12/11/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

نوفمبر 2005

              


 

سجون القذافى مقابر الاحياء (1-7)

 

أنا   في  ليبيا من جيل  ا سماه القذافى ب (جيل الغضب), ووسميته انا (جيل الكوارث) ,جيل نشأ في بداية الكارثة التى اصابت ليبيا عام69, وكبر وشاخ فيها ,جيل عاش الخراب والدماروشاهدسفك الدماء والقمع والحصار والغربةداخل وطنه لاننا صرنا  اما منفيين في الوطن أو مطلوبين على لائحة الانتظار.
 

جيل  يصبح  على صور القذافى المعلقةومقولاته المكتوبة على  جدران الشوراع او  مدونة فى كتب المناهج جيل يمسى علىخطابات القذافى وصور تنفيذ الاعدامات عبر شاشات التلفاز جيل عمل القذافى وزبانيته على تغييب الوعي لدينا وزيفوا لنا الحقائق وزوروا التاريخ من ثم غيبوناومن ثم غيبواليبيا من خارطة الحضارة فى العالم .. وهذا الغياب المقصود هو الذي أطال في عمر نظام القذافى القمعى والذى أتمنى أن لا يطول الغياب ليطيل من عمر خرابنا وضياعنا وشتاتنا..

 

جيل يعيش فى  وطنٍ يمكن لأقل كلمةٍ لا تعجب القذافى أن تنقلك فورا الى حبل المشنقة, وتغيبك عن الوجود في رمشة عين فقبل 28 عاما , اجد نفسى واقفا في ساحةفناء منزلنا القديم أتفرّس في وجه ابى الذى كان يرتدىملابس غريبة عنى اراها لاول مرة يرتديها ذات لون اخضرباهت ويرتدى حذاء كبيرا يبدو من مشية والدى انه ثقيل وكان والدى يعتزم الخروج فى تلك اللحظة من منزلنا حيث كانت تنتظره سيارةنقل عسكرية لتنقله الى ساحات الحرب التى كنت اسمع عن وقوعها مع دولة مصر وفى ذات الوقت ارى اثار الحزن والالم من الفراق والخوف من القادم المجهول بادية على ملامح وجه والدتى واخوتى الذين كانوا يودعون والدى,فى تلك اللحظة شعرت بشىء  لاول مرةاسمه الم الفراق والحزن والذى كان بداية مسيرة الامى واحزانى فى هذا الوطن  لم اعرف ماسبب تلك الحرب ولماذا قامت ولكن بعد ان عاد والدى من تلك الحرب سمعته يحدث شقيقى الاكبر عن ماحدث معه فى تلك الاحداث وكنت استمع الى والدى وهو يتحدث وفى صوته نبرةممزوجة  بالم كيف ان العديد من المواطنيين الضحايا من ابناء الشعبين  الليبى والمصرى يتعرضون الى الضرب والاعتقال التعسفى من كلا الطرفين  رغم انهما ينتمون الى دين واحد وهو الاسلام  ثم بعد ذلك تندلع حرب تشاد, ويسقط القناع  الذى يخفى حقيقة القذافى  ليرى العالم حشدا من القتلى والمعوقين والاسرى,و تفتح الحرب أشداقها على امتداد الوطن, صورا لجماجم وأكوام عظام وثياب ممزقة في توابيت يحملها آباء واجمون وأمهات شاحبات مخمشات الخدوداذكر جيداكيف انه فى ليبيا عبث الموت يتداخل بعبث الحياة  بمرارة, وكيف ان الحرب فى تشاد كانت تبتلع اشلاء  ابنائنا في تلك الحرب المجانية التى كان  يدفع القذافى الشعب الليبى الى خوضها  يدفع الشعب الليبىو(بقلب بارد) إلى الرصاص والنار كأحطاب يابسة, ليزداد وقودها من أجل غنيمة أو وسام مجد أو نزوة أو مصلحة غلفها بالشعارات الوطنية والقومية والدينية لازلت اذكر منظر الامهات والاهالى كيف يقفون فى طوابير فى انتظار عودة ابنائهم من الحرب اما جنائز او معوقين او ناجين او ياتيهم خبر اسرهم او فقدانهم فى ميادين القتال وكيف ان الشوارع قد اغلقت ونصبت بها الخيام وملئت اذاننا اصوات الصراخ والنياح المنبعث من حناجر الامهات والزوجات والاخوات. لازلت اذكر جيدا كيف اننا كنا نصوم ونفطر على سماع اومشاهدة القتلى والمعدومين اما فى ساحات المدن او عبر شاشات التلفاز  فى ليبياوكيف
القناة المرئية الليبية كانت تتكدس باغانى والتمثليات التى تمتدح القذافىوتصفه بانه العادل والمنجد والمحرر وناصر المظلومين رغم ان فى سجونه الالاف من السجناء والضحايا والقتلى من ابناء الوطن.

