17/11/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

نوفمبر 2005

              


الكاتب الليبي: عيسى عبدالقيوم

 

 مؤسسات المجتمع المدني   

 

مؤسسات المجتمع المدني أو الأهلي (1) ـ التى تكرمت منطقتنا بمحاولة تحسسها فى مطلع التسعينيات رغم قِدم المُصطلح والممارسة ـ هي فى الجملة عبارة عن : أطر وهياكل متعددة أو متنوعة الوظائف (2).. غير ربحية .. ولا تستهدف الوصول الى السلطة وغير قابلة للذوبان فيها.. وتخوض صراعها بوسائل النضال السلمي .. وغالبا ما تكون غير مؤدلجة .

 

وبهذا باتت تشكل أحد الخطوات الجادة نحو مشاركة فاعلة وحقيقية فى صناعة ومراقبة حركة الدولة .. والمجتمع .. وتمثل قفزة إنسانية رائعة نحو توسع أفقي يجّسد أحد معاني مفهوم الشراكة فى الوطن.. ويمكن تصنيفها على أنها أحد أوجه الهروب من الفردية بشكل منظم وراقٍ .. ومغاير لأشكال العمل الجماعي التى عرفناها .. ( كألاحزاب السياسية .. ومؤسسات الدولة .. والنتوءات القبلية .. ونحوه ) .

 

ولعل أبرز ما يُميز مؤسسات المجتمع المدني ويجعلها شيئاً مختلفاً عن الأحزاب السياسية كونها لا تستهدف ـ فى الجملة ـ المشاركة أو الإستفراد بالسلطة بصورة مباشرة .. وكذلك يميزها إستقلالها الكامل ـ من حيث التمويل والإدارة ـ عن المنظومة السياسية ( حكومات أو معارضة ) مما يجعل خدماتها غير مُسيّسة أو مُجّيرة لجهة بعينها.. وإن كانت إمتدادات حِراكها ستخدم ـ على نحو ما ـ من سيتفق أو يتقاطع مع أفكارها أو مواقفها .. لكونها تقف فى المساحة الواقعة بين الدولة والمجتمع .. أو بين الشعب ودوائر صنع القرار السياسي .. وعلى مسافة ثابتة منهما .. وتقوم بدورها سواء السياسي أو الثقافي أو الإجتماعي ... الخ . من خارج منظومة أو هياكل تلك المُحدِدات .

 

وفى تصوري فإن بقاء فكرة مؤسسات المجتمع المدني بتلك الصورة .. وبذلك التمايز أمر مهم وحيوي .. وفى تقديري هذه أحد المسئوليات العاجلة الملقاة على عاتقنا جميعا بدون إستثناء .. فقد يكون من مصلحة الأنظمة " المتخلفة " أن تخلق مؤسسات مُدجّنة من أجل سحب البساط من تحت المؤسسات الحقيقية لتجنب مضايقاتها .. ولضمان مزيد من الدعاية وتزييف الواقع .. ولكن أن تفكر المعارضة ( بأطرها السياسية ) فى خلق .. أو بعث مؤسسات المجتمع المدني تحت مظلتها السياسية .. وبإدارة ذات الوجوه الحزبية .. فتلك عثرة ما لها من مَقيل .. وقد يُنظر إليها على أنها مؤشر على ضعف التنظيمات السياسية فى أداء مهامها الأساسية المنوطة بها .. مما جعلها تفكر فى لعب ورقة مؤسسات المجتمع المدني عبر الدمج بين مسارها والمسار السياسي المباشر .. لكون خطاب المعارضة كان ـ ومن المُفترض أن يستمر ـ دائم الزعم بجنوحه الى القيمة والتبشير بها .. ودائم الصراخ والتذكير بسيئة إستفراد الأنظمة بالسلطة .. فهكذا توجه قد يُقوّض مصداقية تلك الشعارات .. ويجعلها أقرب الى شعارات الحملات الإنتخابية منها الى شعارات المشروع السياسي العارف بحدود العلاقة بين مكونات الحالة التى ينشط  فيها  .

 

وفى تقديري فإن طريقة وطبيعة مؤسسات المجتمع المدني أوالأهلي .. تختلف عن طريقة وطبيعة العمل السياسي المؤطر (3) .. وإن كان إحتمال التقاطع عند نقطة البحث عن الصيغ المُفضلة للتعاطي مع حركة الدولة والمجتمع أمراً وارداً .. إذا كان كلاهما يؤدي دوره بصورة صحيحة.. فالحالة المثالية لهما أن يكونا على شكل دائرتين متجاورتين يتقاطع محيطهما فى مساحة محددة.. مع بقاء الجزء الأكبر منه بعيدا عن التداخل .. وأيضا مع بقاء مركز كل دائرة على مسافة من مركز الدائرة الأخرى .

 

فعلى سبيل المثال لو ناقش حزب سياسي مشكلة القانون 15 ( سيئ الصيت ) فمستهدفه من النقاش هو إثبات فشل الحكومة فى إيجاد حل لمشكلة العمل .. والبديل هو أن ترحل ليحل محلها هو أو غيره .. فلكونه يقف على أرضية معارضة فهو غير ملزم ـ منطقيا ـ بإصلاح ما تفسده الحكومة .. أما إذا نوقشت ذات القضية من قبل مؤسسة مجتمع مدني ففى الغالب يكون مستهدفها التنبيه الى الخلل .. والضغط من أجل اصلاحه .. دون أن تكون معنية بالمشاركة المباشرة فى ذلك (الممارسة) .. وهذا لا يمنع من إحتمال تقدمها ببعض الأفكار العامة حول المشكلة والحل .. التى قد تستفيد منها المعارضة للضغط على النظام .. أو يستفيد منها النظام للإفلات من ضغط المعارضة .. فدور مؤسسات المجتمع المدني هو ترسيخ قيم الحريات العامة وحقوق الإنسان ونحوه .. والبحث عن الأخطاء ـ فى الطرح أو الممارسة ـ ومحاولة كشفها .. والسعي لبسط حزمة من الأفكار والمقترحات والتوصيات حولها .. ولا فرق هنا إن كان المتلبس بالخطأ محسوباً على خندق الدولة .. أو النظام .. أو المعارضة .. هذا بالطبع اذا أخذنا فى الإعتبار أن الدافع وراء النقد هو المنطق القيمي.. القائم على فكرة الإنحياز الإيجابي .. والمنطلق من مقعد مؤسسات المجتمع المدني .. الأكثر مرونة بطبيعته .

 

ويمكن إعتبار ان أقصى ما يمكن أن تصل إليه مؤسسات المجتمع المدني فى علاقتها بمكونات المحيط هو المشاركة فى ورش عمل .. أو منتديات علمية.. أو فكرية ..أو مؤتمرات وطنية سواء أكانت سياسية أو مهنية .. أو فى عقد جلسات ثنائية مع المعني بالمشكلة أو بالحل .. أو فى طرح المشاكل التى ترصدها فى منابر دولية للتعريف بها أو لجلب الدعم الأهلي لها .. خاصة من المنظومة الغربية التى تعج بمؤسسات المجتمع المدني الحقيقية ممن لديها الرغبة فى مساعدة الشعوب بشكل جاد .. فعند هذا الحد ـ فى تقديري ـ تنتهي مهمة مقعد مؤسسات المجتمع المدني .. لتبدأ مهمة الأحزاب والتجمعات أو التحالفات السياسية .. سواء أكانت فى سدة الحكم .. أو فى مقاعد المعارضة .

 

ولعله من المفيد كذلك التنويه الى أن العادة قد درجت على أن تتولى ـ فى الغالب ـ قيادة تلك المؤسسات شخصيات مستقلة.. لضمان سلامة القصد.. ولترسيخ الثقة .. ولتوسيع دائرة المشاركة .. فلا يمكن بحال أن تجمع شخصية واحدة .. فى ذات الوقت والزمن .. بين رئاسة مؤسسة من مؤسسات المجتمع الأهلي.. ورئاسة حزب أو تقلد منصب سياسي أو حزبي .. فما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه !! .. خاصة عند الحديث عن المؤسسات الحقوقية .. أو الثقافية .. أو الصحافية .. ونحو ذلك .

 

فالاستقلالية فى إدارة هكذا مؤسسات أحد الضمانات الضرورية .. بل قد لا أبالغ إذا قلت أنها تصلح لتكون أحد شروط الصحة .. وهذا لا يمنع من إنتساب أي سياسي  ( ولو كان رئيسا لحزب ) لمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني ( كعضو) لممارسة نشاط ثقافي .. أو للإنتساب الى مجموعة مهنية .. أو للمشاركة فى تحقيق إنسانيته !.. أو حتى لمجرد إثبات إيمانه بهكذا تقليد حضاري .. وتقديمه  لصورة عملية عن بعض ما يبشر به من قيم المدينة الفاضلة .

 

أما عن الدور المطلوب من مؤسسات المجتمع المدني .. فهو كما قلت ينبع ويتجه الى تحقيق القيمة فى حياة الناس .. ولكن فى تصوري أن نسبة التغيير المرجو مشاهدتها .. ذات صلة وثيقة بالمنطق التراكمي .. وترتبط بصورة أصيلة بمنحى نسبة الوعي المسجلة فى التعاطي مع حركة الثقافة والمثقف .. وبالتالي ما ينتج عن المؤسسات التى يستظل بها .

 

فالمؤسسة التى تتحرك فى مجتمع أمي أو بدوي ، لا يدعم حقوقها ولا يعير إنتباهاً لوجودها .. لا يمكن أن يُطلب منها ذات النتائج التى تحققها نظيرتها المتحصلة على كافة حقوقها من الدعم والمساندة من مجتمع واعٍ ومتعلم .. فإذا كنا نصف مجتمعنا الليبي بأنه مجتمع فى طور النمو.. ولازالت تغلب عليه طباع الإستبداد السياسي .. ويعاني من فقر مُدقع فى غذائه الثقافي .. وتحكمه لوائح قبلية جلها لا يصلح للإستهلاك البشري .. وتشكمه فلسفة دينية تخلط بين حقها فى الإجتهاد وحق غيرها فى رفض إجتهادها .. فلا يمكن ـ والحال كذلك ـ أن نساوي بين قوائم المتطلبات .. بل لعل مُطالبتنا لهكذا مؤسسات.. تعمل وسط هكذا ظروف .. بالسعي لرفع مستوى الوعي فقط .. سيكون أحد أسباب دعمها للذهاب بعيدا .. ولعل شكرها على ذلك الدور سيحمل نوعا من تفهم دورها المنبثق ـ كما قلت ـ عن الإتفاق معها على نوعية البيئة والمحيط الذى تعمل فيه .. ويبقى نقد أداءها .. أو رؤيتها للمستقبل .. من أجل دفعها نحو الأفضل باباً لا يغلق طالما ولِجَ بشروط النقد الصحيحة .. فتعريف مؤسسة ما على أنها من " مؤسسات المجتمع المدني " لا يعتبر مانعا من موانع نقد أداءها .. أو مطالبتها بالكشف عن مصادر تمويلها .. أو عن رؤيتها للمستقبل.

 

سادتي الكرام .. لنترك مساحة مؤسسات المجتمع المدني أو الأهلي تعمل وفق طبيعتها وطريقتها التى أنتجتها وتميزت بها .. فذلك هو أفضل ما يمكن أن نقدمه لوطننا ومواطنينا .. فأي محاولة للعبث بجيناتها الوراثية سيجعلنا نفتقدها الى الأبد .. فليست الشطارة تدمير ما يبدعه غيرك .. بل الشطارة الحقيقية تكمن فى الإضافة إليه .. وربما سنقبل أن تكون الشطارة فى حالتنا الليبية هى المحافظة عليه فقط .

 

أقول ما تقرأون وأستغفر الله لي ولكم .. وقوموا الى حياتكم  .

 

والسلام

 

عيسى عبدالقيــــــــــوم

yumuhu@yahoo.com

 


 

1ـ فكرة هذا المقال ناتجة عن الحوار الذى جرى على قناة ليبيا المستقبل يوم السبت 12/11/2005م .. والذى تباينت فيه وجهات النظر حول قضية كيفية إنشاء أو بعث مؤسسات المجتمع المدني .. وهل من المنطقي أن تقوم أطر ذات وظيفة سياسية مباشرة ( ضُرب المؤتمر الوطني كمثال ) بإطلاق ما يشبه الامتدادت لها تحت مسمى مؤسسات المجتمع المدني ؟!.. والإختلاف هنا صحي بكل معنى الكلمة.. لذا نتمنى أن يستمر الحوار تحت سقف عال من الصراحة .. وبأقصى درجات الشفافية .. لخطورته ولعلاقتها المباشرة بالمستقبل .

 

2ـ ويدخل ضمن تعريفها كل المؤسسات التى تسعى لخدمة الصالح العام .. ولا تصنف على أنها جزء من أي منظومة أو جسم سياسي يستهدف السلطة بصورة مباشرة .. وقد تكون سياسية / ثقافية / حقوقية / أكاديمية / دينية / إجتماعية / إعلامية / بحثية / بيئية .. الخ . وقد يطرح سؤال حول المؤسسات الدينية ( كالاوقاف وهيئات العلماء ونحوه ) هل هي من مؤسسات المجتمع المدني أم لا ؟! .. فى تقديري ربما كانت فى الزمن الغابر عندما كانت مستقلة عن الدولة .. بل وتقف موقف الناقد والمحاسب لها .. كانت ضمن هكذا وصف .. أما اليوم فهي أبعد ما تكون عن ذلك سواء من جهة إندماجها فى تركيبة الدولة .. او من جهة دورها فى حركة النهضة .. وايضا قد يطرأ سؤال حول الاحزاب السياسية .. ولماذا لا تكون ضمن مؤسسات المجتمع المدني ؟! .. أتصور أن الاحزاب عندما تكون فى خندق المعارضة قد تحسب بعض ممارستها على ما نحن بصدده .. ولكن خطورة ضمها الى تعريف مؤسسات المجتمع المدني يكمن فى كون مآلها ومستهدفها هو السلطة السياسية .. فمنطلقها وطبيعتها وطريقتها وخاتمتها تدل على أنها قد تتقاطع مع هكذا تعريف.. ولكن يقينا لا يمكن أن تجسده .

 

3ـ أحد تعليقات تلك الليلة على السبورة  :( هل لدى عيسى حساسية ضد الاحزاب .. فليس صحيح أن من تحزب خان ) .. أو نحو ذلك .. اقول ليس لدى اي نوع من الحساسية ضد ظاهرة وجود الاحزاب فى الدولة الحديثة .. بل لعلي كتبت ذات مرة أن التغيير الحقيقي لا يقوم الا بواسطة احزاب سياسية فاعلة .. ولكن بالفعل لدي حساسية ضد الرغبة الجامحة عند بعض الاحزاب للتكويش على كل مفردات العمل الليبي .. وتحويل المهجر الى لون واحد .. وصوت واحد .. ولا فرق إن تم ذلك باسم التدين أو باسم الديمقراطية .. وسواء أمرر ذلك تحت ذريعة المحافظة على الهوية او منابذة النظام .. ولازلت أشعر بضرورة إحترام الرقم فى المعادلة الحزبية .. وبضرورة حضور المشروع السياسي كمقدمة .. والحرص على إبراز ما يثبت أن هذا الحزب أو ذاك لايزال على قيد الحياة .. حتى لا نعّده لا سمح الله فى قوائم الاحزاب المنتقلة الى رحمة الله .. غير جاحدينها عليهم !! .

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة