|
26/03/2006
مرسل الكسيبي
ذكرياتي من الشهادة الى المنفى
ومازالت الذاكرة موجوعة بذكرى خمسينية الاستقلال ونحن نقضي أيامها ولياليها خارج حدود الوطن وبعيدا عن أعز الأحباب وأطيب شجر وأصدق خلان وأصفى سماء فتحت عليها العيون لولا سحب مصنع تكرار الفوسفاط المحملة بالغازات الكيمياوية السامة والذي جلب لأهالي مدينة صفاقس أعلى نسب سرطان بكامل الجمهورية التونسية ,والذي قد يكون وراء قضاء نحب الوالدة رحمها الله في أواسط التسعينات من القرن الماضي ثم وراء وفاة أصغر الأعمام وبعده لحق الخال وقبل أسابيع تمكن من الخال الثاني...وبينما كنت مهموما بتدوين مذكرتي الثانية عن ثورة الطلاب من عنابر العلم في أقوى الحركات الطلابية العربية وربما العالمية الى حدود بداية سنوات التسعين من القرن الماضي,وبينما كنت مشغولا بترتيب عملية نشر هذه المذكرة على بعض مواقع الواب الحرة,واذا بجرس الهاتف يرن ليحمل لي مكالمة غير تقليدية حيث كان على الخط واحد من شهود عيان حقبة سنوات الجمر في تاريخ تونس المعاصر ,لقد كان محدثي من قراء ماكتبته في مذكرة أول أمس والتي حملت عنوان ذكرياتي من المنفى الى المنفى.
لقد أوضح مخاطبي أن من استشهد في سنة تسعين بين رمال الصحراء في حقبة التجنيد القسري والانتقامي, كان السيد حمادي حبيق وهو شاب من مدينة فطناسة التابعة لولاية قبلي بالجنوب التونسي,وقد كان شابا يافعا وطاقة علمية واعدة وهو الذكر الأوحد لدى والديه,ولقد روى محدثي مشكورا على هذه الشهادة التاريخية بأن الشهيد حمادي حبيق كان شابا خلوقا ومتدينا وصاحب حنجرة ذهبية كثيرا ما أطربت الطلاب بأغاني وأهازيج ليس متعودا سماعها في وسائل اعلام بلدي. حمادي حبيق رحمه الله تعالى كان شابا متفوقا في الرياضيات أكلت جثته الذئاب بعد أن نفي الى معتقل طلابي جماعي في أقصى الجنوب التونسي برجيم معتوق.
وعودة الى الوراء وقبل ثورة الطلاب الاحتجاجية على طرد زملاء نقابيين لهم بمؤسسة الاتحاد العام التونسي للطلبة والتي كانت وراء خطاب ناري خطبه يومها السيد حامد القروي رئيس الوزراء الثاني على عهد ماسمي بالجمهورية الثانية,ثم حلقة تعيسة من برنامج المنظار الذي أداره انذاك السيد منصف الشلي.
وعودة بالذاكرة الى يوم من أيام الرصاص الحي في مفتتح شهر جانفي من سنة 1990 أو يناير على حد تعبير اخوان المشرق,لازالت الذاكرة تحمل طقطقة الرصاص الحي الذي كان سببا في استشهاد طالب ثاني يدعى صلاح الدين باباي رحمه الله تعالى وهو الاخر طالب متفوق في شعبة العلوم بكليتها بمدينة صفاقس وقد روى بعض أصدقائه بأنه نجح في سنة الباكالوريا بمعدل يزيد عن الستة عشر من عشرين عن شعبة الرياضيات والعلوم.
