10/03/2007 |
|
||||
|
|
|||||
هل يجب علينا الاختيار بين أن الحرية والديموقراطية أو النظام (Order) والقمع ؟ هل يعني الحصول على الحرية انهيار أو انحسار النظام ؟ وأن الديموقراطية تجلب الفوضى ؟ وهل الحرية والنظام خصمان لذوذان في مجتمعاتنا العربية والمجتمعات لا يمكن اجتماعهما ؟ تجاذبتني هذا التساؤلات وأنا اتابع تقريراً اخبارياً مسموعاً عن روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي.خلاصة التقرير أن التأييد الشعبي للقيصر الجديد "الرئيس الشمولي" بوتين تجاوز عدة مرات التأييد الذي كان يحظى به سلفه "الديموقراطي" يلستن. وأن الشعب الروسي في مجمله يفضّل يد بوتين الحديدية التي تفرض "النظام" على يد يلستن الديموقراطية التي وفرت الحرية والديموقراطية التي بدورها خلقت فوضى انتقالية في البلاد. فالشعب الروسي يتخبط اليوم بين تجربة الرئيس يلستن الديموقراطية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وقبضة الرئيس بوتين الشمولية الذي يعيشها اليوم.لقد شهدت فترة الرئيس يلستن انهيار الدولة الدكتاتورية السوفييتية وبزوغ فجر الحرية والديموقراطية في روسيا، وصاحب انهيار هياكل الدولة الشمولية هناك حالة من الفوضى الطبيعية التي تصاحب الفترات الانتقالية. ولم تكن الفوضى وحدها التي صاحبت تلك المرحلة الانتقالية بل بدأ الشعب الروسي عند تنشقه نفحات الحرية الأولى يشعر بحالة من فقدان التوازن واللاستقرار عند فقدانه للنظام الذي كان يقرر له كل شئ في حياته ومماته. فمأكله ومشربه ووظيفته وحلّه وترحاله، وصحته وشؤونه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كلها محكومة من قبل النظام، ولا قرار له فيها ولا حرية له في قبولها أو رفضها ناهيك عن التفكير في بدائل أخرى.حالة اللأمان التي تصاحب الحرية في مراحلها الاولى جعلت الكثيرين ينفرون منها ويتخوّف منها. فالحرية تعني أنهم أحرار وهذا يعني أنهم مسؤولون. مسؤولون عن قرارتهم وتصرفاتهم التي سيمارسون بها حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مسؤولون عن علاقاتهم مع غيرهم ومسؤولون عن حفظ النظام. فليس هناك "أخ أكبر" يقرر بالنيابة عنهم، ومن ثم يعفيهم من كل المسؤوليات والنتائج.كما أن المرحلة الانتقالية غير المستقرة التي تلي انهيار الانظمة الدكتاتورية والشمولية، صاحبة القبضة الحديدية، يجب أن تُفهم في إطارها وتُستوعب ضمن ظروفها المؤقتة ولا يتم اعتبارها المحطة الاخيرة وحالة نهائية تصاحب الحرية والديموقراطية.التجربة العراقية والاستخدام الخطأوهذا بدوره يجرني إلى النظر في التجربة العراقية الحالية، وهل يمكن، كما يحاول البعض، استخدامها لمهاجمة الحرية والديموقراطية واتهامهما بأنهما شر مطلق لا خير فيهما.سيقوم باستخدام هذه الاطروحة طرفان متناقظان في ايدولوجيتهما وأهدافهما ومتفقان عدائهما للحرية والديموقراطية. الانظمة الدكتاتورية والشمولية والارهابيون والمتطرفون الاسلاميون. أصدقاء في العداء للحرية والديموقراطية ومتنافسون على السلطة والتسلّط.ما حدث ويحدث في عراق اليوم هو وليد لواقع متعدد الجوانب.