|
صدى استشهاد شيخ المجاهدين في العالم الإسلامي بقلم: احمد الحوتي الجزء الثالث والأخير ثانياً: الشام أقيمت المآتم للسيد عمر في دمشق وفلسطين وحيفا وطرابلس الشام، وجميع المدن الشامية، وصليت عليه صلاة الغائب في جامع بني أمية، ودعا الخطباء إلى مقاطعة البضائع الإيطالية، وأغلقت الحوانيت وألف الناس مظاهرات طافوا بها شوارع المدن احتجاجاً على قتل السيد عمر. وظهرت جميع المدن الشامية بمظهر الحداد على هذا الرجل العصامي الذي تربطهم به جنسية العروبة وأخوة الإسلام، وتجلت أواصر قربي العروبة في سوريا بما لا مزيد عليه، ولم تقتصر على هذا، بل أرادت أن تخلد ذكرى السيد عمر لتبقى أمام الشبان ماثلة تذكرهم بهذه البطولة العربية المسلمة، قسمت بلدية مدينة غزة شارعاً من أكبر شوارعها (شارع عمر المختار) وسمت فلسطين كشافة مدارسها (كشافة عمر المختار) وغير هذا كثير من مظاهر عطف المدن الشامية على أهل برقة بما أصيبوا به في أموالهم وأنفسهم، وبفقد زعيمهم الذى ماتت بموته حركة دامت اثنتين وعشرين سنة كان يرجى من ورائها تحرير أمة إسلامية وشعب من شعوب العروبة الصادقة.
وكان مما أغضب القنصل الإيطالي في القدس أن تسمى بلدية غزة شارعاً من شوارعها باسم (عمر المختار) فاحتج على هذا العمل فاجتمع حاكم غزة برئيس بلديتها الأستاذ فهمي الحسينى وذكر له اعتراض قنصل إيطاليا على هذه التسمية. فكتب رئيس البلدية إلى حاكم غزة ما نصه:
لكل مدينة شعورها، ويحق لبلدية تلك المدينة إظهار هذا الشعور. فكما أن لبلدية تل أبيب الحق في تمجيد هرتسل وبلفور وغيرهما ممن تسئ ذكراهم غير اليهود فلبلدية غزة أن تمجد الشخص الذي يحمل له الأهلون في قلوبهم أطيب الذكرى وأسمى معاني الاحترام فإذا كانت ذكرى الشهيد عمر المختار تسئ إلى إيطاليا فذلك ما اقترفته إيطاليا نفسها لا بلدية غزة، لذلك فأننى أعتقد أن اعتراض قنصل دولة إيطاليا في غيره محله واقبلوا احترامي.
20 رمضان سنة
1350.
ثالثاً: تونس وكانت الحال في تونس شبيهة بما ذكرنا في سوريا. فأقيمت صلاة الغائب في تونس على السيد عمر المختار يوم الجمعة 26 جمادى الأول سنة 1350 وتليت آيات الذكر الحكيم لروحه، وأقام الحزب الحر الدستوري في تونس حفلة تأبين كبرى للسيد عمر المختار حضرها كثير من الأعيان والوجهاء وتبارى الخطباء في ذكر مناقب الفقيد وما أبداه من ثبات في الدفاع عن وطنه ومنها قصيدة لشاعر الشباب التونسي السيد محمد أبو رقيبة قال فيها:
وكان هذا المآتم مظهراً من مظاهر الأخوة تجلت فيه عواطف المحافظة على حقوق الجار، وبرهاناً من إخواننا التونسيين على ما في نفوسهم من عطف عرفناه لهم منذ بدء حركة الجهاد في برقة. المراجع 2- مقالات من مؤلف للأديب محمد على الشافعى . 3- طرابلس الغرب وبرقة في براثن الاستعمار الإيطالي – الناشر دار المستقبل للنشر والإعلان . 4- موقع بنك الصور http://www.iwebu.info/ibank/index.php .
