24/05/2007

      


 
 
نظرات في مقال مختار كعبار حول الشيخ الطاهر الزاوي
 
بقلم: عاشور سعيد المجبري

 
المقال الذي كتبه السيد مختار كعبار حول الشيخ الطاهر الزاوي يستدعي نظرات سريعة في مضمون المقال وما حواه، فكاتب المقال أراد أن يكتب عن الشيخ الزاوي، لكنه وجد نفسه في تماس مع شخصيات من تاريخنا، فتعامل معها بمعزل كامل عما تمليه الأمانة من موضوعية. وهو أيضا تعامل باستخفاف شديد مع القراء هازئا بذكائهم وبقدرتهم على التمييز.
 
حتى لا نطيل نبدأ نظراتنا.
 
جاء في مقال الكاتب ما نصه: ((في أول يناير من سنة 1924م هاجر (المقصود هنا الشيخ الطاهر الزاوي) مرة أخرى إلى مصر لمواصلة دراسته حيث التحق بالأزهر في يونيو من نفس السنة وهي السنة التي بدأ فيها المجاهد عمر المختار حركته الجهادية في الجبل الاخضر ضد الإيطاليين)).
 
السؤال الذي ينبغي أن يجيب عليه الكاتب هو ماذا يعني بالعبارة التي تحتها خط؟ هل يعني أن شيخ الشهداء عمر المختار قد بدأ جهاده عام 1924 ؟ ومن أين جاء بهذا التاريخ ؟ وأين كان شيخ الشهداء - في نظره - طيلة الفترة من 1911 إلى هذا التاريخ؟ ثم ماذا يعني بعبارة حركته الجهادية ؟ وهل كانت مقصورة على الجبل الأخضر ؟ أم أنه يعني بالجبل الأخضر إقليم برقة (الجبل الأخضر والبطنان والواحات وبرقة البيضاء) ؟ أم أنه يجهل الجغرافيا كما يجهل التاريخ ؟.
 
كما جاء في المقال: ((وألّف (الشيخ الزاوي) خلال هذه الفترة كتاب (عمر المختار) عن حياة وجهاد هذا الشيخ البطل، تحت اسم مستعار (محمد محمود)، وقد أثار الكتاب وعرضه لعداء شخصي مع الملك السابق محمد ادريس السنوسي رحمه الله فرفع قضية دعوي على المؤلف والناشر عبدالعزيز الحلبي، كذلك أثار الكتاب استياءً عند سليمان الباروني وذلك لإشادته بدور المجاهد عبد الرحمن باشا عزام في حركة الجهاد الليبي)).
 
قال لنا الكاتب سبب استياء السيد سليمان الباروني من الكتاب. لكن هذا السبب لم يقله الباروني نفسه ولكن قاله كاتب المقال ولا ندري من أين جاء بهذا القول. وفي الواقع ليس هناك ما يثبت أن استياء الباروني كان لهذا السبب وحده، بل كانت هناك أسباب أخرى وراء استياء الباروني. ولم بقل لنا الكاتب سبب استياء الملك إدريس بالرغم من أنه معروف.
 
في الحقيقة فإن كتاب عمر المختار قد احتوى كما هائلا من المغالطات التي لم تؤد إلى استياء زعيمين من زعماء الجهاد (إدريس والباروني) فحسب، وإنما أدت إلى استياء كثيرين غيرهم، أحدهم على سبيل المثال الشيخ الجليل الأخضر العيساوي، وهو أحد علماء الأزهر في ذلك الوقت، فقام بالرد عليه بكتاب أسماه (كشف الستار عما جاء في كتاب عمر المختار) وقد قدم للكتاب العلامة الشيخ عبد القادر بن الأمين الزنتاني الطرابلسي، وجاء في هذا التقديم ما نصه: ((أن ما جاء في كتاب عمر المختار ليس كله حقائق بل بعضه حقيقة وبعضه مبالغ فيه وبعضه لا نصيب له من الصحة ...... ويجدر بالمؤلف أن يتحرى تلك الروايات الزائفة ويتثبت من صدق رواتها لئلا يصيب قوما بجهالة)) وجاء في المقدمة أيضا: ((أخرج المؤلف للناس كتابه مشحونا بالطعن والسب في السنوسيين وألصق بهم تهما باطلة هم بعيدون منها بعد السماء من الأرض)). كما تعجب الشيخ عبد القادر بن الأمين من الأستاذ عبد الرحمن عزام، فقال ((كيف ساغ له أن يقدم ذلك الكتاب مع ما فيه من قلب الحقائق ...... وأعجب منه أنه اعتذر (عزام) لبعض الناس أنه لم يطلع على ما في الكتاب المذكور غاية الأمر أن صاحبه ترجاه في تقديمه وأكد له بأنه كله مدح في السيد عمر المختار. وهذا في الحقيقة لا يعد عذرا)).
 