أولا: التحول نحو الديموقراطية لم ينطلق من الداخل بل جاء نتيجة احتلال عسكري وسقوط مفاجئ للنظام ومؤسساته. الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة وفشل سلطة الاحتلال في خلق بدائل مناسبة وفاعلة وإن كانت انتقالية أدى إلى المزيد من الفوضى وانهيار النظام. وهذا يختلف كلية عن التجربتين اليابانية والألمانية عقب احتلالهما مع نهاية الحرب العالمية الثانية. فقوات الحلفاء استطاعت خلق نوع من الاستقرار وحفظ حد أدنى من النظام في ألمانيا كما فعلت أميركا نفس الشئ في اليابان مما أدى إلى بناء ديموقراطيات مستقرة ومتطورة وفاعلة في وقت قصير.ثانيا: هناك قوى متعددة ومختلفة ترفض الديموقراطية والحرية وإما تريد عودة النظام البعثي الشمولي السابق أو تريد فرض دولة دينية أصولية متشددة تتناقض مبادئها وايدولوجيتها مع الحرية والديموقراطية. هذه القوى تحارب بكل شراسة استقرار وتجذّر الديموقراطية في العراق.ثالثا: الدولة العراقية لم تكن دولة "مواطنين" بل دولة حزبية وطائفية إلى حد كبير. دولة يحكمها حزب واحد وتمارس فيها أقلية طائفية "السنة" الاستعباد والاستبعاد والظلم والقهر والقتل والتهجير تجاه مكونات المجتمع الأخرى. وهذا ولّد ولاء طائفي وعرقي فقط ولم يصنع ولاء وطني قومي عراقي، وإن بدا على السطح "ولاء قومي وطني عراقي" شاحب من حين إلى آخر لم يتجذر ولم يتطوّر نتيجة لحالة الاستقطاب التي ذكرنا. وهذا بدوره أدى إلى انفجار طائفي وعرقي عشية سقوط النظام البعثي، وهبوب أولى نسمات الحرية تمنح للكل فرصة الاختيار والتعبير والانحيار إما للولاء الوطني القومي العراقي أو الطائفي العرقي.رابعاً: المجتمعات التي تُحرم من الحرية لعقود طويلة عادة ما تسئ استخدام الحرية وممارستها مما يؤدي إلى تقويض النظام (order) وخلق فوضى. فمن القيم العليا للحرية هو قيمة ممارستها.فهي عندما توفّر الحق في اختيار تصرفاتك وممارساتك تطلب منك حق المسؤولية. فإن كان من حقّك تملّك سلاح إلا أن ملكيتك لهذا السلاح ستختبر قدرتك في ضبط استخدامه ضد الاخيرين ممن لا تحبهم أو تختلف معهم. حرية التجمّع مثلاً، يمكنك عبر ممارستها الدعوة إلى تجمعات دينية أو طائفية أو عرقية أو جهوية أو سياسية أو قبلية. أو تشكيل مليشيات عسكرية. وكل ذلك له نتائجه وتداعياته على المجتمع والدولة. وهذا ما حدث في العراق. وكذلك الحال مع بقية الحقوق التي توفرها الحرية.إن غياب ثقافة الحرية هو أخطر عدو لها. وهذا ما حدث في العراق، فمن السلب والنهب في الايام الأولى إلى التصفيات الجسدية إلى إنشاء التحالفات الطائفية والعرقية إلى نظام المحاصصات بعد ذلك.القادة العراقيون (الذين عارضوا النظام البعثي) لا يفقهوا شيئا في ثقافة الحرية وتحولوا إلى كتل وتكتلات وطوائف وعصابات وقطّاع طرق، سنيهم وشيعيهم، عريبهم وكرديهم على حد سواء.إن تفتت العراق أمر لا يمكن للعراقيين أن يلوموا فيه إلا أنفسهم. فلا يمكن التحسر على عراق الحجّج ابن يوسف وصدّام حسين. عراق ملتحم ببعضه بالحديد والنار والقمع والقهر ليس إلا.لا يمكن لدولة أن تستمر أو تزدهر بهذا الشكل والتاريخ ملئ بالعبر وما حدث للاتحاد السوفييتي وجمهورياته التي حُكمت بالحديد والنار من تحلل وانهيار ببعيد، ومقارنة ذلك بولايات الاتحاد الاميركي الذي بني على التراضي بين مكوناته، أو طوائف وعرقيات المجتمع الهندي التي تتعايش مع بعضها البعض بسلام في معظم الاوقات مع اختلافاتها.