خـاتمـة
ليس عمر المختار أول من جاهد ولا أول من استشهد، وإنما المختار هو أحد أؤلئك القلائل الذين يواصلون القتال رغم اليأس من نتيجة المعركة، لكن ثقتهم بالله عز وجل كبيرة، فهو بلغة الجيش رجل فدائى، وهو بلغة الإسلام من أؤلئك (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) صدق الله العظيم. وذلك هو مفتاح شخصية الرجل الفذ .. آمن بالله واستقرت معانى الإيمان فى قلبه فأصبح لا يرى إلا الله، ولا يخشى إلا الله، وهذا الصنف هو أقوى ماعرفت البشرية، وستعرف من الرجال، وهو الإنسان الحر فى أعلى وأوسع معانى الحرية، فحرر قلبه من الأوهام، ومن الشر ومن الضلال ومن الشهوات ومن كل ظلمة تحجب نور الحقيقة. فإذا تم له ذلك، كان قلبة نوراً خالصاً صافياً لا شائبة فيه، وأصبح دائم المراقبة لله، دائم الشهود لله فى كل شيء يراه ويحس بآياته.
وهو من هنا شديد الخوف من اللة لأنه يعلم أنه سبحانه وتعالى شديد العقاب وشعور الخشية هذا يحجره عن كل معصية مخافة من الله واتقاء لغضبه وعذابه.
عندئذ يجده الله أهلاً لحبه، واصطفائه، فيتجلى عليه بالتجليات الربانية، وينزل فى قلبه سكينة، ولو جمعت الدنيا بأسرها لتزلزله ما استطاعت لذلك سبيلاً، كان المختار راسخاً كالجبل الأشم، تحاول إيطاليا الفاشية بجموعها أن تزحزحه فترتد عنه وهى خاسئة ذليلة لم تنل منه شيئاً.
يوقن أن أمثال جرازيانى وجيوشه إنما هم ذباب ساقه الله ليبتلى به إيمانه وإيمان من معه، فكان يقاتل الطليان وهو فى قرارة ذاته، يحتقرهم ويراهم ليسوا على شيء مهما حاولوا أن يتبجحوا فى مظاهرهم، ولا يوجد فى العالم فدائى أعلى ولا أقوى من فدائية الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وقد كانت تتمثل فى شيخنا الأسد عمر المختار، فى أبهج وأسمى معانيها. فالفريد فى سيرته أنه أحيا شيئاً كاد يندثر، أحيا معانى الإيمان التى كان الناس قد بدأوا ينصرفون عنها.
وهناك عدة عبر تتلخص فى سيرته العطرة .. (لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الاباب).
أولاً: أنه بنيان على أساس التقوى أصله ثابت وفرعه فى السماء، فهو شجرة طيبة تؤتى أكلها فى كل حين، عاش مباركاً فى حياته، مباركا فى مماته.
ثانياً: أنه كان داعياً إلى الله بإذنه، تربى على أيدى دعاة السنوسية، وكيف لا ومعلمه السيد محمد المهدى السنوسى طيب الله ثراه، فلما اكتمل وترعرع أدى الرسالة وبلغ الأمانة وأنذر وبشر (وخيركم من تعلم القران وعلمه).
ثالثاً: أنه كان على فهم صحيح لدينه، يأخذه كلاً لا يتجزأ، فلا هو بالمتدين المحترف، ولا هو بالمتدين البعيد عن جوهر الدين، وإنما هو رجل مؤمن يعلم أن الإسلام لا يصلح أن يؤخذ بعضه ويترك بعضه.
رابعاً: أنه كان شاباً دائماً، حار دائماً، يتدفق النور والحرارة من قلبه، رغم شيخوخته، وتلك طبيعة المقاتلين فى سبيل الله الذين يخشون الله ولا يخشون أحداً من عباده. وإنك لتعجب حين تعلم أنه عين قائدا عاماً [1] من قبل الأمير محمد إدريس السنوسى وقتذاك وهو فوق الستين عاماً، واستشهد وهو فى نحو السبعين عاما، وما ذلك إلا لأنه رجل يقاتل ويحب أن يقاتل ومثل هذا الشعور يجعله شاباً دائم الشباب.