هذه شهادة الشيخ عبد القادر بن الأمين الزنتاني الطرابلسي وتقييمه لكتاب الشيخ الطاهر الزاوي عن عمر المختار. أما الشيخ الأخضر العيساوي، فقد كان كتابه (رفع الستار) ردا على بعض ما جاء في كتاب الشيخ الزاوي.
 
وإذا أخذنا بالرواية الشفهية التي أوردها الشيخ عبد القادر بن الأمين الزنتاني، فمعنى هذا أن عبد الرحمن عزام لم يقرأ الكتاب الذي كتب مقدمة له، وإنما كتب المقدمة لأن مؤلف الكتاب قد "أكد له بأنه كله مدح في السيد عمر المختار". هذا يدفعنا إلى التساؤل لماذا استخدم الشيخ الزاوي اسما مستعارا في كتاب عن عمر المختار، لا بل في كتاب كله مدح في السيد عمر المختار ؟.
 
وفي الواقع فإن كتابات الزاوي حول الجهاد الليبي مليئة بالمثالب ولا تخلو من هوى الزاوي ومن ارتباطاته وخصوماته الشخصية مما نزع عنها صفة الموضوعية العلمية والأمانة التاريخية، وللتاريخ فبحسب ما أورده كاتب المقالة فإن الشيخ الزاوي لم يبق في ليبيا أثناء مرحلة الجهاد (التي امتدت لمدة 21 عاما) سوى مدة تقل عن خمس سنوات، فهو - بحسب كاتب المقال - قد غادر ليبيا إلى أوائل سنة 1912م أي بعد الاحتلال الإيطالي بأشهر قليلة، وعاد في شهر اغسطس 1919م، ثم غادر ليبيا في أول يناير من سنة 1924م. في هذه الحالة فهو لم يعاصر أو يشارك في معظم الأحداث التي كتب عنها، خاصة معركة القرضابية، وإنما اعتمد على روايات شفهية لم تشمل كل الأطراف المعنية، بل إنها استثنت روايات أطراف فاعلة وهامة في الأحداث، كما أنها حوت أمورا مختلقة أساسا ولا أصل لها.
 
كما جاء في المقال: ((وفي اكتوبر سنة 1943م شارك الشيخ الطاهر الزاوي في تأسيس اللجنة الطرابلسية التي ترأسها الحاج الفيتوري السويحلي واختير الشيخ الطاهر الزاوي وكيلاً لها وكان من المساهمين في نشاطاتها السياسية والثقافية، ووجدت الدعم والرعاية من المجاهد عبد الرحمن عزام الذي كان آنذاك أميناً للجامعة العربية، وكانت هذه اللجنة تمثل وجهة النظر السياسية لاغلبية المهاجرين الطرابلسيين بالقاهرة والاسكندرية في قضايا ليبيا المختلفة منها مواقف الملك ادريس السنوسي وسياسته الانفصالية وانحيازه للانجليز)).
 
هل كانت اللجنة الطرابلسية حقيقة تمثل وجهة النظر السياسية لاغلبية المهاجرين الطرابلسيين بالقاهرة والاسكندرية ؟ وكيف نستطيع أن نقيس دقة هذه العبارة ؟
 
ثم هل كان عزام حقيقة "آنذاك (1943) أميناً للجامعة العربية" كما قال عنه الكاتب، بل هل كان هناك "آنذاك" جامعة للدول العربية ؟ أم أن التواريخ والحوادث يمكن أن يتلاعب بها بهذه الكيفية؟ وأن الامور تلقى على عواهنها بهذه الطريقة التي لا تقيم وزنا للتاريخ والمصداقية بل واحترام عقول القراء. قد يكون عزام قد دعم ورعى هذه اللجنة وقد يكون وراء إنشائها، فهو معروف بعدائه للملك إدريس، ومعروف برغباته الشخصية في أن يكون صاحب دور محوري في تقرير الأمور في ليبيا، ولكنه لم يكن آنذاك أمينا للجامعة العربية التي لم يتم تأسيسها حتى تاريخ: 22 مارس 1945. ثم لنلاحظ أن التاريخ المذكور(1943) كان بعد ثلاث سنوات من اتفاق أغسطس وتأسيس الجيش السنوسي، وربما كان التاريخ متزامنا أو لاحقا لطرد قوات المحور من ليبيا على أيدي الجيش الثامن البريطاني والذي كان من ضمن قواته الجيش السنوسي.
 