 

لازلت اذكر كيف بقيت لسنوات  ملتصقا إلى شاشة التلفريون او مكبر صوت المذياع, أتتبع مسار القاذفات, وفي ذاكرتي تتراكض كل تلك السنوات النائحة لازلت اذكر كيف قام القذافى المتهور بتفجير طائرة لوكربى ليلفنا حصار طويل ومرير على مدى سنوات لازلت اذكر كيف انه انتشرت البوابات الامنية فى ليبيا بحثا عن اشخاص يوصفون بانهم عملاء وخونة وكلاب ضالة تريد ان تسمم المياة وتفسدعلى الشعب الليبى نشوتهم فى التحرر من الاستعمار والعهد الملكى المباد لا زلت اذكر كيف تم اعدام العديد من ابناء ليبيا وكيف تم  اعدامهم امام المئات من ابناء ليبيا وكيف نقلت الى جميع ابناء الشعب الليبى ليشاهدوا ذلك عبر التلفاز كدرسا وعظة لمن تسول له نفسه بان يرفض تقبيل يدى السلطان ولازلت اذكر كيف اننى بكيت على الكثير منهم رغم اننى لا اعرفهم ولا تربطنى بهم اى صلة وكيف ان بيتنا تحول الى مناحة من البكاء عندما شاهد افراد اسرتى اعدام اولئك الاشخاص واصبح ابناء(( ليبيا  المنسية))  وسط تكتم اعلامى وبمعزل عن العالم الخارجى أحطابها المهيأة للوقود للاحتراق فى اى وقت من اجل نزوات القذافى وترهاته فابناء ليبيا أمامهم الموت والرصاص, وتحتهم رفات من سبقوهم من ابناء ليبيا المناضلين, وخلفهم لجان الإعدام الثورية, وفوقهم سماء ملبدة بالدخان والغيوم لا يدري احدهم عما ستنجلي. لم نر صحفيا أو محطة تنقل خراب ليبيا الحقيقي أطراف سياسية كثيرة, دولية وعربية, وقادة ومفكرون ومثقفون وشعراء وفنانون كانواولازالوا يأتون لليبيا ولم  يهتم بماساةالمواطن الليبى أحد منهم, وقد غضوا طرفهم عما يجري فى ليبيا, بدوافع شتى قومية واقتصادية وومالية وشعاراتيةوكان يموت ابناء ليبيا ويتعفنون ويدفنون بصمت دون ان يبكى عليهم وكان ثمة اشياء سائدة في الشوارع هما: صور القذافى واللافتات والجدران التى تحمل مقولاته.

 

