|
|
|
|
خمس سنوات من وعود الإصلاح، ومارافقها من مناظرات تلفزيونيه
ولقاءات حواريه، لم تحقق فى النهاية سوى اطلاق سراح بعض المساجين السياسيين
الذين قضوا سنوات من القهر والمعاناة وشاخوا وهم بالسجون، وانفراج اقتصادى
تستفيد منه الشركات الغربيه المدنية والعسكرية العطشي للعقود التجارية الضخمة
من خلال صفقات تصل الى مئات المليارات من الدولارات، كما يستفيد منها بالدرجة
الاساس فى شكل عمولات ورشاوى وعمليات نهب منظمه وصفقات شخصيه واحتكار
للتوكيلات التجاريه رموز الفساد فى النظام التى ازكمت رائحتها النتنة الأنوف،
وصار من قبيل المعجزات ان لم يكن من المستحيلات تحقيق اى إصلاح سياسى حقيقى.
أن امال كثير من الليبيين الذين كانوا ينتظرون تحقيق وعود
الإصلاح، ويتطلعون لفتح صفحة جديدة للمستقبل، ونسيان اربع عقود من الانعزال
بعيداً عن تفاعل الحياة وتطورها بالعالم، وحياة الحواجز ونقاط التفتيش والقهر
والكبت، وسياسات التجويع والحرمان وقطع الرواتب، وتجاوز معاناتهم وامتهان
كرامتهم ومصادرة اموالهم وحرياتهم، والتسامى عن جراحاتهم وعذاباتهم ودماء
ابنائهم واخوانهم الذين قضوا على حبال المشانق وتحت التعذيب والتصفيه الجسديه
والحروب الخاسره.
فمن تشكيل لجنة شعبية عامه دون تغير جذرى فى عناصرها الاساسيه،
وعدم تكليف وجوه نزيهة وذات كفاءة وخبرات عاليه فى المفاصل الاساسيه فيها،
ومروراً بقرار فصل اكثر من 400 الف موظف ليبى من قطاع الدوله دون ترتيب
وتخطيط وايجاد الوظائف البديله او الحلول والفرص التى يمكن ان تستوعبهم. أضف
الى ذلك قرار رفع دعم الدوله للمواد التموينيه الاساسيه مما سيثقل كاهل
المواطن ويزيد من أعباء الحياة، اين كل هذا من الشعارات الزائفه "فى الحاجة
تُكمن الحريه"، ومن الأدعاء بأن القرآن شريعة المجتمع، فالسكن الصحى اللائق
وتوفير دخل معقول للمواطن لمعيشته، واعطائه حقوقه وحريته هى مما امر به الله
تعالى فى كتابه العزيز، قال تعالى: {وأوحى ربُك إلى النحل أن اتخذى من الجبال
بيُوتاً ومن الشجر ومما يعرشُون، ثُم كُلى من كُل الثمرات فاسلُكى سُبُل ربك
ذُلُلاَ}، اى ان الله جعل من السكن والاكل وحريه الحركه اموراً مهمه فى حياة
خلقه.
كما ان عمليات الاعتقالات التعسفيه الاخيره وكبت الحريات،
ومصادره حق التعبير السلمى تعيد للذاكره مرحلة السبعينات المقيته من عمليات
الخطف والاختفاء والقتل، وتؤكد ماقاله سيف الاسلام فى فى مدينة سرت للشباب: (ليس
عندنا صحافة حره، ليس عندنا نظاماً ديمقراطياً)، كما تجعل من تصريحاته لقناة
الجزيره، (لا محاكم ثوريه او استثنائيه ولا قمع او ظلم او خطف او انتهاكات
كما كان يحصل فى الماضى، وان هذه الممارسات انتهت لغير رجعه)، بانها كانت
مجرد در للرماد فى العيون، وكشفت ان نظرة النظام للإصلاح فوقيه ومتعاليه
تنحصر فى ذوبان المطالبين بالاصلاح الحقيقى فى تنظيم السلطه وانصهارهم فيه،
واختزال ارادة الشعب فى بوثقه ارادة الدوله الشموليه، مكتفين باسلوب الانكفاء
الى مقولات عقيمه لم تقدم حلولاً فعليه لمشاكل ليبيا، والأكتفاء بتجربته
فاشله لم تحقق شيئاً من الديمقراطية الحقيقيه والحريات العامه السياسيه
والمدنيه، ويبقى عذر النظام هو ان المشكلة ليست فى مقولاته العقيمه ونظريته
الجوفاء التى تشبه النباتات الضعيفة التي تنمو على الكثبان الرملية بالصحراء
وتذروها الرياح من مكان إلى آخر، بل هو التطبيق الخاطئ فى تنفيذها وهى وسيلة
النظام فى ابقاء الحال على ماهو عليه، لشعوره بالعجز وتراكم الفشل والأحباط
فى مسيرته وخططه وعدم قدرته على تحقيق اى انجازات حقيقة والتقدم للأمام برؤى
حضارية جديده، وتبقى حساباته وفق حسابات الحقل وليس حسابات البيدر.
