31/03/2007 |
|
||||
|
|
|||||
|
|
|||||
|
|||||
|
كلما حل (عيد المولد النبوي) في العالم الإسلامي إشتد الجدال بين أتباع الفريق السلفي واتباع الفريق الصوفي حول حكم هذه المناسبة ! .. ماهو ؟ .. هل هو الجواز أم عدم الجواز ؟ .. سنة أم بدعة ؟ .. حلال أم حرام ؟ .. مستحب أم مكروه ؟ ..... حيث يدور الجدال الدائر أصلا ً منذ قرون بينهما بشدة وحدة وسط إتهامات متبادلة تصل في أقصى درجاتها إلى التكفير وفي أدنى درجاتها إلى التجهيل والتضليل ! .. سواء حول هذه المسألة التي نحن بصدد الحديث عنها (الإحتفال بذكرى ميلاد النبي) أو حول مسائل أخرى أكثر تعقيدا ً وحساسية ً كالمجادلات والمساجلات التي دارت بين الفريقين – ولازالت تدور - بشكل خاص بين السلفيين والأشاعرة حول ذات الله وصفاته وهو ما سنتطرق إليه في حينه برأي شخصي مستقل (ثالث) ندين لله به ولا نعتبره رأيا ً نهائيا ً لا رجعة عنه ولا حيدة عنه فهو – على كل حال – يبقى رأي مثقف مسلم (إسلامي) (1) يحاول أن يستعمل نعمة العقل التي منّ بها الخالق علينا في ما خـُلق هذا العقل أصلا ً لأجله ولكن ( وفق ضوابط المنطق الطبيعيه المتفق عليها بين العقلاء وضوابط الحق الشرعيه المتفق عليها بين الفقهاء).
أما بخصوص الإحتفال بالمولد النبوي الشريف وإتخاذه عيدا ً فمن المؤكد عندنا أن هذا العيد هو عيد مستحدث وطارئ على الأمه ويرجعه البعض إلى العهد الفاطمي أو القرن السابع للهجرة فهو بالتالي وبلا شك (عيد ُمبتدع) وليس مما شرعه الله ورسوله بالنص اوبفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل ومن الثابت أن لا الصحابة ولا التابعين - رضي الله عنهم – قد إحتفلوا بهذه المناسبة وخصصوا لها يوما وجعلوه عيدا ً يحتفلون به كل عام كما فعل المسلمون من بعدهم بقرون !.
فهو - إذن - ليس من شعائر الإسلام قطعا ً مثل العيدين - وبالتالي وفي رأيي الخاص - لايصح إعتباره من العبادات الشرعيه - بمعناها الخاص الضيق - فالعبادات كما هو معروف لاتكون إلا بالنص والأصل فيها التوقف حتى يأتي الشرع بعكس العادات التي يبتدعها - بالمعني اللغوي - المسلمون حسب أحوالهم ومتغيراتهم المكانيه والزمانيه والحضارية فالأصل فيها الإباحه - لا التوقف - حتى يأتي المنع !.
ولذلك فإني أرى - والله أعلم - أن الإحتفال بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم هو من قسم العادات - التي إبتدعها المسلمون المتأخرون - وهو من العادات القائمه بالفعل في واقع المسلمين اليوم ولايصح أبدا ً إقحامها في قسم العبادات والتي لا إبتداع فيها ولا إختراع بل لاتصح إلا بالشرع .. ولا شرع في الدين إلا ماشرعه الله ورسوله كما هو معلوم من الدين بالضرورة.
وبالتالي أرى أنه يجب مناقشة هذه المسألة – الإحتفال بذكرى ميلاد النبي - ودراستها من هذا المنظور المحدد .. أي من حيث كونها من (العادات الإجتماعية والسنن الشعبيه) التي من سمتها أنها تتغير من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان لا من (العبادات الشرعية والسنن النبويه) التي من سمتها أنها ثابتة ومحددة في كل زمان ومكان لأنها تمت وإكتملت بوفاة النبي المأذون له من الله بالتشريع الديني !.
ثم يبقى السؤال هنا إذا إتفقنا على أن الإحتفال بذكرى ميلاد النبي – صلى الله عليه وسلم – هو سنة وعادة من العادات والسنن الإجتماعية الشعبيه الإسلامية التي سنها المسلمون وإرتضوا العمل بها: هل هي عاده صحيحه وحسنة أم عادة قبيحة وسيئة ؟ - والأصل في العادات الإباحه - وبالتالي ليس على المثبت الدليل بل على النافي .. أي على الذي يقول بعدم مشروعية هذه العاده المستحدثه أن يبين ماهو المانع الشرعي ؟ .. ويثبت وجه مخالفتها للشرع .. وذلك بعكس العباده فالأصل فيها التوقف حتى يأتي الإذن الشرعي ومن ثم فليس على النافي الدليل وإنما على المثبت أي الذي يأتي ليقول لنا أن الفعل الفلاني عباده عندئذ من حقنا أن نطالبه بالدليل المثبت وليس له أن يطالبنا هو بالدليل النافي إذ أننا نحن هنا في هذه الحالة مع الأصل وهو في العباده - بمعناها الفقهي الضيق الخاص(2) - التوقف والمنع حتى يأتي الإذن والشرع.