خامساً: أن الله لايضيع جهاد المجهادين، ولا إيمان المؤمنين، إذا علم منهم صدق النية، فها هم أهل برقة، جاهدوا وجاهدوا طويلاً، ثم انتصرت إيطاليا عليهم نهائياً عام 1931 ومكثت هى صاحبة السلطان المطلق فى لبيا حتى عام 1942 وطردوا شر طرده.
أحد عشر عاماً كلها يائس مطلق ولا أمل فيها يبشر بالنصر، تشريد وتجويع ومعتقلات، ثم أراد الله أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون الفاشست، فجاء بالحرب العالمية الثانية وجعلها سببا فى نصر أؤلئك المظلومين، فانتصروا واستعادوا بلادهم مرة أخرى. وعادوا إلى أوطانهم التى ترعرعوا فيها، بعد أن اُخرجوا منها ظلماً وجوراً وعدواناً، وذلك مثال حى للأمم والأفراد. حتى أن شاعرنا المرحوم حسين لحلافي تنبأ بهذا النصر المبين قبل وقوعه فى قصيدته المشهورة عن الوطن [2] عندما يقول:
حتى وهو عدونا *ع العدو ندخلبه اللى يموت منهم نفرحوا لماتا
سادساً: أن الظالم الباغى منهزم لامحالة فى النهاية، وإن انتصر فى البداية وظن أن لن يقدر عليه أحد، ذلك أن الله خير الماكرين وأن مكر القدر فوق مكر الظالمين، يرمى الله أهل الحق بأهل الباطل، وأهل الباطل بأهل الحق، ليميز الخبيث من الطيب ، ثم تدور المعركة فينتصر أهل الباطل فيغتّروا بذلك النصر ويزدادوا غروراً، وتمضى الأيام حتى يكاد أهل الباطل أن ينسوا ماهم فيه، وما ينتظرهم هنالك ... وبغتة يحق الله الحق ويبطل الباط.
سابعاً: أن الشهداء وحدهم هم الذين لا يموتون، وكل الناس تموت، وليس ذلك برأى من عندى، وإنما هو رأى القرآن يقول الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) صدق الله العظيم، فالشهداء أعقل الناس حقاً، لأنهم اختاروا أسهل ميتة، واختصروا الحياة، وسارعوا إلى حياة أرقى وأفضل وأوسع.
ثامناً: إن شيخنا عمر المختار لم يسع للشهرة، لأن المخلصين لايبحثون عن الشهرة، وإنما هي تبحث عنهم، ولكن العبرة من سيرتهم أن كل من أخلص وجاهد وعمل الصالحات ابتغاء رضوان الله تكفل الله برفع ذكره فى الدنيا فضلاً عن الآخرة.
تاسعاً: إن المختار كان ولياً من أولياء الله (لانزكى على الله أحداً) وقد صدق الله وعده، ودمّر إيطاليا اللعينة بأكملها، ونكّل بقادتها شر تنكيل من أجل المختار، لقد أرادت إيطاليا إبادة الشعب الليبى، فبادت هي وبقيت ليبيا لليبين، وما أكثر العبر فى حياة المختار، إننى أشعر بالتقصير حين أكتب عن ذلك البطل، وأحس إحساساً عميقاً أنه أعظم مما كتبت، وأجل مما توهمت فسلاماً على عمر المختار.
[1] غير أن
السيد إدريس امام هذا التغير الظاهر فى سياسة الطليان
وخطتهم مالبث أن عمد إلى تنظيم المقاومة ضد الاحتلال
الإيطالي فى القطر الليبى قبل مغادرته البلاد، فبحث هذا
الأمر مع الزعماء والرؤساء البرقاويين من جانب، ومع بشير
السعداوى والوفود الطرابلسية من جانب آخر. وقرر رأي
الأمير على أن يعهد بالأعمال السياسية والعسكرية فى برقة
إلى السيد عمر المختار نائبا عن سموه فى تنظيم الأدوار )
كتاب (السنوسية دين ودولة) د\ محمد فؤاد شكرى دار الفكر
العربى القاهرة 1948. |