وجاء فى النهايه خطاب القذافى الأخير فى حشود (واعدوا)، ليؤكد
ان النظام لايزال فى غيه وصلفه وغروره ولا يريد إصلاح نفسه ومصالحة شعبه، ولم
يتغير ولا يريد التغير فى منهجيته الشموليته وفى اساليبه الدكتاتوريه، وفى
الأصرار على التمسك بالحكم والتفرد بالسلطة ومقدرات البلاد والعباد.
ذكرنى هذا بمقالتى عن العرافه المكسيكيه (كورا أنذيرا والحالة
الليبيه والإصلاح)، وتذكرت اولئك المكسيكين بولاية تكساس بالسبعينات، الذين
كانوا رغم عدم حصولهم على حقوقهم القانونيه أنذاك، الا انهم كانوا يشعرون
بأنهم فى بلدهم وان تكساس هى جزء من دولة المكسيك رغم انهم خسروها عقب
هزيمتهم فى مذبحة "الألمو Alamo" التى استطاعت فيها فلول رعاة البقر
الامريكيين من قطاع الطرق ورجال العصابات وصائدى الجوائز والمجندين العبيد او
مايعرف ب(بفلو سولجرس(Buffalo soldiers ، من هزيمة اصحاب الارض الحقيقيين،
وتشريد بعضهم فى برارى تكساس، وصار بعضهم عبيداً، وسُلبت قطعانهم من الابقار
والخيول، وجُردوا من اراضيهم وممتلكاتهم وبيوتهم الفاخره "الهاسيندا" ، اما
زوجاتهم وبناتهم فصُرن يعملن فى حانات رعاة البقر لتقديم الخمور وتوفير
المتعة المحرمه لهؤلاء المهاجرين الأوروبيين، لكن هذا لم يثنى عزيمة
المكسيكيين من اعتقادهم فى استرداد تكساس وذلك لايمانهم المفرط كما قلت فى
مقالتى السابقه بالتنجيم ل"كورا أنذيرا"، ولكن عندما لاتتحقق احلامهم وامالهم
حسب وصفاتها الخرافيه، يتحولون الى الاعتقادهم بتحقيق الاشياء الخارقه للعاده
وحصول "ميلاغرو Milagro " اى حصول المعجزه، ولكن عندما يتأخر حدوثها، يقومون
بتحويل " ميلاغرو" الى احجية وتمائم وتعويذات وأيقونات دينيه يعلقونها حول
الرقبه وفى البيوت والسيارات ويسموها "ميلاغروس Milagros " للتمسح والتبرك
بها حتى تتحقق المعجزه التى يتمنونها اى كانت.
وهكذا صار حال الإصلاح السياسى فى ليبيا فى الظروف الحاليه
يحتاج الى معجزه او اعجوبه حتى يتحقق، وان كان لايحتاج لتمائم لاننا نؤمن بأن
الله تعالى قال فى كتابه العزيز: {والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم}،
ولكن يحتاج لارادة سياسيه صادقه وفاعله، ووحدة وطنية لكل فئات الشعب وقواه
الخيره، وحصول حراك شعبى وطنى سلمى منظم ومتفاعل فى الداخل والخارج لاجل
الإصلاح السياسى، وأذا كان النظام صادقاً فى نيته للإصلاح الحقيقى والتصالح
مع شعبه، عليه ان يبرهن على ذلك بتغليب لغة العقل والحوار والحكمه والمصلحة
الوطنيه، ونبذ منطق القوه والتقوقع والتمترس والتخوين والبدء بالخطوات
التاليه:
• اجراء عملية مصالحة وطنيه حقيقية وصادقة وشامله وفى اقرب
وقت.