إذن فالرأي عندي في هذه المسألة المختلف فيها بين مذاهب المسلمين هو أن تنقاش من هذه الزاويه أي من جهة كون الإحتفال بالمولد النبوي هو من باب (العادات الشعبية والسنن الإجتماعية) (3) قطعا ً وليس من باب (العبادات والسنن النبوية) ! .. فالعبادات - بمعناها الفقهي الضيق الخاص(2) - إكتملت في عهد النبوه وليست قابلة للإختراع والتحديث لقوله تعالى ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)) بعكس العادات الإجتماعيه للمسلمين فهي تختلف بإختلاف أزمنتهم وأمكنتهم ومستوى حضاراتهم وتتجدد ويمكن بالتالي فيها الإبتداع والإختراع بحسب الأحوال وحاجات عصرهم بما فيها السنن والعادات والتقاليد والأعراف الإقتصادية والسياسية والثقافية في المجتمع المسلم !! .. والأصل في العادات كما قلنا الإباحه إلا إذا وجدنا الدليل المانع .. إنظر مثلا ً للإحتفال بمناسبة الختان (الطهار) فالختان سنة واجبة أما الإحتفال بها كما يفعل الليبيون مثلا ً وخصوصا ً البدو حيث يذبحون الذبائح ويولمون لذلك الولائم العظيمة ويسمونه بلهجتهم الخاصه (مناب) كما يسمون حفل الزواج (مناب) أيضا ً! .. فلا يأتي من يقول أن هذا الأمر لايصح لأنه لم يكن على عهد النبي والصحابه !؟ أو يستدل بخبر ضعيف أو لا أصل له مثل القول الشائع بأن هناك أمر بإخفاء الختان ! .. فهنا ليس على مثبت هذه العاده الإجتماعية المستحدثه إبرازالدليل وإنما الدليل على المنكر النافي لأن الأصل في العادات كما هو معلوم الإباحه !.
وكذلك لو إتفق المسلمون أو بعض طوائفهم وشعوبهم على الإحتفال بذكرى فتح مكه أو غزوة بدر الكبرى أو ذكرى مقتل الحسين أو إستشهاد عمر المختار أو فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح أو تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي أو يحييون ذكرى سقوط الأندلس مثلا ً وخصصوا لهذه الذكرى يوما ًيوافق تاريخ وقوعها وصاروا يحتفلون بها كل عام ويحييون ذكراها في نفوس الأجيال الجديده لتقوية الإيمان وإنعاشه أو لأخذ العبر ومراجعة الذات وربط الأجيال بأصولهم وأمجادهم ..... إلخ فماهو المانع من هذا ؟ .. فما بالك بميلاد نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام (4) !؟؟؟ .. ولا يصح هنا القول بأن هذا الفعل لم يقع على عهد النبي والصحابه فلايجوز فعله فهذا الفعل من العادات الإجتماعيه والسنن الشعبية المتغيره المتجدده لا من العبادات الشرعيه الثابته المحدده !! .. والأصل في العادات كما ذكرنا - بعكس العبادات - الإباحه والجواز وعدم المنع إلا بدليل قوي يصلح أن يكون مانعا ً لهذا الفعل المستحدث !.
إذن - إخواني أخواتي الكرام - هذا ما أردت أن أشارككم به في هذه المناسبة الشريفة العزيزة – ذكرى ميلاد المصطفى معلم البشرية الهدى - وهو بنقل هذه المسأله - موضع النزاع - برمتها من خانة (العبادات والسنن الدينية الشرعية) التي لا يصح فيها الزياده والنقصان والإبتداع وهو ما أعتقده شخصيا ً قطعا ً إلى خانة (العادات والسنن الشعبية الإجتماعية) وهي مايصح فيها الزياده والنقصان والإختراع بإختلاف الزمان والمكان ولا يصح أيضا ً إعتبار مثل هذه المناسبات الطيبة وهذه العادات الحسنة التي نستحدثها من واجبات ومستحبات الدين الثابتة أو إقحامها في باب العبادات بمعناها الطقوسي الخاص أي النسك والتعبد أو ترتيب عليها بعض الطقوس الدينية الخاصة الوجبة أو المستحبة فهي فقط من باب الإحتفالات الإجتماعية والمهرجانات الشعبية القومية للأمة الإسلاميه .. فهذا هو وصفها الشرعي والعلمي الصحيح .. والله تعالى أعلم.
