير الى
إنعدام إمكانية بعث الدولة الحديثة دون بعث مقدماتها .. والى إنعدام فرصة
بعث مقدماتها بدون كشف اللثام عن عوائق المرحلة .
عموما قد لا يتناغم ما سأقوله مع ما يُطرح فى المهجر من أفكار وخلاصات ..
ومع ما هو مطلوب من المهجر من مواقف .. فهذا صحيح .. لكون ما سأقوله موجه
الى أصدقاء ـ فى داخل الوطن ـ تساءلوا عن إمكانية دوران عجلة الإصلاح
السياسي الحقيقي وفق المعطيات الموجودة على الأرض .. والتى يرى البعض
صعوبة تبدلها فى الوقت الراهن .. لأسباب قد لا نتفق عليها ولكني بصفة
شخصية أتفهمها بوضوح .. فمجاراةً لذلك الرتم .. ونسجاً على هكذا وتيرة ..
سأفترض جدلاً أننا متفقون على أن يكون الواقع على الأرض ـ دون تغيير ـ هو
نقطة البداية لبحث فرضية أو إمكانية دوران عجلة الإصلاح السياسي تحديدا
؟! (1) .
ففي
تقديري من الصعب ـ حتى وفق هكذا توصيف للواقع ـ أن تدور عجلة الإصلاح
السياسي .. وسأضرب صفحاً ـ مؤقتاً ـ عن بعض زوايا النظر القريبة.. مثل
غياب الشرعية أو المشروعية .. وسأنطلق فى شرح ما أتصور أنه الأقرب الى
المنطق المتماسك من زاوية أبعد قليلا ولكنها ذات تأثير مباشر على ما يمكن
وصفه بأجندة الحد الأدنى .. وأطلب من أصدقائنا أن يتأملوا تلك الزوايا
البعيدة نسبيا فلربما لمحوا فى خلفيتها ما قد أعجز عن وصفه بواسطة
الكلمات .
فعلى
سبيل المثال :
هناك زاوية الهاجس الأمني :
وهذه لا يمكن تجاوزها بعبارات تطييب الخواطر عند الحديث عن الإصلاح
السياسي .. فلا زال النظام يعيش هاجساً أمنياً مخيفاً .. فهو مثلاً لا
يتصور إي إمكانية لأن يتحول أي من خصومه ( كاليسار القديم ) الى الواقعية
السياسية .. ولا يقبل فرضية أن يكونوا قد تخلوا عن تصوراتهم عنه من أجل
إيجاد قواسم مشتركة خدمة للوطن ـ على طريقتهم وفهمهم ـ .. فالنظام يتعاطى
مع كل حركة مهما كانت إيجابية .. ومهما كانت جريئة .. على أنها شـَرك
منصوب .. وفخ لا تحمد عواقب الإقتراب منه .. فهكذا نفسية مضطربة لا تفسر
أي تحرك أو حركة أو مطالبة إلا على أنها مؤامرة .. ولهذا نجد أن كل
الرسائل الإيجابية التى بُعثت للنظام ـ سواء بصورة مباشرة أو بصورة مبطنة
ـ تم التعاطي معها من زاوية الهاجس الأمني أولا(2) .. وبالتالي أهملت أي
قيمة سياسية فيها .. وهكذا أصبح تخندق النظام حول نظريات أمنية بائدة
يشكل أحد العوائق التى لا يمكن معها تصور ملامح الإصلاح السياسي المنشود
.. أو حتى مجرد تفهمه من طرف من لا يؤمن بإمكانية حدوثه .. ومن هنا قد
تكون نصيحة البقاء على مسافة من السلطة هي أحد الخيارات لمعالجة الهاجس
الأمني(خاصة عندما يتحول الى وسواس).. ولربما يكون الإحجام عن التعاطي
بصورة مباشرة مع المصاب بهستيريا الهاجس الأمني نوعا من أنواع الوقاية ..
إذا لم نتفق على أنه نوع من أنواع العلاج .. لكونه يعيد الكرة الى ملعب
المريض نفسه ليتركه يصارع هواجسه .. ويضمن بقاء الأخرين بصحة جيدة لحين
نضج الظروف الموضوعية التى تضمن إنطلاقة صحيحة وصحية لإستحقاقات أصبحت
تبريرات غيابها تثير السخرية والإشفاق معا .
وهناك زاوية دمج المسارات:
والعائق
الثاني الذى سيصطدم به حتى الذين يرفعون لواء أجندة الحد الأدنى من أجل
فك طلاسم المرحلة .. وتحريك الماء الراكد .. هو الخلط أو الدمج بين مسار
السلطة ومسار الدولة .. حتى أصبح ذلك الدمج جزءً من ثقافة رجال النظام او
السلطة .. وفرعاً من أفرع المنظومة القانونية للدولة .. وسُطرت بعض
اللوائح خدمة لهكذا تخبيص ..( بل للأسف فى بعض المستويات أضيفت الى لعبة
الدمج أسماء أسر وشخصيات لا تحمل أي حيثية فى كادر الدولة ) فأنتج الخلط
حالة من المساواة بين منتقدي الدولة .. ومنتقدي النظام واعتبروا شيئا
واحدا .. بل وأعطوا ذات الوصف القانوني .. وشملهم ذات الحكم القضائي ..
فكيف سيستقيم الأمر لأصدقائنا الذين يأملون فى دوران عجلة الإصلاح
السياسي .. والحال كذلك .. فحتى لو صمتوا ـ تجاوزا ـ عن المطالبة بإحداث
تغييرات حقيقية فى شكل و جوهر النظام ( العقيدة السياسية الحاكمة ) من
أجل دفع المسيرة أو المسار ـ جريا على قاعدة دفع أعلى المفسدتين بإحتمال
أدناهما ، إذا أعتبرنا ان تلك هي المفسدة الدنيا ـ .. فلا يمكن لهم الصمت
على المطالبة بإحداث تغييرات حقيقية وعميقة فى شكل وجوهر الدولة .. لأن
الصمت على هذا القدر يعني إنتفاء فكرة الإصلاح السياسي من الأصل ..
وتحولها الى شكل من أشكال التسول السياسي .
وبما أن
الفصل بين الوصفين أو المسارين غير موجود ـ لا فى ثقافة رجال النظام ولا
فى قوانين الدولة ـ وغير متوقع الحدوث على المدى المنظور .. فإن أمنية
البدء بمشوار الإصلاح السياسي الحقيقي ـ فى تقديري ـ لم تكتمل شروطها
وبالتالي لم يحن وقتها.. فعندما يسعى النظام لفك الاشتباك الذى أشعر
أحيانا أنه متعمد .. ويعترف بأنه نمط من أنماط الحكم .. القائمة على
الإجتهاد البشري الذى من أبرز سماته التغير الذاتي ..والتداول مع الأخر..
وأن الدولة بمؤسساتها ولوائحها التنظيمية وشخصياتها الإعتبارية وبنيتها
التحتية ومصادر ثرواتها .. شيء منفصل عنه .. لا يقبل التأميم ولايقع تحت
طائلة قوانين وضع اليد !.. عندها قد يجد أصدقائنا مندوحة فى الكلام
أوالبحث عن نقطة البداية .. والتى قد تكون مقبولة ـ مرحليا ـ تحت شعار "
إصلاح الدولة أولا ".. طبعا بعد إطلاق سراحها.. وفك أسرها من لعبة دمج
المسارات .
وهناك زاوية غياب الإرادة
السياسية:
وهذه
ثالثة الأثافي .. فقد نتفهم أن عملية التغيير الجذري ـ ثورة شعبية أو
إنقلاب عسكري أو نحوه ـ لا تتطلب إرادة مُعلنة من النظام أو الدولة
لكونها الطرف المستهدف .. أما عملية الإصلاح السياسي فلا يمكن بحال تصور
حصولها بدون وجود إرادة حقيقية ومعلنة تمنحها الضوء الأخضر .. وما نشاهده
فى ليبيا هو غياب هذه الإرادة أو عدم وضوحها بالشكل الكافي .. ( وحتى
القدر اليسير منها يكاد يفقد مصداقيته لكثرة الوعود غير المنجزة ) .. فلا
يكفي لحصول الإصلاح السياسي أن يتمنى النظام حدوثه .. بل عندما يكون حديث
النظام هو حديث الأماني .. وحديث الطرف الأخر هو حديث المصارحة والتصريح
بالإرادة .. فهذا يعني أن الهرم مقلوب.. وأن ثمة خلل أكيد فى المعادلة ..
لكون معادلة مشاريع الإصلاح السياسي " الحقيقية " تتألف عادة من شطرين
أساسيين هما التصريح بالإرادة السياسية لذلك .. وقبول مبدأ الشراكة فى
ممارسته.. وعند التدبر فى حالتنا الليبية نجد أنهما من أبرز الغائبين ..
فماذا ستنجز لنا أجندة الحد الأدنى للإصلاح السياسي المفتقرة الى إرادة
سياسية حقيقية تمنحها مشروعية الوجود ؟!.. فالعملية السياسية ـ التى
نراقبها هذه الأيام ـ بمثابة العربة التى تقف أمام مفترق طرق تم تثبيت
وضعية شارته الضوئية على اللون الأحمر !! .
على أي
حال ـ كما قلت ـ هو حديث لبعض الأصدقاء فى داخل الوطن .. نسجته على منوال
معطيات نستشعر رغبتهم فى أن تنضج وتأتي ثمارها .. والجميع يعرف مدى
وطنيتهم وإخلاصهم لبلادهم .. وشخصيا اشفق على مشوارهم .. وأثمّنه ..
أثمّنه من جهة موقفهم المتسامح الى درجة التفريط .. الذى لو إلتقطه أي
حاكم لربما أمسك به وأعتبره طوق النجاة .. وأشفق عليهم لأن المؤشرات تقول
انه غير مسموح فى بلادنا بمرور أجندة الحد الأدنى حتى الأن .. وعليهم أن
ينتظروا كما لو أنهم يحملون رغبة صهيونية لتطبيع العلاقات ـ بل لعله من
سخرية القدر أن الرغبات الصهيونية باتت تجد أذاناً صاغية وأبوابا مُشرعة
ـ !!.
يبدو ـ
بكل أسف ـ أن بعض أركان النظام الليبي لازالت مصرة على التمسك بعقلية نصف
الإله.. وأن ما يطرح من فلسفة مختنقة لازال يجسد ـ فى نظرهم ـ الحل
النهائي رغم كمية الكوارث التى خلفتها.. عموما سيذكر التاريخ للقوى
الوطنية نضالها فى داخل الوطن وخارجه .. وأنها رغم الجراح
.. ورغم الألم كانت حريصة على أن لا تخدش وطنية
القضية الليبية .. وسيترك ـ التاريخ ـ باب
الفصل الأخير فى القصة الليبية مواربا فلربما رغب الشعب الليبي فى كتابة
كلمته الأخيرة يوما ما .
والسلام
عيسى عبدالقيوم
1ـ عُبر عن
عملية الاصلاح السياسي المنشود بعدة تعابير منها " ترتيب البيت الداخلي
" .. و " العبور الى المستقبل " .. و " التحول من الثورة الى الدولة " ..
ولكني فضلت إستخدام التعبير المباشر من أجل التأكيد على كل تلك المعاني
من جهة .. ومن جهة أخرى حتى أفصل بينه وبين مسارات الاصلاح الاقتصادي أو
الاجتماعي أو الحقوقي .. المتعثرة هي الاخري .. وإن كانت افضل حالا فى
السنوات الأخيرة من المسار السياسي المسدود .. والذى يعتبر بيت القصيد فى
أمنيات الشعب الليبي بكافة اطيافه.
2ـ لعل
طغيان الهاجس الأمني قد برز بوضوح فى قضية العائدون الى الوطن .. فبرغم
من الضمانات التى اعطيت لهم إلا أنهم تعرضوا للاعتقال ( كحالة السيد محمد
القن .. ومحمود ابوشيمة .. وكامل الكيلاني التى ذكرتها تقارير حقوقية
نشرت منذ فترة ) .. وكذلك صرح السيد سيف الاسلام فى خطاب اغسطس الماضي من
أن هناك إشكاليات أمنية ( هواجس ) فى التعاطي مع قضية الإقراج عن قيادات
الاخوان المسلمين .