مواقف الملك إدريس وسياساته الانفصالية ؟ وانحيازه للإنجليز ؟
 
ترى الانفصال عن أي شيء أساسا حتى يمكن أن يصف الكاتب مواقف وسياسات الملك إدريس الرامية إلى تحرير الوطن بأنها انفصالية؟. هل اجتماع أغسطس 1940 الذي دعا إليه الأمير إدريس، وقراراته بخوض معركة تحرير الوطن، موقفا انفصاليا؟ هذا الاجتماع حضره زعماء المهاجرين الليبيين من طرابلس وبرقة وفزان، فهل الزعماء الذين وقعوا على وثيقة أغسطس هم أيضا انفصاليين ؟.
 
انحيازه للإنجليز ؟ ضد من يا ترى ؟ أم أنه يعني التحالف مع الإنجليز الذي تم نتيجة لاتفاق الزعماء الليبيين الذي تم توقيعه في أغسطس 1940 ؟. إذا كان المقصود بالانحياز هو هذا التحالف، فكيف يلام الملك إدريس وحده ولا يلام بقية الزعماء الذين وقعوا على وثيقة أغسطس ؟ بل كيف يوجه اللوم إلى هذا التحالف في الوقت الذي ابتدأ يؤتي ثماره بطرد قوات المحور من ليبيا، وفي الوقت الذي أصبح لليبيين دور –قل أو كثر- في هذا الانتصار ؟.
 
واستطرادا، نتساءل لماذا نجد عزام دائما في خلفية أية مواقف تثير النزاعات والفتن بين أبناء الشعب الواحد. الوقائع تشهد أن عزام كان مثار قلق وفتنة بين قادة الجمهورية الطرابلسية، وكان سببا في بث الفرقة وعدم تجاوب البعض مع اتفاق أغسطس، ثم نكوص آخرين عن الاتفاق، وعمل عزام كل ما بوسعه لوضع ليبيا تحت الوصاية المصرية أو ضمها للتاج المصري وذلك تحت مزاعم استحالة استقلال ليبيا، ولتحقيق هذا الهدف فقد عمل على الحيلولة دون اتفاق الليبيين على استقلال بلادهم تحت مختلف المسوغات، وبعد الاستقلال وقف عزام حائلا دون انضمام ليبيا إلى الجامعة العربية التي لم تتمكن من الانضمام اليها الا بعد خروج عزام من الجامعة. ويبقى السؤال كيف استطاع عزام أن يكون مثيرا للفتن بامتياز بين الليبيين ؟ السؤال هو من شجع من ؟ هل عزام شجع بعض "الطرابلسيين" على الانشقاق عن اتفاق أغسطس أم أن بعض هؤلاء قد شجعوا عزام على أن يدس أنفه في الشؤون الليبية؟ وأين موقع الشيخ الزاوي من مساعي عزام لتفريق الصف والتخذيل ؟ هل كان ضدها أو طرفا فيها ؟.
 
يقول الكاتب عن الشيخ الزاوي ((وفي سنة 1950م عاد إلى وطنه الأم ليبيا في زيارة للتعرف على الاوضاع وحال البلاد الذي لم يعجبه لوجود سلطة قوات الحلفاء فرجع الي مصر)).
 
ماذا يقصد الكاتب بعبارة "وطنه الأم"، وهل للشيخ الزاوي وطن غير ليبيا؟ وهل الحصول على الجنسية المصرية سوغت للكاتب استخدام هذه العبارة؟ كذلك نفهم –مما أورده الكاتب- أن الشيخ الزاوي قد اختار الرجوع إلى مصر عام 1950 للأسباب التي ذكرها ((وحال البلاد الذي لم يعجبه لوجود سلطة قوات الحلفاء)). أي أن الشيخ الزاوي قرر العودة إلى مصر مختارا لا مكرها، ومعلوم أن عام 1950 كان يشهد إرهاصات الاستقلال والعمل الجاد لتوحيد الكلمة والشروع في مرحلة إعداد الدستور وتأسيس الدولة، وكانت البلاد تعاني من ويلات وآثار الاستعمار والحرب العالمية الثانية، وكان الفقر سائدا والطعام يوزع بالبطاقات "الرسيوني". كانت مرحلة مهمة في تاريخ ليبيا اتفق فيها الليبيون –رغم الفقر والعوز والمؤامرات- على توحيد صفوفهم وجهودهم ووضعوا خلافاتهم جانبا من أجل تحقيق استقلال بلادهم، لكن الشيخ الزاوي اختار أن يعود إلى مصر. ومهما يكن السبب الحقيقي لهذا القرار، فهي كانت عودة اختيارية لم يجبر عليها الشيخ بحسب ما ورد في المقال.
 