وهذا الرأي – كما هو معلوم - مجرد رأي شخصي خاص إرتأيته - بعد تفكر عميق وتدبر دقيق - في هذه المسأله – المتنازع عليها بين الفرق الإسلامية - ولايصح قبوله مني إلا إذا إعتمده أهل العلم من علمائنا الأخيار وإلا فهو يبقى على ماهو عليه مجرد رأي من مثقف مسلم إسلامي يهتم بأمور المسلمين ! .. والسلام عليكم.
أخوكم المحب : سليم نصر
الرقعي
(1) يفترض من الناحية النظرية أن يكون كل (مسلم) (إسلاميا ً) بمعنى أن ينضبط في نشاطه الفكري العام (الفلسفي أو السياسي) او نشاطه العملي (الخاص أو العام) بالتوجيهات والتشريعات والموازين والضوابط الإسلامية الثابتة بدليل قطعي الثبوت ولكن من الناحية العملية والواقعية نجد بعض المفكرين او المثقفين أو السياسيين من المسلمين من لا يسلكون هذا السلوك المفترض بل نجدهم في نشاطهم الفكري والفلسفي والسياسي يحتكمون لقيم وتصورات وموازين أخرى قد يخالف بعضها ماهو معلوم من الدين بالضرورة ! .. وهذا بالطبع لا يخرجهم من دائرة الإسلام حتى ولو أعلنوا أنهم علمانيون صراحة ً وأنهم يرفضون أن يكون للإسلام علاقة بالدولة أو بالسياسة أو الإقتصاد أو بالقوانين ! .. فهم مسلمون لاشك في إسلامهم مادموا يقرون بأنهم مسلمون ويشهدون لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة ويقرون بأن الإسلام هو دينهم ولايصح ولا يجوز وصفهم بالمروق من الدين لمجرد هذا الرأي أو هذا الموقف كما يفعل غلاة الإسلاميين التكفيرين الذين لم ينج من سيف تكفيرهم الأهوج حتى من كان في صفهم ثم خالفهم في رأي أو في مسألة هنا أو هناك ؟؟ .. فهذا ظلم كبير ونهج خطير ! .
(2) العباده بمعناها الضيق الخاص : هي ما أصطلح عليه في الفقه بالعبادات وهي شعائر التعبد وطقوس النسك بعكس العباده بمعناها العام التي تعني الطاعه والعبوديه لله تعالى في كل أمر وتدخل فيها كل أعمال البر والطاعات والقربات والأعمال الصالحات بما فيها السنن (الإجتماعية والفردية) الحسنة المفيدة التي يبتدعها الناس لحفظ وتنمية وترقية الدين أو العقل أو الجسم أو المال أو الأخلاق أو العلاقات الإجتماعيه ! .
(3) كما في صحيح مسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ..)) فهذا يدل على إمكانية وجواز أن يسن المسلمون – بمبادرات فردية أو جماعية - السنن الإجتماعية الشعبية المفيده وهي بخلاف مفهوم السنن الدينية النبوية (الواجبة أو المستحبه) غير القابلة للتبديل أو التحويل !.
(4) من المؤسف حقا ً أن
الإحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وكما شاهدت بنفسي في عدة دول عربيه
تحدث فيه منكرات كثيره منها : شرب الخمر ومنهم من يشربها ثم يذهب ليرقص في
مايـُسمى بالزار أو الحضره كما نسميها نحن في ليبيا ! .. ويقول أنها تساعده
على السمو الروحي ؟؟؟ .. ويضيع الوقت كله تقريبا ً في هذا الهرج والمرج وكذلك
إختلاط الرجال والنساء بشكل لايجوز دينيا وإجتماعيا ! .. ومن النساء من
يشاركن الرجال الرقص و(المدح) و(الجذب) في هذه الزارات المنكره ثم يقولون لك
: نحن نحتفل بمولد النبي !!!؟؟ .. كذلك ما يجري اليوم في بلاد المسلمين من
الإحتفال بميلاد النبي على طريقة ما يحدث في الغرب عند إحتفالهم بميلاد عيسى
(الكريسمس) من تهتك أو المبالغة في إطلاق الألعاب النارية الخطرة التي كثيرا
ما تؤدي في بلاد المسلمين – وليبيا بالذات – إلى نتائج وخيمة وأليمة يكون
ضحيتها الأطفال الأبرياء أثناء فرحتهم بهذا العيد ولا حول ولا قوة إلا بالله
!. أرشيف الكاتب |
|||||