بين "منطق
السفينة" و "منهج الخرق" (1/4)
على هامش مقال
"المشروع الوطني والحوار اولاً"
بقلم:
د.فتحي خليفة
محمد عقوب
في ظلال الحديث
النبوي الشريف الذي سبقتِ الإشارةُ إليه والذي رواه النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ
اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ
أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ
مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا
خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا
هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا "
نعودُ لموضوعنا لمزيد بيان وإضافة تعليق كان جديراً بالذكر.
لقد تضمَّن هذا الحديث - الذي رواه أقطابُ السنة وعلماؤها الأجلاء كالبخاري ومسلم
وغيرهم من نقاد السنة وفحولها - أهم أسس وقوانين الوجود الإنساني، وإني أعود إليه
وأتناوله ببعض التوضيحات بياناً لعلاقة إيراده بموضوع المقال السابق "المشروع
الوطني والحوار أولاً" فأردتُ أنْ تكونَ هذه حلقات أربع على هامش ذلك الموضوع طلبا
– كما أسلفتُ - للمزيد من الوضوح وتلمسّاً لبعض المعاني الراقية في ذلك النصّ
العظيم التي تتعلق بموضوع ذلك المقال، وبخاصة أنَّ الحديث جاء بأسلوب ضرب المثل،
ذلك الأسلوب الذي ورد في القرآن والسنة في أروع صوره التي لم تعرف العربية لها
مثيلاً، ولا يخفى أن أسلوب التمثيل المشهور في الوحيين يُعتبر من أبلغ الأساليب في
نقل المعاني وأكثرها تأثيراً في النفوس والعقول، على أن تُفهم تلك الأمثال في
سياقها وسباقها، حيث تجعل المرءَ يرسم في ذهنه صورةً ناطقةً لا تقف عند الرمز
التمثيلي أو الكنائي بل يصبح وكأنه يرى ذلك المعنى المقصود ماثلاً أمامه فيما يعيشه
في الواقع.
أعود لهذا الحديث المشهور بحديث الاستهام، الذي يمكن اعتباره بحقٍّ لَبِنَةً مِنْ
لَبِنَاتِ الثقافة الإسلامية التي تُؤكّد على عمق ورسوخ بناء تلك الثقافة، إضافة
لعلو سقفها بعلو مكانة مصدرها الأساسي الوحي المنزّه المعصوم – القرآن والسنة -
ويَبقى بعد ذلك الجهد البشري في الفهم والتحليل خاضعا لمدى موافقته من مخالفته
لقوانين وآليات الاجتهاد، والخطأ فيه – بدايةً ونهايةً – على صاحبه وله أجر
الاجتهاد
.
مِن تلك المعاني والأسس التي تضمنها ذلك الحديث المبارك والتي تجعلنا نعتبره من
المداخل الهامة لقضيتنا الوطنية برمتها؛ حيث يجلو الكثير من أبعادها، ويوضح العديد
من علاقاتها ويضع جملةً من المبادئ العامة تصلح أن تكون قواسم مشتركة ونقاط التقاء
بين شركاء القضية، أنه أشارَ إلى جملةٍ من سنن الوجود والاختلاف، والتعدد والحركة،
وطائفةٍ من قضايا الاجتماع وحقائقه وعناصر التعايش والتسامح، لن أدخل في تفاصيل ذلك
كله، ولكن الذي يعنيني هنا أولاً هو الربط بين ذلك وبين أساس الحوار الوطني الذي
تحدثنا عنه سابقا كمقدمة ضرورية للعمل الوطني ومن ثَمَّ صياغة المشروع الوطني أو
مسودته على نحو ما ذكر سابقاً.
*
* *
إنَّ مَثلنا اليوم
كمثل قوم "استهموا في سفينة" والاستهام يحمل معانٍ تشير إلى حقيقة الشراكة
والاشتراك، والعقد والتعاقد، والتعدد والتنوع، إنها شراكة وطنية، في سفينة ذلك
الوطن القضية، وقد عبّر الحديث بـ"السفينة"؛ وذلك يشير أيضاً إلى معاني الوحدة
الوطنية، ووحدة الهوية الغالبة التي تعني وجود النهج الواضح، والمقصد والغاية
المحدّدة، إذن فالاستهام كما يُشير لاجتماع أبناء الوطن ولُحمتهم وتشاركهم، يُشير
في الوقت ذاته إلى تعدّدِ وتنوّعِ تلك المُشاركة مِن حيث العناصر والأساليب ووسائل
تحقيق المصالح
.
ثم إنَّ تلك السفينة (الوطن) قد أقلَّتْ أصنافا من الناس، ذوي وظائف متعدة وتخصصات
متنوعة، واهتمامات مختلفة، ورؤى بل ومُنطلقات متباينة، فهناك قوم في أعلاها على
اختلافٍ في مكانهم وتقسيم أعمالهم وتمايز قدراتهم وتباين أفكارهم بل وطرق تفكيرهم
ومذاهبهم في ذلك، وآخرون في أسفلها، يمرون على أولئك في الأعلى عند قيامهم بتلبية
حاجاتهم الأساسية من ماء – وهو أصل الحياة ومناط استمرارها وفقدانه أو عدم الحصول
عليه يعني الهلاك والنهاية - ونحوه، وهذا المرور الذي يُعبِّرُ عنه الفقهاء
والقانونيون بـ "حق الارتفاق" هو جزء من حزمة التكافل الاجتماعي وأنظمته التي
أرساها الإسلام وأسس عليها جملةً من الحقوق يمكن أن يُبحث عنها في مَظَانِّها مِن
أبواب الفقه ومصادره المعروفة. وبناءً عليه فإنَّ مِن حقِّ أبناء السفينة الواحدة
أينما كانوا في أعلاها أو في أسفلها أن يستفيدوا من ذلك الحق طالما هناك توزيع
وظيفي يُحدِّدُ عناصر التكافل والتكامل بينهم، ولا يَحِقُّ لأحدِهم أنْ يعتدي على
الآخر أو يمنعه حقاً.
إن هذا كله من لوازم التعايش الإنساني الذي لا جدال فيه ولا مراء، إذ قاعدة الوطنية
وحقوق المواطنة أنَّ: " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " فتقوم حينئذ تلك المنظومة
الحقوقية بدور الحافظ لاستمرار الشراكة وفاعليتها وبقائها، فضلا عن حفظ الكينونة
والوجود من أساسه من خلال تلبية تلك الحاجات الأساسية. وبذلك يكون التنوع والتقسيم
في الأعمال والمهام ضماناً لحياة المجتمع وفاعليته بل وبقاءه؛ إذ ليس للأعلى – ضمن
وضعه الوظيفي – أن يدعي قيمة تفضيلية تغريه بالتحكم أو التعسف أو إساءة استخدام حقه
بما قد يؤدي إلى إضرار أو أذى للغير، تحت تأثير الهوى أو سيطرة الاستبداد، هذا هو
منطق الوجود وسنة الاختلاف والتنوع المفضي إلى التكامل والتكافل البشري وإلا فإنه
لا بديل إلا الفوضى والنزاع والتنازع، والتلف بل والموت والزوال بكل ما تعنيه هذه
الكلمات من معانٍ " هَلَكُوا جميعاً ".
فإذا كان الأمر هكذا، فما محل المضمون التحذيري الشديد الوارد في الحديث والذي جاء
في التعبير النبوي " فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا " ؟
هذا - بإذن الله تعالى - سيكون موضوع لقائنا القادم.
فللحديث بقية على هامش المشروع الوطني والحوار بين "منطق السفينة" و "منهج الخرق".
أستودعكم الله ..
والسلام عليكم ..
د.فتحي خليفة محمد عقوب
(أحمد عبد الله
Ahmad_lah@Maktoob.info )