ثم يعود الكاتب فيقول ((وبعد الاستقلال (لم يقل لنا في أي عام) منع الشيخ الجليل والمؤرخ الداعية الطاهر احمد الزاوي من العودة الى بلده ليبيا وذلك بسبب مواقفه ورفاقه في اللجنة الطرابلسية من الملك ادريس وسياساته وكذلك كتابه عن جهاد وحياة ومواقف شيخ المجاهدين عمر المختار)).
 
في هذا النص نقطتين:
 
الأولى: أن الشيخ الزاوي قد تم منعه من العودة إلى ليبيا.
 
الثانية: أن سبب المنع بسبب((مواقفه ورفاقه في اللجنة الطرابلسية من الملك ادريس وسياساته وكذلك كتابه عن جهاد وحياة ومواقف شيخ المجاهدين عمر المختار)).
 
بالنسبة للنقطة الأولى، فمن غير المقبول على الإطلاق أن يمنع مواطن ليبي من العودة إلى بلاده إلا إذا تنازل عن جنسيته الليبية. .وفي الحقيقة فليس لدي ما يثبت أو ينفي وجود قرار يمنع الشيخ من العودة إلى ليبيا. فإذا كان هناك قرار بالفعل فالضرورة تقضي إبرازه، وإبراز الحيثيات التي استند عليها.
 
أما بالنسبة للنقطة الثانية، فإذا كان هناك فعلا قرار بالمنع وأن السبب هو" مواقفه ورفاقه في اللجنة الطرابلسية من الملك إدريس وسياساته " فنحن نتوقع أن يكون القرار قد شمل آخرين من أعضاء اللجنة، فمن هم أعضاء اللجنة الطرابلسية الآخرين الذين جرى منعهم، خاصة وأن الكاتب قد زعم بأنها كانت تعبر عن آراء أغلبية زعماء طرابلس؟ نتوقع من الكاتب أن يقدم لنا قائمة بمن تم منعه من العودة، ونتوقع أن تكون قائمة طويلة طالما أنهم أغلبية الزعماء الطرابلسيين!! . أم أن المنع قد اقتصر على الشيخ الزاوي فقط؟ ففي هذه الحالة يقتضي الأمر البحث عن سبب آخر يخص الشيخ الزاوي فقط ولا علاقة له بمواقفه ورفاقه في اللجنة. وهذا يبقي السبب الآخر الذي قدمه المقال وهو كتاب الزاوي عن عمر المختار. هذا بالرغم من عدم وجود أي دليل عليه، إلا أنه يوحي بأن الملك إدريس يقف وراء هذا المنع، وهذا أيضا لا يقف عليه أي شاهد.
 
الأسئلة في هذا الصدد كثيرة: هل كان بقاء الشيخ الزاوي في الخارج بسبب رغبته الخاصة، أو بسبب قرار بمنعه من العودة؟ ما تاريخ هذا القرار وما هي حيثياته ؟
 
وإذا كان الأمر بسبب رغبة انتقامية من الملك إدريس - كما يوحي كاتب المقال - فهل عجز رؤساء الحكومات المتعددين من التدخل لإزالة هذا الغبن الذي لحق بالشيخ ؟. وإذا لم يبادر بعضهم، فأين كان المنتصر وكعبار وفكيني وبن عثمان والبكوش ؟ وأين كان بقية المسئولين في الدولة، بل لما لم يثار الموضوع في مجلس الأمة الذي كانت لديه القدرة على استجواب الحكومات وإسقاطها ؟. وفي النهاية لماذا لم يلجأ الشيخ الزاوي إلى القضاء إذا كان فعلا يرغب في العودة إلى ليبيا وأن الملك والحكومات كلها متفقة على منعه تعسفا؟ خاصة أن القضاء الليبي كان يحضى باستقلالية وله سوابق وصلت درجة الحكم بعدم دستورية مرسوم ملكي.
 
وفي الختام لا بد من التنويه بمواقف الشيخ الطاهر الزاوي عندما تولى منصب مفتي ليبيا بعد الانقلاب العسكري، فهي مواقف طيبة تحسب للشيخ وتعد من مآثرة، بالرغم من أن كثيرين قد توقعوا أن تكون مواقفه أكثر قوة وتعبيرا عن مناهضة ما كان يجري في ليبيا من ظلم وقهر وطغيان خاصة لما عرف عنه من صلابة في التعبير عن أرائه وإصرار على متابعتها والانتصار لها.
 
رحم الله الشيخ الطاهر الزاوي، وغفر الله لنا إن أخطأنا في حقه أو في حق غيره، فما ابتغيناه من هذه الكتابة إلا الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.
 

عاشور سعيد المجبري

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com