20/03/2007

      


سُكَان المغَاور والكهوُف

 

بقلم: ج. بيدر (من ارشيف مؤسسة المنار)


 

الغريب من أمر سكان المغاور والكهوف فى غريان أنهم يعيشون فى مساكن يشيدونها تحت الأرض، لا فى مغاور وكهوف طبيعية كما يفعل الكثيرون من أمثالهم فى شتى أنحاء العالم. والمعروف عن الفرد العادى من سكان الكهوف أنه يختار كهفا طبيعيا فى الجبل، ثم يجرى فيه شيئا من التعديل والترميم، حتى يجعله صالحا لإيوائه بقدر الإمكان.
 
أما سكان الكهوف فى غريان فإنهم يختارون قطعة منبسطة من الأرض تكون طبقتها السفلى من مادة شبيهة بحجر الكلس، وهو الحجر الجيرى، ثم يحفرون حفرة عمقها عشرون قدما ومساحتها ثلاثون قدما مربعا. وفى وسط هذه الحفرة يعمل ثقب لكى تتصرف منه مياه الامطار، ثم يقام المدخل بشكل سرداب، بحفر خندق يمتد بانحراف حتى يبلغ عمقه نحو خمسة عشرقدما، ثم يستمر الحفر إلى أعلى باقى المسافة. وهذه السراديب لاتكون مستقيمة بأى حال من الأحوال، بل تكون عادة منحنية عند ثلثى الطريق ألى أسفل ولها باب سميك فوق وتحت.
 
وبعد أن يتم عمل المدخل والحفرة الرئيسية، يأتى عمل الغرف اللازمة للسكنى، فتجوف الحيطان،وهى تمتد عادة مسافة عشرين أو ثلاثين قدما داخل الأرض. وفى بعض الأحيان يجوف غرفة أخرى فى مؤخر الغرفة الرئيسية.
 
وتتخذ هذه الغرفة عادة مخزنا للأشياء، وكانت فى قديم الزمان مخبأ للنساء فى أوقات الخطر والهجوم.
 
ويسمى البيت كله ((بالجروتو)). ولايملك جميع الغرف القائمة فيه إلا من كان واسع الثراء. وفى العادة تشارك أربع أو خمس عائلات فى الحفرة الرئيسية، وتكون لكل عائلة منها غرفة أو غرفتان فى حيطانها. ولايملك الفقير المدقع سوى غرفة واحدة يستعملها لكل شىء، ثم يشارك غيره من السكان فى استعمال ساحة الحفرة.
 
وعندما يقام ((جروتو)) جديد، فإن صاحبه لايعمل من الغرف فى أكثر الأحايين إلا مايكفى لاستعماله الخاص، ثم يؤجر فيما بعد أو يبيع ماتبقى من الحائط لكى تحفر فيه غرف أخرى للسكنى.
 
وفى غابر الأزمان كثيرا ما كان يقوم رجل واحد بأعمال الحفر والبناء، فكان من الطبيعى أن تستغرق هذه العملية عاما أو عامين. أما اليوم فإن أعمال البناء تتم بواسطة التعاقد، وعلى ذلك لاتستغرق من الوقت إلا القليل.
 
هذا فيما يختص ببناء المغاور والكهوف. والآن ماهو السبب فى وجودها؟ إن أوجه سبب للمعيشة فى هذه المغاور والكهوف هو أن درجة حرارتها لاتختلف فى الصيف أو فى الشتاء، وهى عادة أرطب بحوالى العشرين درجة عن الطقس فى الخارج فى فصل الصيف. أما فى فصل الشتاء فهى أدفأ بحوالى العشرين درجة. أما فى الأيام الغابرة، فإن أحد الأسباب الوجيهة للمعيشة فى هذه المغاور والكهوف، هو أنها كانت تقوم مقام مركز حصين طبيعى ضد القبائل المغيرة واللصوص الذين تخول لهم نفوسهم الإغارة على سكان هذه الكهوف. وحتى فى وقت قريب فانهم يجيئون كل ليلة بحيواناتهم وطيورهم تحت الارض، وتعيش العائلة وحيواناتها وطيورها محتمين بهذه الأماكن الشاذة.
 
وتعيش هذه المغاور والكهوف مابين 150 و 200 عاما قبل أن تتداعى وتسقط ، وبعد ذلك تستعمل كمخازن للتبن وعلف الماشية. ولكن بالرغم من أن أصل هذه الأماكن قديم عتيق، فأن مغاور وكهوف جديدة تبنى بسرعة وعلى ذلك فإن هذا الحل الشاذ لأزمة المساكن يستمر.
 
من ارشيف مؤسسة المنار
almanar1one@yahoo.co.uk

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com