• اتخاد مبادرات جدية وعمليه للإصلاح السياسى للدوله ونظامها واطلاق الحريات
السياسيه والعامه فى التظاهر السلمى والاعتصام والاحتجاج والتعبير، والسماح
لتيارات فكريه وسياسيه لاتتعارض مع عقيدتنا وقيمنا الروحيه والأجتماعيه
لتأسيس أحزب وطنيه على اسس سياسيه غير دينيه او طائفيه او قوميه.
• ان يبنى الإصلاح على اسس تبادل وتداول سلمى للسلطة والحكم
وباختيار وارادة شعبية حره ونزيهة وسرية التصويت، ومشاركة الشعب عبر مجالس
فنيه مختصه ومتخصصه فى وضع دستور وطنى حضارى.
• حق حرية تكوين النقابات والاتحادات لحماية حقوق العمال
والموظفين والشرائح الاضعف فى المجتمع، وتنظيم العمل النقابى الحر المستقل،
ومؤسسات المجتمع المدنى.
• فتح المجال لحرية الرأى والصحافة والنشر وتكون مكفوله
للجميع، وتعددية لوسائل اعلاميه حره غير مملوكه او مدعومة من الدوله، مع
احترام عقيدة المجتمع الليبى وعاداته وقيمه الأخلاقيه والروحيه.
• وضع منظومة تشريعيه لحماية حقوق وكرامة الانسان فى ليبيا من
الانتهاكات والممارسات الغير قانونيه.
• قضاء مستقل ونزيه وعادل، مع حصانة كامله للقضاة ورجال
القانون.
• الغاء عقوبة الإعدام كسلاح سياسى وتطبيقها الا فى الحدود
الشرعيه القصوى.
• محاربة الفساد وردعه بقوانين وتشريعات صارمه ووضع نظام
محاسبى دقيق له صلاحيات محاسبة وضبط قضائى على كل مؤسسات الدوله، ومتابعة
مداخيل الدوله واوجه صرف الميزانيات.
• تحقيق العدالة الاجتماعيه وتكافؤ الفرص والمساواة فى كافة
الحقوق المدنيه والسياسيه دون اى تميز عرقى او ثقافى او بدنى او اجتماعى،
وعدالة توزيع الثروه الوطنيه والخدمات على كافة ابناء الشعب ومختلف المناطق،
وتحقيق الديمقراطية الحقيقيه وتحسين ظروف التنمية البشرية والاقتصاديه بتخطيط
ودراسة وضمن برنامج بنيوى منظم، يشرف عليه خبراء من ابناء الوطن، ممن تتوفر
فيهم الخبرة والكفأة والنزاهة والوطنيه.
• أصدار تشريعات لتنظيم سوق العمل الليبى وحماية فرص عمل
الليبيين ودراسة حاجة سوق العمل من القوى العامله، وتنظيم الاستعانه
بالكفاءات والخبرات الخارجيه فى مجال العمل، ودراسة توطين خبرات مغاربيه
بليبيا بحكم وحدة الدين والمذهب والتقارب التاريخى والجغرافى والتجانس
الثقافى والأجتماعى فى العادات والتقاليد والأعراف.
أما محاولة الٌلباس الدوله ثوبا جديداً مرتقاً ومزركشاً حسب
مواصفات ومقاس فوقى، لن يغير فى الامر شيئا، ولن يحقق المطالب المشروعه
لليبيين، ولن يُبقى النظام فى مأمن، وستبقى الاوضاع الداخليه على طبق ساخن
مهيئة لكل الاحتمالات، وسيبقى النظام تحث رحمة الابتزاز الخارجى والضغوط
الغربيه، وسيختلق الغرب وامريكا بعد استنفاذ قضية البلغاريات، من الذرائع
والمبررات للتدخل فى شئون ليبيا تحت مسميات محاربة الارهاب والهجرة الغير
شرعيه والديمقراطيه، ومشروع الشرق اوسط الجديد وغيرها من لعبة الاوراق
الضاغطه.
ولعل ما ذكره القائد السابق لحلف (الناتو) أخيراً الجنرال
ويزلى كلارك لموقع (الديمقراطيه الأن)، ان البنتاغون الامريكى اعد مذكره
تفصيليه لكيفية الأجهاز على دول عربيه من ضمنها ليبيا والسودان، واشار الى
انه تلقى هذه المعلومات خلال زيارة له لوزير الدفاع السابق رامسزفيلد ونائبه
ولفوويتز وهيئة الأركان المشتركه، كما ان ما اعلنته الأدارة الامريكيه على
لسان وزير الدفاع الحالى عن الانتهاء من خطه متكامله لانشاء قيادة موحده
لافريقيا قبل نهايه 2008، ورصد اعداد ضخمه من العدة والعتاد والاجهزه
العسكريه لها، وتصادف ذلك مع ما تتعرض له الحكومة الجزائريه الأن من ضغوظ
امريكيه لمنحها قاعدة فى جنوب صحرائها، وكذلك ما نشر عن اقامة قاعدة تستوعب
80 الف جندى على مثلث الحدود الليبيه السودانيه المصريه شرق تشاد، خير دليل
على نوايا امريكا فى شمال افريقيا.
ان امريكا بدأت فى حل بعض القضايا المعلقه التى تعيق من
تحركها وتحد من التفاتها لقضايا اخرى، فهاهى وصلت الى حل فى قضية البرنامج
النووى الكورى الشمالى، وهاهى فى طريق الخروج من مشكلة ايران لانه فى حالة
نجاح خطتها فى العراق والسيطره على فرق الموت الشيعيه وضربها، وحصولها على
قرار دولى بفرض عقوبات اقتصاديه مشدده، ستهيئ الفرصه لقواتها الصاروخيه
والجويه لتوجيه ضربة قاسمه للمنشأت النوويه والقواعد العسكريه الايرانيه
بمساعدة اسرائيليه فى عملية عسكريه تم تسريب مذلولها بالخاطفه تسمى اللسعة (ستينج)،
وما يؤكد هذا وجود حاملتى طائرات امريكيه الأن فى مياه الخليج العربى واعلان
قائد قيادة القوات البحريه يوم الجميس 22 مارس بأن حاملة الطائرات (نتميز)
ستغادر سواحل كاليفورنيا للانضمام لحاملتى الطائرات الموجودتان بالخليج، أضف
الى ذلك التصريح الذى ادلت به وزيرة الخارجية الأمريكية لقناة العربيه يوم
الثلاثاء 8 مايو 2007 من أن الرئيس جورج بوش سيبقي على الخيار العسكري مع
ايران، عندها تتفرغ امريكا لمنطقة شمال افريقيا، فهل نستيقظ نحن الليبيين
حكاماً ومحكومين للمصالحة والاصلاح قبل فوات الأوان، خاصة أذا ما تردد ان
امريكا تضغط بأقامة قاعدة مصغره وسط مدينة طرابلس وقرب أمانة الخارجيه، على
قطعة ارض من عدة هكتارات تضم مبانى السفاره وسكن السفير ومجمع مبانى سكنيه
لموظفى السفاره، وكذلك يضم مدرسه وكنيسه وعيادة طبيه وسوق خاص ونادى ومهبط
للطائرات، ان صح هذا الأمر وتمت الموافقة عليه فأنه فعلاً عودة القاعدة
الامريكيه الى ليبيا وبداية الأبتزاز الحقيقى للنظام.
كتبه: مختار محمد كعبار
عضو المجلس الوطني لقيادة حزب إتلاف الوحدة (احترام)
عضو الاتحاد الوطني لصحفيي بريطانيا وايرلندا
|
libyaalmostakbal@yahoo.com