ونفس هذا الرصاص الذي ستأتيكم قصته لاحقا كان سببا في شل أبدي لطالب ثاني يحمل اسم ابراهيم الخياري ولست أدري بعد مرور أكثر من عقد ونصف على الحادثة ان كان اليوم على قيد الحياة أو مازال يحمل معه عذابات الشلل المزمن. ففي صبيحة لم تكن عادية مطلقا وكانت وراء قرار بغلق كامل الجامعات التونسية والمعاهد الثانوية والمدارس لمدة أسبوع أو أسبوعين ,عاشت مدينة صفاقس حادثة لم تكن عادية أبدا في تاريخ حرية التعبير والتجمهر والتظاهر والتنظم.
لقد حملت الأنباء في تلك الأيام أخبار الاستعداد الذي قامت به جيوش ثلاثين دولة من كل أنحاء العالم للتحرك العسكري قصد اخراج الجيش العراقي من دولة الكويت,وعلى مدار أسابيع شحذ خطباء الطلاب في عاصمة الجنوب ألسنتهم من أجل البيان والبلاغ والتحليل السياسي لأبعاد خطورة حرب جديدة تعكر صفو المنطقة بعد أن اعتقد الجميع بأن صدام سيتعظ من حرب السنوات الثماني.
ومن التجمعات الطلابية وتعليق النصوص وشحن وتعبئة الطلاب على وقع الحدث التاريخي الأليم الذي غير مجرى التاريخ في كامل البلاد العربية ,الى حدث ثاني هز الرأي العام الوطني والطلابي انذاك وتمثل في ماتناقلته وسائل الاعلام التونسية والعالمية وفي نفس تلك الأيام عن اغتيال قادة فلسطينيين كانوا مقيمين في تونس . كان نبأ اغتيال أبي محمد وأبي الهول وأبي اياد الصفعة الثانية التي تلقاها الطلاب بعد أن تلقوا قبيل سنوات قلائل خبر اغتيال القائد الفلسطيني أبي جهاد على تراب تونس. وكالعادة انضاف الخبر ليؤجج نار الغضب الطلابي وليعلن الجميع استغرابه من حدوث هذا الأمر في وقت متزامن مع الاعلان عن بداية قصف الحلفاء لقوات الجيش العراقي المحتلة لبلد الكويت. ولسنا هنا أبدا بصدد التعليق على خلفيات الحدث بقدر ماأننا نروي أحداثا عشناها دما وألما جرت بين مقلتينا وتحت مشهد من أسماعنا.
غادرت البيت وككل صباح من أجل الالتحاق بكلية الحقوق بالمدينة وكانت الأحاسيس تنبؤني بوقوع كارثة ما,وأمام مدخل كلية العلوم الاقتصادية وفي زقاق مقابل لها تماما اعتادت قوات النظام العام على التجمع وايقاف عرباتها الكبيرة. كان المشهد محزنا وأنا أرى حدثا غير عادي,حيث عمد أحد عناصر البوب كما يطلق عليهم الطلاب وفي نفس ذاك الزقاق الذي تجمهرت فيه عربات سوداء ورمادية اللون تتخللها كتابات باللون الأبيض تعلن عن هويتها الأمنية. لقد عمد واحد من عناصر البوب الذي استرقت النظر باتجاهه الى تحريك سلاحه الأوتوماتيكي وشحنه على مايبدو بالرصاص ,في حين عمد اخر الى تناول حبوب يقال أنها مهدئة وسالبة لمشاعر الوطنية والأحاسيس الانسانية. وبعيد دقائق ازدحمت كليتا الحقوق والاقتصاد والتصرف بالطلاب وبدأت الخطابات الثورية وكبرت التجمعات الطلابية وقرر أغلبية الطلاب الذين يقدر تواجدهم انذاك ببضع الاف الخروج الى الشارع قصد التظاهر احتجاجا على حدوث عملية الاغتيالات فوق تراب تونس.
وفعلا انساب الالاف باتجاه الطريق الرئيسي الذي يحمل اسم طريق المطار ,وانطلقت الشعارات والهتافات ولم يستمر المشهد الا دقائق واذا بقنابل خانقة تنزل في كثافة على معاشر الطلاب واذا بفصل التراجيديا والثورة الحالمة يتحول بعد أن اختنق الطلاب بالغازات المسيلة للدموع والخانقة أيضا الى مشهد سالت فيه دماء الأبرياء. رمى البعض من الطلاب حنقا على ماأصابهم من اختناق ببعض الحصوات على بعض العناصر البوليسية المدججة بعتاد فرق النظام العام ,ولكن سرعان ماانقض أحدهم على سلاحه الناري مشهرا اياه على ركبة ونصف باتجاه صلاح الدين باباي امام -بكسر الألف- مسجد المبيت الجامعي بمدرسة المهندسين ,فكان الانفجار الرصاصي الأول الذي أرداه شهيدا وجاءت الطلقات الأخرى لنرى بأم أعيننا ابراهيم الخياري يسقط طريح الأرض.
وكانت اللحظات الأولى في حياتي التي أشهد فيها رميا بالرصاص الحي أمام مقلتي ,والتفتنا بعد دقائق الى صلاح الدين باباي الذي كان شابا يافعا كثير الهدوء غير فاقد قط للابتسامة ,لنجده ينزف من دماغه وسارع الطلاب تتقدمهم طالبة لم أر في شجاعتها قط انسة تونسية ,ليحمل الشهيد وهو يردد اخر كلماته "ياما ,ياما,يعني ياأماه ياأماه,ثم أشار بسبابته ناطقا بالشهادتين الذين تزاحمت بهما شفاهه "ولست أدري مالذي حدث بعدها للطالب المصاب ابراهيم الخياري ,ولكنني رأيت جمعا من الطلاب يسارعون الى ايقاف شاحنة من الحجم الصغير لتنقل جثمان صلاح الدين باتجاه برادته الأولى والأخيرة بمستشفى المدينة.
وعن صلاح الدين فقد أثبتت التشريحات الطبية المصورة والتي علقت لاحقا في ساحات الكليات أنه أصيب برصاصة لولبية عيار 5و5 ملم لتخرج من مؤخرة دماغه في شكل حفرة مضاعفة حوالي عشر مرات. كانت هذه لحظات أرويها للتاريخ وللمعنيين بحاضر تونس ومستقبلها من أجل أن يكون لذكرى خمسينية الاستقلال معنى ثاني ,فلقد جف الريق وكادت عبراتي أن تنهمر وأنا أتذكر ماذا صنعت دولة الاستقلال بمواطنيها.
كانت هذه شهادة على الاستشهاد ,أما القاتل فقد سمعنا لاحقا بأنه نقل الى خارج المدينة وتناقل بعض الطلاب خبر بقائه بالسلك الأمني بل وترقيته لاحقا,ولست أدري حقا ان كان هذا الخبر صادقا يليق بدولة الاستقلال وبالحديث الذي مججناه وهو يعدد مكاسب لا يمكن لنا أن نتطعمها ونحن نعيش اليوم في المنافي وأصدقاء وخلان لنا مازالوا قابعين وراء القضبان وجزء منهم قادة الحركة الطلابية واخرون من قادة الأحزاب والفضاء العمومي.
تحية الى هؤلاء الشهداء الأبرار في مراقدهم وتحية الى أولئك الصامدين في سجونهم من أجل رؤية تونس متحررة ومنعتقة من كل ألوان الظلم والعسف في زمن ان الأوان فيه من أجل طي ملف سنوات الجمر والرصاص والتأسيس لحقبة سياسية جديدة تنسجم مع كل مايحدث في المنطقة ودول الجوار من تحولات سياسية جد عميقة ,ولعل المطلوب بعد كل الذي حدث للوطن والمواطن ليس أكثر من الاصلاح الحقيقي الذي يضع تونس على عتبة فجر سياسي جديد يقطع مع هذه الحقبة المظلمة وممارساتها التي لن تنسى بمهرجانات واحتفالات وهيلمانات تتعالى عن جراحات والام الناس
مرسل الكسيبي كاتب واعلامي تونسي 25-03-2006
|