|
صدى استشهاد شيخ
المجاهدين في العالم الإسلامي
بقلم: احمد الحوتي
الجزء الأول
وقع هذا الحدث المؤلم من نفوس المسلمين جميعاً موقع الألم
والاستنكار واستفظعوا أعمال الطليان بهذا البطل المغوار
الذي حاربهم محاربة شريفة طوال عشرين سنة ونازلهم في ميدان
الدفاع عن الشرف والعرض والوطن واحتجت جميع الأمم
الإسلامية على هذا التصرف المعيب من ناحية الطليان الطغاة
والذي لا يتفق مع التقاليد الدولية ونحن من خلال هذا البحث
نسلط الضوء على صدي استشهاد البطل المجاهد عمر المختار في
العالم الإسلامي.
أولاً : مصر
الزمان : 2 رجب 1350 هـ الموافق 9 نوفمبر 1931 م.
المكان : منزل المرحوم حمد باشا الباسل – بسراي القبة –
القاهرة.
دعي المرحوم
حمد باشا الباسل الأمراء والوزراء وأعيان الكُتاب والشعراء
ووجهاء سوريا والمفكرين من شتى أنحاء الوطن العربي والعالم
الإسلامي وكان هذا الاحتفال يعلوه جلال المدعوين ومهابة
المحتفل به وبينما المدعوون على وشك الوصل إلى محل
الاحتفال إذا صدرت الأوامر بمنعهم وأحيطت دار المرحوم حمد
باشا الباسل بسياج من الجنود يمنعون الوافدين من الدخول
إليها وقد بذل المرحوم الباسل قصارى جهده للاحتفاظ بحقه في
إقامة هذا الاحتفال، ولكن شاء الله تعالى خلاف ما أراد
ولعبت السياسة دورها ... قاتلها الله.
وقد استهل
حفل التأبين بكلمة للأمير عمر طوسون
[1].
فقال:
حضرة صاحب السعادة حمد الباسل باشا
... إن الموتة الشنعاء والقتلة النكراء التى راح
فيها الزعيم العربي الكبير والمسلم الصادق المجاهد الخطير
السيد عمر المختار ضحية حبه لبلاده وذوده عن شرفه ووطنه لم
يزل أثرها العميق ولن يزال في قلبنا وقلب كل شرقي دامياً
نثارا والدم الذكى الذى أريق من هذا الشهيد العظيم دم غير
مطلو مادام في الشرق والشرقيين عرق ينبض وعين تطرف فقيامكم
برثائه وتأبينه في حفل حافل يليق بمقام هذا الرحل الكريم
يقابل منا ومن كل ذى شعور حى بأجزل الشكر وأوفر الثناء
لأنكم بذلك قمتم بالمفروض علينا نحن المصريين جميعا له
ولإخواننا المجاهدين البرقاويين الذين لم تكل سواعدهم في
الدفاع عن وطنهم طوال هذه السنين ولم يتطرق الخور إلى
نفوسهم من عدوهم القوى وعَددَه وعِددِه، حتى أصبحوا بحق
مضرب المثل والإقدام، والصبر على المجاهدة وإيثار الوطن
على النفس والمال، فتصوروا كيف تكون غيبتنا عن مشاهدة هذه
الحفلة التى نصبوا إليها من صميم قلبنا داعية لأسفنا،
ولكنها الأعذار الملجئة تحول بين المرء وما يشتهى، فنرجو
أن يكون في هذا الكتاب ما يعبر عن اشتراكنا معكم في هذا
العمل الجليل أصدق تعبير وإننا ننتهز هذه الفرصة ونهديكم
وجميع المشتركين معكم في هذا الواجب أطيب التحية والسلام.
9 نوفمبر سنة
1931 عمر طوسون
فقام بعدها
المرحوم حمد باشا الباسل وقال :
سادتى
الأجلاء ... شكراً للأمير عمر
على نبيل عاطفته ورقيق كلمته، ثم شكراً جزيلاً لكم لما
تجشمتم من مشقة الحضور إلى هنا لمشاركتنا في إحياء ذكرى
الشهيد الكبير عمر المختار، وشكراً كثيراً للمثل الأعلى
الذي ضربتموه لكل أمم الشرق في احتفائكم به والإشادة
بذكراه، ولكن لا عجب فأنتم فخر مصر وصفوة العرب ورجالات
الشرق العاملين.
ليست صلة
القربى، ولا أواصر النسب، ولا عروة الأسرة التى تجمع بين
الماثل أمام حضراتكم وبين الشهيد العظيم هى التى دفعتنى
إلى التقدم برغبتى في تفضلكم بالمشاركة في الاحتفاء بذكراه
والترحم عليه. كلا أيها السادة،
إنما كان الحافز والدافع علاقة أسمى وأنبل، ورابطة أعلى
وأفضل. تلك هى صلة قرباكم أنتم رجال مصر، وزعماء الشرق
وحماة الإسلام، وكماة العرب بالشهيد العظيم. أجل إنها صلة
قرباكم أنتم به أو قرباه بكم، هى وحدها سر اجتماعنا لنقدس
فيه وفيكم تلك المعانى السامية التي تربطكم به وتحبونها
فيه، من حب للبلاد عظيم وشجاعة في الحق لا تخمد، ووفاء
وأمانة وصبر وثبات وإقدام وتضحية تحيون فيه هذه الصفات
لأنكم ترونها فيه وفي أنفسكم، إنما هى دعائم الحياة وسر
الوجود، ففي ذكرها حياة وفي طمسها موت.
وما كان عمر
المختار ممن يعملون للعاجلة، وما كان ممن يسلب نهاهم حطام
الدنيا وفتنتها، بل لقد خرج عنها كما دخل فيها إلا بذكرى
الجهد الجهيد، والكفاح الشديد والأثر المجيد، ثم بالموت
شهيداً ولسان حاله يقول:
ولست أبالى
حين أقتل مؤمنا على أى جنب كان في الله مصرعى
أجل أيها
السادة جهابذة العرب وصناديد الإسلام هذه هى صلة القربى
الدائمة التى تصل أرواحكم بروحه وحياتكم بحياته ودماءكم
بدمائه، فما مات من أنتم ذاكروه، ولا قتل من أنتم ناصروه.
أيها السادة
:
أنا لا أريد
أن أتعدى بكلمة الافتتاح على حقوق حضرات الخطباء المبرزين
والشعراء القادرين وأصدقاء الشهيد العظيم الذين يتحدثون
بما لهم من صوت أعلى وموهبة أسمى. وقصارى القول أن تاريخ
الجهاد الوطني سيسجل في صفحته الباقية للأزمنة القادمة
صحيفة عمر المختار ناصعة وضاءة،
وسيسجل التاريخ أن عمر المختار الذى حارب اثنين وعشرين
عاماً في قلة عَدد وعُدد وقلة مال ورجال، وفي منطقة لا
تتجاوز بضعة أميال كان شريفاً في وطنيته، شريفاً في ذوده
عن بيضته، شريفاً في معاملة أعدائه وخصومه، شريفاً في حومة
الوغى، وكان قنوعاً عيوفاً ذا مروءة وحزم، وصبر وجلد، وكان
نبيلاً في وسيلته كما هو نبيل في غايته.
وجماع القول أنه كان يعمل للوطن الخالد لا للطارق
والتالد، وأخيراً كان حقيقاً باحتفائكم يا رجال النهضة
والحرية والاستقلال.
وأنت يا روح
عمر ... اسمعي وأنت ترفرفين علينا من ملئك الأعلى حكم الله،
في كتاب الله، لجهادك في سبيل الله.
 |