  وكانت أيام الاعدام والاعتقالات والقتل هي الأيام العادية وأيام الامن والسلم هي الاستثناء .. وقبل أن يتيبس التراب على رفات من سقطوا في المواجهات او الاعدام أو ينمو العشب على ذكراهم, وقبل أن يكتمل قدوم أسرانا من سجون القذافى يتم اعتقال وقتل واعدام واغتيال شباب اخرينثم قام دكتاتورنا المتهور بفجير طائرة لوكربى, لتقوم طائرات امريكية بغارات على منازل ابناء الشعب الليبى ثم ليلفنا حصار طويل ومرير على مدى  اعوام ) .... لا زلت اذكر كيف اننى سمعت الاذاعات وهى تطلق الصراخات والاستيغاثات المطالبة لجميع ابناء الوطن العربى والدول العربية لكى يقفوا بجانب ليبيا لمناصرتها ضد الغارة التى قامت بها طائرات امريكيا واذكر جيدا كيف ان اعضاء اللجان الثورية كيف قاموا بمهاجمةالمثابات الثورية وقاموا باحراق الوثائق الدالة عليهم وجميع الاوراق الموجودة فى تلك المثابات ولا زلت اذكر كيف هرب القذافى من سرداب منزله هاربا تاركا اسرته وابناء الشعب الليبى يلاقون الويلات والموت من جراء ما اقترفه هو من اخطا لازلت اذكركيف كانت العديد من الاسر تنتظر الافراج عن ابنائها القابعين فى سجن ابوسليم وكيف فرح جميع ابناء الشعب الليبىلهذا القرار وكيف تم  تمزيق قوائم الممنوعين من السفر وكيف تم هدم سور السجن امام ناظر الجميع والذى نقل عبر شاشة التلفاز فى جميع البيوت ولقد كانت خيبتى وصدمتى كبيرة عندما اكتشفت ان السجن مازال باقيا وانا السجان مازال حيا وانه هناك 100 سجين لم يفرج عنهم على الرغم من ادعاءات القذافى بالافراج عن جميع السجناء و لم يفرج عنهم الا فى الاونة الاخيرة وانا هناك الالاف من الليبين لا زالوا ممنوعين من السفر حتى الان.

  

لازلت اذكر كيف ان العديد من الاسر تعرضت منازلها للمداهمات وكيف ان الالاف من ابنائهم تعرضوا للاعتقال لازلت اذكر كيف اتت  وبعد ذلك سنوات أكثر حلكة ,سنوات مرّة منكمشا في وطنى الذى اصبح موضعا ترقّّص فيه القذائف والرصاصات على ايقاعاتها المجنونة ذات اليمين وذات الشمال ,أجمع تلك السنوات  التي قضيتها فى وطنى تحت وطئة الاعتقالات والمداهمات والقتل,   وكانت صورالمطلوبين  تعلق في كل زقاق أو محلة ثم لتطوى وتنصب غيرها, في مكان آخر, على مدار الأعوام  كأن قدري أن أعيش فى بلد الماسى والاحزان والحروب, دفعة واحدة, لتلاحقنى  يد الطغيان والظلم واتعرض الى الاعتقال ولأذوق لوعة الاعتقال والالام , وليموت أبي بعد اعتقالى  على سريره  متأثرا بحادثة اعتقالى.. ولأذوق بعدها مرارة الفراق والخوف والحرمان والفقد لارفع راسى الى سقف زنزانتى, متالما لأرى قطرتين تنهمران على خدي لتغسل ما بى نفسى من الم وحزن أحاول  أن أوقف الذاكرة على مشهد سعيد قضيته فى ليبيا فتتداخل الصور باحداث, القتل والاعتقالات, المداهمات  والاعدامات والشظاياوكأن قدري أن أعيش حياتي المتعثرة سلسلة من الالام والاحزان  الام الظلم واحزان وفراق الاصدقاء والاحباب فى تلك المعاناة والتجارب الحية  وقد طبعت تلك الأيام والصور المريرة التى قضيتها فى سجن في ذاكرتي وماشاهدته من سجناء معذبين ومرضى وضحايا  نظام القذافى, ولأتعلم منها أول الدروس وأقساها أن لكلمة الحق ومحاربة الظلم مفعولها  قوى, لكن لها أثمانها الباهظة ولأرى أمامي عقب خروجى من السجن عدة طرق أن أهرب من وطنى تاركا اهلى او -أن أسكت للابد كما سكت الجميع واحنى راسى لهم او ان اضحى بحياتى من اجل محاربة الظلم والدفاع عن الالاف المظلومين والمضطهدين الذين رايتهم والتقيت بهم فى سجون القذافى.

 

وفي خضم هذه الصور, وغيرها, المحفورة بالألم والخوف والتى سوف احملها معي و لسنوات طويلة في دومات الرعب القابعة على صدرى وصدور الليبين فى ليبيا ستظل هذه الصور وهواجس الخوف التى تتقافز أمامي ومعها روحي اللائبة لأقل هزةاو صيحةاوأقل طرقة باب فى ظلمة الليل الدامس وبايدى رجال الامن لنشلى من الحياة اما الى غيابات السجون والتعذيب او قوائم المفقودين والمغتالين وما أكثرها في ليبيا..

 

فمن اقل قرعة بابٍ تتأهب والدتى لتودعنى كما ودعت الاف الامهات ابنائها وما اكثرهن فى بلدىمن اقل همسة او سماع طرقا على الباب اعد نفسى الى طريق الاعودة الذى سلكه الالاف من ابناء بلدى وما اكثرهم لكن كثيرا ما يكون القرع صدا لهاجس الخوف الذى يدوى  في مخيلة رأسي ورغم هذا فأنا أعرفُ بالتأكيدان رجال الامن سياتون يوما ليقرعون باب منزلى بل ليحطموه اذا ما استطاعت قدرتهم الجسدية على ذلك فانا على يقين بانه يوما سوف تمتدُ ايديهم الى وليملؤا قلب امى بالاحزان ثم يغادرون  بعد ان ينتزعوا منى اما حريتى او روحى  لذلك قررت ان أستعين بفن الخطاب المستتر .. ووجدتُ في هذا الأخير إغراء في المغامرة والتحدي و النضال والإبداع معا.. خاصة وأن القبضة الحديدية فى ليبيا لم تكمن تترك لنا أقل فسحة لنطل برءوسنا الضاجة خارج ما هو مسموح به حيث ان الكتابة  تحتاج إلى السرعة والحذر الكبيرتين فىنفس الوقت خصوصا عند الكتابة على مواقع المعارضة .وهذا الاسلوب لجأ إليه العديد من ابناء ليبيا فى الداخل, و كان هذا الاسلوب  عاملا مهما لتجاوز الخطوط الحمراء الكثيرة والواقع الامنى الذي  يخيم على كل شيء في ليبيا, ليس في مجال الكتابة والتعبير فحسب بل في مختلف شئون الحياة الأخرىفنحن نجد في الكتابة فى المواقع الالكترونية للمعارضة متنفسا للتعبير عما بانفسنا من كبت ووسيلة لانتقاد  نظام القذافى والسعى لا صلاح ليبياوانقاذها من ان تغرق فى الوحل القذر الذى وضعت به ولنحارب الفساد الذى صار سمة من سمات الاوضاع فى ليبيا فى ظل نظام القذافى..

 

فانه من جانب آخركنت اعلم ان هذا الاسلوب سوف يجرى علي ما جرى من وشايات المخبرين والمتعاونيين ورجال الامن - في الداخل والذين كنت ومن معى من ابناء ليبيا الشرفاء فى الداخل عصيين عليهم, خارجين على قدراتهم وقبضتهم الامنية مستوحدين في القضية ملتصقين بوجع الناس وهموم الوطن..  ووجدنا إن هناك العديد من ابناء الشعب الليبى الصادقين والمثقفين كانوا لنا سندا بهيا ومتينا ساعدونا فى نقل ارائنا والامنا للعالم, ووجدنا انهم, تعذبوا وتشردوا لأنهم كانوا امناء وصادقين مع أنفسهم وشعبهم ووطنهم فى حمل قضاياهم  وقد وجدنا فيهم المرفأ والواحة..

 

وفي خضم ذلك الواقع البائس واليائس, كنت أرى في الكتابة على الانترنت جسرا إلى العالم والحرية .. بل وعملا نضاليا  ومن جانبٍ آخر كنت أرى فيه الرد الحقيقي على اكاذيب هذا النظام وزبانيته وانصاره من الظلاميين و المزايدين و  سماسرة ليبيا وهذا ما جعلنى اقوم بكتابة هذه الاوراق.

 

إبن الوطن

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة