غادردنيانا بالآمس.. المرحوم عبد
المجيد ابوجازيه..كان "مجيد" ،كما كنا و كان يحب
ان ندعوه،احد معالم الحياة البارزة منذ ان
وعيتها، ليس فقط لكونه من العائلة ولكن لخصائص فريدة وخصال نادرة تميزت بها
شخصيته.
فقد شب "مجيد" ليجد درنه مثل باقى
البلاد مسرحا للحرب العالمية الثانية وويلاتها، ووسط الفقر والحاجة استطاع ان
ينشئ تجارة صغيرة تقيه واهله شر الجوع الذى كان سمة الحياة فى ذلك الوقت، وما
ان انتهت الحرب حتى انتقل الى بنغازى بتجارته وليصبح خلال سنوات قصيرة فى
مقدمة رجال الاعمال فى المدينة.
وما ان بدأ البحث عن النفط فى
ليبيا حتى كان "مجيد" يدشن شركة "لافكو" للطيران لتعمل فى تمويل الحقول، ومن
شاب يحبوا خطواته الاولى فى تجارة بسيطةاثناء الحرب صار صاحب اول شركة طيران
فى ليبيا يعمل لحسابها طيارين امريكيين وبريطانيين، اى فى اقل من عشرين عاما،
بجهده ومثابرته وعقله وعصاميته.
لم يكن عبد المجيد ابوجازية سلطوى
استباح المال العام، او احد الاتباع الذى يكافأ بأوامر التوريد، او من ضمن
عصابات السوق السوداء التى تعمل تحت عباءة السلطة، ولكنه كان من ذلك الرعيل
من رجال الاعمال الليبيين الذين علموا انفسهم بانفسهم واتقنوا مهارات التفاوض
التجارى وقدموا لليبيا نماذج رائعة ستبقى دائما فى ذاكرة الوطن، اولئك الذين
استطاعوا وبسرعة استيعاب حقائق العصر و جلبها لبلادهم من اجل تقدمها.
حضرت معه، لمرات عدة، جلسات تفاوض
مع شركات عالمية ، كنت اجلس لاتعلم، واذكر اننا كنا نتفاوض فى لندن مع يو اس
ستيل، وهى شركة امريكية كبرى، كان يمثلها مدير عملياتها الدولية ومسئول
مبيعاتها فى اوروبا و شمال افريقيا، وكيف اننى بعد العودة الى الفندق سألته
"اين تعلمت كل هذا؟"، فاجابنى "فى شوارع درنه المتربة وانا احبوا خطواتى
الاولى فى دنيا التجارة"، كان الاجانب يعتقدون ان فى ليبيا مدرسة اعمال كبرى
يتخرج منها امثال عبد المجيد، وعندما بسألونه كان يجيبهم مقهقها وبانجليزية
راقية" نعم و لكنها للآسف اغلقت ابوابها منذ زمن".
وعندما ادت سياسات المصادرات
والاستئصال العبثى فى السبعينيات الى اغلاق ابواب الرزق امام رجال الاعمال من
امثال "مجيد" وحصرالحق فى الاستمتاع باموال الوطن فى الاقارب والمريدين ،وضرب
الرأسمالية الوطنية من ابناء البلد لحساب الشركات الاجنبية. وعلى الرغم من
كبر عدد اسرته، غادر الرجل ليبيا الى الولايات المتحدة ليضمن لآبنائه و بناته
العيش الكريم ،بعيدا عن سياسات ابت الا ان تحول الليبيين ما استطاعت الى
متسولين يحصدهم الفقر والعوز، وفي امريكا حقق ابناءه ، على طريق ابيهم
..النجاح.
ان قصة مثل هذه لرجل عصامى،لو كانت فى مجتمع يعيش ظروف غير التى نعيشها، لسكنت كتابا مثل قصة
"هيوارد هيوز"، ولصارت درسا لكل عصامى يريد ان يرتقى السلم باصرار ومثابرة.
كان مجيد ايضا رجلا شجاعا، مما
جعله حافظ اسرار "صالح" ورجله فى المواقف الصعبة.
فعندما علم "صالح" بمؤامرة بن حليم للتخلص منه وقرر الهرب الى الخارج عام
1954، تولى مجيد مرافقة اسرته وطفليه من بنغازى الى طرابلس، ثم حينما انفض
الناس من حول "صالح" بعد ان اصدر الملك مراسيمه بوضع الاسرة واموالها تحت
الحراسة، لم يتخلى "مجيد" عن عهده لصديقه وصهره، فسهر على امور ألآسرة حتى
التحقت بربها فى مصر.وفى ايام الغربة كان مجيد
نعم السند ونعم الصديق.
ثم عندما سقطت الطائرة فى سيناء،
وتقلبت الاخبار عن "صالح" بين الحياة و الموت حتى اليوم الثالث من الحادث حين
جاء الخبر لمجيد من القاهرة بانهم تعرفوا على جثمان صديقه، اندفع يبكى الى
حيث كانت النساء مرددا بصوت عال "ابكن يا صبايا ..صالح مات".. " ابكن يا
صبايا..صالح مات"..فى مشهد لن انساه ما حييت.
رحمك الله يا ابا مصدق.. وليرحم
الله مصدق، وليلهم انجالك مجدى و حميد ومفتاح ووائل ووليد،وحرمك الطيبة، و كريماتك و حفيداتك واحفادك وكل من احبك وسيفتقدك ..الصبر.