06/11/05

 

أرشيف 2004

 يناير 2005

فبراير 2005

مارس 2005

أبريل 2005

 مايو 2005

 يونيو 2005

 يوليو 2005

اغسطس 2005

سبتمبر 2005

اكتوبر 2005

نوفمبر 2005

              


بقلم: يوسف المجريسي

 

 يا هلال الغضب هِلّ..

 

في ربيع 1996 كنت في زيارة لألبانيا، وحدث أن دخلت إلى محل لتصليح الساعات، وكان صاحبه رجلاً يبدو من تجاعيد وجه أنه في خريف عمره. وبعدما أيقن أنني مسلم ولست من بني قومه، قال لي، وعينه على الباب خشية أن يسترق السمع أحد: سأذكر لك شيئاً أرجو أن لا تبوح به لأحد في هذا البلد. لقد بدأت أصوم منذ كان عمري 17 عاماً، ولا زلت أصوم كل رمضان ولا يعلم بصيامي أحد. فسألته مستغرباً: مم تخاف وقد انتهى عهد أنور خوجة وبدأ عهد ديمقراطي لا تخشى فيه ظلماً ولا هضماً؟ فبدت علامات الحيرة على وجهه، ولم يعقب على سؤالي.

لقد فرض الطاغية أنور خوجة الإلحاد على الشعب الألباني فرضاً، حتى الختان، أو عقد القران بالصورة الشرعية، أو التسمية بأسماء المسلمين، أو غسل الميت، فضلاً عن الصلاة عليه، كانت من الأمور المحرمة في عهده القاتم، ومن يرتكب شيئاً من شعائر أي دين يواجه من الفظائع والأهوال ما لا يخطر على بال إنس ولا جان. ولكن الصيام عبادة سرية لا يستطيع أحد مهما بلغ جبروته أن يمنع الناس عنها. وكان الجيل الذي ولد قبل وصول خوجة إلى الحكم يلم بما فرض الله عليه قبل أن ينشر خوجة الظلم والظلام لأربعة عقود كاملة لم يدر فيها الشعب الألباني شيئاً عما يجري فوق الكرة الأرضية، فالصين الشعبية كانت الدولة الوحيدة التي لها تمثيل دبلوماسي في العاصمة الألبانية، ولم تمض سنتان على وفاة ماو حتى أغلقت سفارتها كما أغلقت من قبلها السفارة السوفيتية، بعد انقلاب نيكتا خروشوف على سياسة ستالين ونهجه الدموي في الحكم.

تذكرت زيارتي لألبانيا وقصة هذا الساعاتي بعدما أخبرتني زوجتي مؤخراً أن قريبنا الأستاذ محمود مخلوف، أحد خيرة رجالات ليبيا، كان يخالف النظام الليبي فيما يخص رؤية هلالي رمضان وشوال، حتى يوم كانت ليبيا منعزلة عن العالم. فكان يصوم إذا أفطرت ليبيا، ويفطر إذا صامت، إلا إذا لم تشذ عن بقية الدول الإسلامية، وهذا نادراً ما يحدث، فقد كان الشذوذ ولا يزال هو الأصل في سياسة القذافي.

رحم الله هذا المعارض المخضرم، فلو صنع ربع الشعب الليبي مثل ما صنع الأستاذ مخلوف لنمت عندنا روح الرفض، ولما بقي ثعبان سِرت ملتوياً على ليبيا وأهلها كل هذه السنين.

الغريب أن سياسة ليبيا الهلالية قد تغيرت تماماً عمّا كانت عليه في السنوات الماضية، فاليوم بدأت تخالف في تقديم الشهر بعدما كانت تخالف في تأخيره، فلم يحدث أبداً أن دولة إسلامية على مدى التاريخ أعلنت لشعبها عن دخول رمضان في منتصف النهار إلا بلادنا المنكوبة. وليس أغرب من هذا الأمر، الذي تكرر مرّات عندنا في الماضي، إلا أن ترى شعباً بأكمله قد أمسك بعد وجبة الغداء في منتصف النهار. حتى غداؤنا قد ينقلب سحوراً بأمر من إلهنا في سرت. سمعنا وأطعنا.. غفرانك يا عقيد!