ثقافة الحرية: مسؤولية وتطور ونظامإن التهديد بالفوضى واللاستقرار وانهيار المؤسسات وانتشار الجوع والفقر والاستغلال وامراض الرأسمالية الأخرى ليس سوى خيال فزّاعة تخوّف بها الأنظمة الدكتاتورية والشمولية شعوبها المتطلعة للحرية والانعتاق وهو فخ لا يجب الوقوع فيه. وشبيه هو بفخ الإرهابيين والمتطرفين المسلمين الذين يعادون الحرية والديموقراطية بدعوى نشرها للفساد والانحلال والفجور والإبتعاد عن الدين، وينسون أن هناك ملايين من المسلمين المتمسكين بدينهم في نفس الوقت الذي يتمتعون به بالحرية والديموقراطية في بلدان الغرب. بل في الوقت الذي يحاول فيه هؤلاء المتطرفون البقاء في أحضان ديموقراطيات الغرب والتمتع بأجواء حريتها.إن ما تحتاجه شعوبنا هو ثقافة الحرية والديموقراطية التي ترتكز على الحرية والمسؤولية في نفس الوقت، والتي تدعم حق المرء في الاعتماد على النفس والانطلاق بالمبادرات الخلاّقة والإبداعية بدل التواكل على أجهزة الحكومات في لقمة العيش والتحوّل إلى عبد مأجور لها.فالحرية توّفر فرص الانطلاق نحو المستقبل بكل آماله ومجاهيله ومخاوفه ومغامراته. ولا يمكن مقارنة ذلك بعبودية نظام "الأخ الأكبر" الذي يسوق نظرية "الاعتماد الكامل"Total Dependency للتحكّم في الشعوب. وتستحضرني قصة أبوبكر الصديق الذي رفض مشاركة أخيه الأنصاري في ماله عند هجرة المسلمين إلى المدينة، وقال بكل حرية وثقة بنفسه وبكل أمل في المستقبل: "دلني على السوق".إن الليبيين ليسوا في حاجة إلى أعطيات النظام سواء كانت 100 ألف أو مئة مليون. لقد فقدنا مئات البلايين قبل ذلك. إنهم في حاجة إلى نيل حريتهم وإلى من يدلهم على السوق ويلغي القيود التي تحد من انطلاقتهم وتعرقل ابداعاتهم، وتخنق آمالهم. إن الذين يخيفوننا من تداعيات الحرية والديموقراطية لا يفعلون ذلك إلا خدمة لانفسهم ومن أجل دعم مصالحهم ليس إلا. فالفساد والاستغلال منتشران والمؤسسات منهارة والفقر متمكن وامراض الدكتاتورية مستعصية في مفاصلنا. وفي غياب الحرية لا نستطيع ان ننبس بكلمة أو ننتقد وضع.وبالرغم من اننا ننتقد الانظمة الدكتاتورية والشمولية التي تخنق شعوبها وتغيّب حريتها، إلا أن تلك الانظمة هي جزء واحد في المعادلة، فالشعوب أيضا لا بد ان تتعلم ممارسة الحرية وتتطوّر في التشبّع بها والدفاع عنها. فالديموقراطية والحرية ليستا شعارات ولا تصويتات ولا انتخابات فقط بل سلوك ونظام حياة وقيم ومبادئ تتطور بها الشعوب كما تتطوّر هي مع تطوّر ممارسيها. ومن هنا لا بد أن ننظر الشعوب الحرة والديموقراطية ونظمها في العالم بكل احترام وتقدير. حيث اختارت تلك القيم والمبادئ وهي تعيشها يوما بيوم بكل مصاعبها ومشاكلها وأمراضها ومعاناتها.وهي، وهي تفعل ذلك، لم تعد في حاجة إلى الاختيار بين الحرية أو النظام بين الديموقراطية أو بين الديموقراطية أو الفوضى. فاستطاعت أن تعيش حرة ومنظمة ومتطورة وديموقراطية ومبدعة. وديموقراطية الهند أفضل مثال على ذلك إن لم ترد النظر إلى ديموقراطيات الغرب.فمرحبا بالحرية والديموقراطية وامراضهما ومشاكلهما والفوضى الانتقالية التي قد تجلبانها. ففي اجوائهما يمكننا التعلّم والنمو والتطور والتجربة والخطأ دونما وصي أو متسلط.
* صحافي ليبي- واشنطن
|
|||||