
الكاتب الليبي:
عيسى عبدالقيوم
لله
فى خلقنا شئون!

نشر الإعلام
البريطاني يوم 27 اكتوبر خبر المسابقة التى أقيمت فى مدينة لندن لإختيار أفضل كلب
سياسي فى المملكة المتحدة .. ( اي أفضل كلب ساند ودعم صاحبه فى حملته الإنتخابية )
.. وفاز بها الكلب " استير " المملوك لأحد نواب حزب المحافظين (معارضة).. وقد حضي
الكلب بتغطية إعلامية مناسبة .. الى درجة تقدمه ـ إعلاميا ـ على خبر محاكمة العّم
صدام .. ونشامة حزب البعث ! .
ونشر الإعلام
الفرنسي فى اليوم الثاني 28 أكتوبر خبر القطة الأمريكية " ايملي " التى هربت من
الولايات المتحدة الأمريكية ـ على متن طائرة طبعا ـ ووجدت نفسها فى فرنسا .. وتم
تغطية الخبر الى درجة وضع صورة القطة على أغلفة بعض المجلات لدعم حقها فى العودة
لموطنها الأصلي .. عبر فتح باب التبرع لتوفير ثمن التذكرة.
شعرت بشيء من
الإختناق وأنا أحاول أن أكتب تعليقا على هذه الأخبار .. فنحن لا نعرف فى ثقافتنا
الليبية ( النزيكه من وجهة نظرنا ) غير إزدراء الحيوانات.. فيقال إستخفافا بقيمة
رجل ما.. " كلب وطاحت عليه حيطه ".. ويقال إزدراء بقيمة امرأة ما.. " اخنق القطوس
تخاف العروس".
ولعل عودة الإحساس
بالإختناق ـ الذى ولدّته المقارنة السريعة بين هكذا أخبار .. وبين ما يرد من داخل
الوطن من حَكايات ـ ذكرني بقصة كانت تتداول أيام الثمانينات .. ربما تصلح لشرح بعض
ما يخالجني.. قيل أن أحدهم ـ أيامها ـ أوقف شخصا وقال له وهو يشير الى سيجارة فى
يده : بالله عندك ولعه ؟!.. فما كان من الأخر إلا أن أشار الى صدره وقال : حطه هنا
تو يولع !! .
للتأكيد على درجة
الإحتقان التى وصل اليها ذلك المواطن.
وفى ليبيا أيامها
كان الوطن والمواطن على صفيح ساخن بكل ما تعنيه الكلمة .. ويكفي أن تتحدث مع مواطن
واحد لترتسم أمامك الصورة القاتمة للأوضاع يومذاك .. والتى يأمل الشعب الذى إكتوى
بنارها أن تزال ذيولها .. وألا تعود مرة أخرى لممارسة نهش جسده المُثخن بالجراح ..
فما كان منها يكفي وزيادة !! .
ولعل مما يزيد من
الحنقة والإمتعاظ أن هذه القصة التى حدثت فى الثمانينات سواء أكانت صحيحة أم مبالغ
فيها.. يبدو ـ بكل أسى وأسف ـ أنها مازالت صالحة للتداول حتى بمعايير الالفية
الثالثة .. والعالم على مشارف مغادرة الكرة الأرضية للعيش فى كواكب أخرى .. ربما
لتركها لحيواناتهم الأليفة !! .. مما سيحدو بتلك العجماوات اللاتي سيرثن الأرض أن
تنطق إحداها حين ترانا نرتع فى أقبية العالم الثالث .. وربما تقول : لله فى خلقهم
شئون !! .
وعند هذا الحد ..
لو قلت لكم " طفح الكيل " .. فهذا يعني إعترافا مني بأن هناك كيل .. ولو قلت لكم "
فاضت مرارتي ".. فهذا أيضا اعترافا مني بأن مرارتي مازالت تعمل.. فما أحتاجه لوصف
إحساسي بحالة التهميش التى يعيشها المواطن .. المصحوبة بحالة إستكراد وتعتيم ..
مَثلٌ لم تلده أمه بعد .
ولن أضرب
مثالا على وضعية التعتيم فى حالتنا الليبية بحادثة سجن أبوسليم التى راح ضحيتها
مئات من سجناء الرأي (2) قتلوا خارج إطار القضاء .. ولن أسرد وقائع إعصار القانون
15 وما خلفه من كوارث متكتم عليها على البيئة والإنسان .. ولن أزعجكم بالكلام عن
حلم بعث الدولة الليبية الحديثة الممنوع من الصرف .. ولن اطالب بالتنكيش وراء قضية
كابونات صدام (3) المتجاوز عنها .. ولن .. ولن .. ولن .. حتى لا يقال هذه أمور
سياسية وتحتاج الى أثمان باهضة .. أو أن إختلاف وجهات النظر فيها ـ وحولها ـ يحتاج
لمتون وحواشي .. وكذلك حتى لا أتهم بمخاطبة من رجليه فى النار من وراء بحار مثلجة
.. وتلك تهمة أجتهد أن أجنب نفسي التورط فيها .. لما فيها من حق .. ولما ألمسه من
تعاطيها بشراهة من طرف بعض قاطني المهجر .. ولتفاهة وسطحية بعض التحليلات حولها ..
يتلبس بها بين الفينة والأخرى بعض مروجي الأساطير من كتـّاب الداخل .