إن أخبار رؤية الهلال في العالم الإسلامي تصل اليوم لأذن كل ليبي، ومع هذا لازلنا نتبع هلال سرت الكاذب في رمضاننا وشوالنا. فالقذافي هو الذي يقرر متى نصوم ومتى نفطر، فقد عميت أبصار مليار مسلم، ولم يسلم إلا بصر شيطان سرت الرجيم الذي يرى في كل مرة ما لم تره المراصد الفلكية في العالم أجمع. فالمثل العربي الذي يضرب في قوة البصر: "أبصر من زرقاء اليمامة" يجب أن يحل محله "أبصر من عقيد سِرت".

لقد عجزنا بعد 36 عاماً من القهر والإذلال حتى عن إظهار أيسر أنواع المقاومة والعصيان لهذا الحاكم الفاجر، ولو في أمر لا يخص السياسة، أو شأنٍ من شؤون الحكم. فما ضرّ شعبنا لو لزم بيته وصام يوم الأربعاء الموافق الثاني من نوفمبر مع بقية العالم الإسلامي! ماذا كان سيصنع القذافي لو امتنع أكثر الليبيين عن أداء صلاة العيد، ورأى المساجد خالية من المصلين في عيده المزعوم الذي أعلنه يوم الأربعاء الماضي كذباً وزوراً وافتراءً على الله ودينه؟ ماذا كان بوسعه أن يفعل لو رأى الناس يخرجون أفواجاً لصلاة العيد ويتبادلون التهاني يوم الخميس أسوة ببقية المسلمين في الشرق والغرب؟ إن مخالفة القذافي في أمر مثل هذا لا يحتاج إلى تحريض ولا تنظيم، وإنما هو أمر فطري يفترض أن يكون مزروعاً في نفوسنا جميعاً، وينطلق تلقائياً من كل فرد فينا. كيف يتجرأ أئمتنا على الصلاة بالناس صلاة العيد في يوم من أيام رمضان؟ لا أبالغ إذ قلت: لو أن القذافي فرض علينا صلاة الجمعة يوم الأحد لأطعناه، ولخرجنا بعشرات التأويلات التي تؤيد رأيه وتبارك اجتهاده، فحاكم غشوم خير من فتنة تدوم! لقد بات لسان حالنا يردد قول الشاعر:

 

هذا زمان القرود          فاخضع وكن لها سامعاً مطيعا
 

إن الخوف من عصيان القذافي ونظامه هو مرض نفسي وليس خوفاً طبيعياً، فهناك فرق بين الخوف وبين ما يسمى “phobia”، وهو الرعب من أشياء قد تكون وهمية، كخوف بعض الغربيين من رقم 13 “triskaidekaphobia”، وقد تكون مخلوقات من أضعف مخلوقات الله، كالخوف من العناكب“arachnophobia”. إن علاج "الفوبيا"، أياً كان نوعها، لا يتم إلا بتحدي المرض نفسه، فالخوف من ركوب الطائرات “aviophobia” لا يمكن أن يذهب عن الشخص المصاب به مهما أكدتَ له أن وسائل السفر جواً هي آمن من السفر براً، ولن يذهب عنه ولو صنعت له طائرة غير قابلة للسقوط، فالحل الوحيد هو أن يرغم الشخص نفسه على السفر جواً عدة مرات، عندها يزول المرض.

ولا تستغرب إذا رأيت الذين لا يعارضون القذافي، بل ممن يستميتون في الدفاع عنه وعن نظامه، يكتبون بأسماء وهمية، فالخوف من النظام، أو من المعارضة، أو من عامة الناس، تحول إلى عادة عند أغلبية الشعب الليبي، ولا أظن أنه سيزول إذا ما انتهى النظام الحالي بموت القذافي طبيعياً.

يا ترى ما الذي يدفع موظفاً في ليبيا إلى العمل وهو يعلم أنه لن يقبض مرتبه في آخر الشهر؟ إن عقدة الخوف من الغضب “angrophobia” لحقوقنا وكرامتنا لن تقتصر على هذا العهد الأسود، بل قد تستمر معنا إذا لم ينته القذافي على أيدينا، بل انتهى قضاءً وقدراً كما انتهى طاغية تيرانا السابق. فهل نكظم غضبنا ونترك القذافي ليتولى ملك الموت أمره، ثم تظل هذه العقدة معنا إلى ما شاء ربك، كما بقيت مع صاحبنا الألباني المسكين؟

 

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة