
الذكرى السنوية الأولى لفقيد الوطن
السيد حسين مازق
بقلم: ياسين أبوسيف ياسين
|
|
بسم الله الرحمن
الرحيم
فى مثل هذه الأيام
من العام الماضي وفي الثاني عشر من هذا الشهر بالتحديد غادر دنيانا المغفور
له بأذن الله تعالى السيد حسين مازق رجل الدولة الليبية من الطراز الأول..
رحل عنا ذلكم الرجل العظيم مخلفا وراءه تاريخا طويلا حافلا بالمواقف
الإنسانية النبيلة, تاريخا مجيدا في الوطنية وفى السياسة وفي الإخلاص, في
الحكمة وفي الكياسة وفى الأدب, في المجاملة وفي المعاملة وفي الإدارة... فقده
أهله وأصحابه وأبناء وطنه المخلصون في كل مكان. كان رحمه الله رجلا من رجالات
ليبيا وكان علما من أعلامها وكان رمزا من رموزها الساطعة وكان فارسا في
الحكمة والكلمة لا يشق له غبار.
وإنني لست بحاجة
لأن أعدد مناقب ومآثر المرحوم حسين مازق فهي معروفة للقاصى والداني ولكنني من
قبيل الوفاء والعرفان لهذا الرجل العظيم ارتأيت أن من واجب كل من عرفه أو
التقى به و كان له معه موقفا شخصيا معينا أن يذكره قولا أو كتابة ترسيخا
للقيم والمبادئ السامية في ذاكرة أجيالنا القادمة, "وذكر فأن الذكرى تنفع
المؤمنين", ومن ثم فقد رأيت أن أبدأ بنفسي فأسرد خواطري وذكرياتي معه على
بساطتها وضآلتها بالنسبة لمواقف الرجل وما قدمه أو مر به من أحداث كثيرة
وتاريخ حافل.
إن سرد مثل هذه
الأمور يعتبر في يقيني نوعا من العرفان بالجميل وردا له يستحقه مثل هذا الرجل
الأنسان, ففي سنة 1950 حين كنت طالبا بالسنة الأولى بمدرسة بنغازى الثانوية
بالقسم الداخلى حدث أن مرضت فأدخلت مستشفى بنغازي المركزي (الجمهورية حاليا)
فى عنبر يضم حوالى ستة مرضى وفى اليوم التالى فوجئت بهرج ومرج وأسم حسين مازق
يتردد على الألسنة يقولون أن حسين مازق جاء لزيارة مريض وكان حينها وزيرا فى
أول وزارة فى برقة قبل الأستقلال وكانت مفاجأتى أكبر عندما علمت انه جاء
خصيصا لزيارتى وبتواضع جم وعطف أبوى تمنى لى شفاء عاجلا وأبلغنى أنه صديق
لوالدى أراد ان يطمئن على ويطمئن بدوره والدى الذى كان حينها يشغل منصب متصرف
درنه، كان معه سائقه يحمل صندوقا مليئا بالفواكه والعصائر والحلوى فكان
لتجشمه مشقة الحضور أطيب الأثر فى نفسى ورغم مرور أكثر من نصف قرن على تلك
الواقعة الا أنها لا تزال راسخة فى ذهنى حتى يومنا هذا فذاكرة الصغير عادة لا
تمحوها الأيام.
في سنة 1954 بعد
حصولي على الشهادة الثانوية العامة قام السيد حسين مازق – والى برقة –
بتعييني بوظيفة باشكاتب بإدارة الموظفين والكادر بولاية برقة وأذكر انه قبل
أن يتم تصنيفي على الدرجة الخامسة حاول بعضهم أن يجعل تصنيفي على الدرجة
السادسة وهى أقل في ذلك الوقت من الخامسة لكي لا أكتسب أقدمية عن بعض
الموظفين القدامى غير أنني لم أقبل بذلك لأن القانون ينص على تعيين حملة
الشهادة الثانوية بالدرجة الخامسة فذهبت غاضبا لأشكو للسيد حسين مازق وحالما
أبلغه سكرتيره الخاص الأستاذ حسين الغناى بحضوري استقبلني مرحبا ببشاشته
وتواضعه المعهود فسرعان ما زال غضبى و كأن شيئا لم يكن وعندما علم بما حدث
معي اتصل على الفور بالسيد ونيس القذافى – رئيس المجلس التنفيذي – الذي قام
بدوره بالاتصال بالسيد محمد سرقيوه مدير أدارة الموظفين والكادر الذى صحح هذا
الخطأ على الفور.
مرة أخرى سنة 1956
قام سيادته بترشيحى للذهاب فى بعثة دراسية الى جامعة لندن فحرر رسالة شخصية
بهذا المعنى يوصى فيها بأيفادى فى هذه البعثة حيث كنت فى ذلك الوقت الموظف
الوحيد فى الولاية الحاصل على الشهادة الثانوية العامة اذ أن زملاء الدراسة
من دفعة 1954 كانوا قد اوفدوا في بعثات دراسية للخارج وإن كان معظمهم إلى
كليات حربية فى مصر والعراق.
وبتزكية منه ايضا
انتقلت للعمل بالمحكمة العليا مترجما ثم رئيسا لقسم الترجمة بها فانقطعت
علاقة العمل تحت أشراف سيادته ولم أحظ بعدها بشرف العمل معه. أما العلاقات
الأسرية فظلت متواصلة حتى يومنا هذا بفضل الصداقة الحميمة والزمالة النبيلة
التى كانت تربطه بوالدي أبوسيف ياسين حتى وفاته أثر حادث سير أليم بمنطقة
القاربوللى فى 13/2/1969 والذى كان وقعه شديدا على السيد حسين مازق خاصة وأن
الحادث قد وقع أثناء عودة والدي من طرابلس بعد حضوره فى قصر الخلد بطرابلس
عقد قران كريمة السيد حسين مازق على السيد عمر الشلحى.
ختاما في هذه
الذكرى السنوية الأولى للفقيد الراحل جادت قريحتى بهذه الأبيات أهديها الى
أهله وذويه وروحه الزكية الطاهرة مقرونة بدعاء الى الله تعالى ان يلهمهم
المزيد من الصبر والسلوان فى مصابهم الكبير وأن يغفر له ذنوبه ويشمله بعطفه
وبرحمته الواسعة وأن يسكنه فسيح جناته:

|