فقط أريد أن
أضرب مثلا بقضية أطفال الإيدز (4) .. وأتساءل : لماذا هذا التعتيم على قضيتهم
العادلة ؟! .. ولماذا جعل ملفهم بعيدا عن الجميع ؟! .. نحن نشاهد ـ فى عصر السماوات
المفتوحة ـ أن كافة القضايا التى تشغل الرأي العام .. يُفسح لها المجال وتعطى
الأولوية فى وسائل الإعلام المتنوعة ..وغالبا ما تفرد لها الصفحة الأولى والعناوين
الرئيسية.. بل فى بعض الدول التى تحترم شعوبها يُفرّغ لها ناطق رسمي مَهمته البقاء
على إتصال بوسائل الإعلام المختلفة .. وتزويدها بمستجدات القضية .. والإجابة على ما
يرد حولها من تساؤلات .
فالعُرف السائد فى
هكذا قضايا ـ عند الذين إحترموا حقوق " أستير" و " إميلي" سالفي الذكر ـ أن يطلع
الرأي العام على كل صغيرة وكبيرة فيها .. لضمان دعمها شعبيا من جهة.. ولتحويلها الى
قضايا رأي عام عصية عن الكولسه من جهة اخرى .. هذه هي الحدود الدنيا إذا كان النظام
بالفعل راغبا فى إحترام شعبه .. وجادا فى عدم تسييس القضية .. والدخول بها الى
أنفاق المقايضة على ملفاته العالقة ( ما يقال حول الربط بينها وبين قضية المقرحي )
.. وأقصد بالتعتيم الإعلامي عدم الكشف عن مراحل سير القضية .. وما يقال عن دخولها
الى سوق المناقصات السياسية الذى يرشح بعض المراقبين إحتمال أن تتغير قوانين الدولة
الليبية من أجل تمريره .. ولا أعتبر بحال الإعلان عن حالات الوفاة فى الصحافة
الرسمية يرتقي الى مستوى التغطية الإعلامية المطلوبة من أجهزة الدولة المعنية ـ
والمسئولة فى ذات الوقت ـ عن ملف بهذا الحجم .. وتلك الخطورة .
ولن أطالب
بالتسوية بين أطفالنا .. وبين الكلب الإنجليزي الذى إن طاحت عليه حيطة من السماء
سيحمر لها أنف قصر باكنقهام .. وستتجاوب مع أصداء سقوطها أروقة مجلس العموم .. أو
الهرة الامريكية التى بات خنقها يشكل إنتهاكا قد يقع فاعله تحت طائلة الفصل السابع
من ميثاق الامم المتحدة .. لا .. لن اطالب بالتسوية .. حشاهم فهم بشر.
ولكني فقط
أود أن أنبه الناس الى أن أمم حولهم أعطت حيواناتها حقوقها ونصيبها فى وسائل
الإعلام .. طبعا بعد أن أعطوا البشر تلك الحقوق كاملة .. فإلى متى سيظل الإنسان
الليبي أخر ما يشغل بال النظام ؟! .. الى متى يظل المواطن الليبي يبحث عن حقيقة ما
يحدث فى وطنه من وسائل الاعلام الخارجية !؟ (5).. وهنا أتساءل لماذا لا يبث موقع
الدكتور شكري غانم .. كنافذة على رئاسة الوزراء .. أخر أخبار قضية الإيدز وما
يتناثر حولها ـ فى الإعلام الخارجي ـ من كلام خطير ؟! .. ولماذا لا تثار حملة
إعلامية عبر التلفزيون من أجل إحداث توازن مع ما تقوم به الأيادي الملوثة بدماء
أطفالنا فى الغرب ؟! .
والسلام
عيسى عبدالقيوم
أرشيف الكاتب
-
الصورة نقلا عن
صحيفة ليبيا اليوم .
-
بمناسبة الحديث عن
سجناء الرأي .. فقد شاهد الرأي العام عودة محاكمة جماعة الاخوان المسلمين
والتأجيل لهم الى نهاية الشهر القادم بدلا من إطلاق سراحهم .. ودائما وسط تعتيم
إعلامي داخلي .. خاصة بعد الوعود التى إطلقت بشأن الافراج عنهم .. ولاشك أن هكذا
ممارسة لن تقابل إلا بالاستهجان والتنديد .
-
كابونات صدام .. أو
ما اصطلح على تسميته بفضيحة النفط مقابل الغذاء .. فقد أخذت الكثير من الدول ما
جاء فى اوراق تلك الفضيحة مأخذ الجد .. من التحقيق مع جورج قالوي فى بريطانيا ..
وحتى ابن السيد كوفي عنان فى الامم المتحدة .. مرورا بتوجان الفصيل البرلمانية
الاردنية .. وأخيرا يوم (7/10) جمدت الهند صلاحيات وزير خارجيتها حتى يمثل أمام
لجنة التحقيق لورود اسمه ضمن القائمة .. وكل تلك الاتهامات تم التصريح بها للراي
العام ونشر جزء من وقائعها .. ودافع المتهمون فيها على انفسهم .. ومناسبة الكلام
أن إسم الدكتور شكري غانم رئيس وزراء دولتنا قد ورد ضمن قائمة كابونات صدام .
-
لتجنب
التكرار يمكن مراجعة المقالة ذات الصلة " مأساة تصدير الإيدز .. الغموض الثلاثي
فى قضية رأي عام " .. المنشورة على موقع ليبياالمستقبل 3 ينويو2005م . .. تحت هذا
الرابط .
-
http://www.libya-al-mostakbal.com/MinbarAlkottab/June/essa030605.htm
-
وتكاد تخلو الجرائد
والمجلات الصادرة داخل الوطن من الأخبار الحقيقة والحساسة والتحقيقات حول قضية
الايدز .. فيما تمنح جرائد اخرى تصدر خارج الوطن وممنوعة من التداول داخله بعض
الاخبار التى لا تنسجم مع نبض الشارع الليبي.. أنظر تصريح السيد شيف الاسلام
القذافي لوكالة رويتر .. فى
جريدة القدس العربي .. الصادرة يوم الجمعة 11 نوفمبر 2005م .