25/03/2006


 

 

مرسل الكسيبي

 

ذكرياتي من الجامعة الى المنفى

 

سنة1990 وفي أواخر السنة الجامعية وقبيل ثلاثة أشهر على أقصى تقدير من موعد امتحانات نهاية السنة والتي تعودنا على اجرائها في تونس بين أواسط وأواخر شهر جوان ,جدت أحداث أليمة كنت قد لخصت يوما من أيامها في مذكرة يوم أمس من خلال رواية بعض الأحداث التي عرفتها جامعة كبرى مدن الجنوب وعاصمته الاقتصادية صفاقس.

 

فبعد طرد ثلة من أشهر المناضلين النقابيين من كلية الطب امتدت شرارة الاحتجاجات لتشمل كامل الأجزاء الجامعية بالمدينة وكانت أكثرها حدة بكلية العلوم الاقتصادية والمدرسة القومية للمهندسين ,لتنتقل بعد ذلك الحركة الاحتجاجية لتشمل كامل الأجزاء الجامعية للبلاد. فبين سلسلة من التحركات الضخمة التي تجند لها الاف الطلاب معتصمين ومحتجين داخل فناءات كلية الطب ذات الهندسة المعمارية الرائعة والتي بنيت بتمويلات كويتية على عهد رئيس الوزراء محمد مزالي,وبين مسيرات تاريخية جابت الشوارع والطرق المحيطة بالمدرسة القومية للمهندسين ومبيتات الطلاب القادمين من أجزاء كليات الحقوق والاقتصاد والتصرف وشعب الهندسة والعلوم والمعهد الأعلى للرياضة ,بين كل ذلك شهدت الجامعة التونسية أوج ربيعها بعد أن تحولت احتجاجات الطلاب الى أضخم تحرك مدني تعرفه السلطة الجديدة منذ اعتلائها عرش الحكم لم تفلح وعلى مدار أسابيع وأشهر سياسة العصا الغليضة في كبح جماح الطلاب الثائرين في اطار رغبة نقابية وسياسية ملحة بتثبيت موقع زملائهم المطرودين على كراسي الجامعة التونسية.

 

تحولت الحركة الاحتجاجية الى نوع من الاعتصام داخل بهو كلية الاقتصاد والتصرف بجامعة صفاقس وانضم مئات الطلاب الى حركة المعتصمين ,ونفر الى موقع الحدث الشعراء والمنشدون وأصحاب الابداعات المسرحية والروائية والمواهب الخطابية ,كان ذلك الحدث مسائيا مستمرا على مدار ساعات طوال ليسجل ملحمة ربيع بيكين التونسية وليدون من خلاله الطلاب صفحة لم تشهدها الحياة السياسية في تونس الا في محطات نادرة انضمت اليها جموع المواطنين في أشهر حدثين عرفتهما البلاد في سنوات 78-و84 من القرن العشرين . كان الجو حافلا والحضور رائعا ولحمة الطلاب لم يسبق لها مثيل وأهازيجهم وتفاعلاتهم تنبئ بأن تونس تشهد أوج مراحل يقضتها الطلابية,حتى حن للكثيرين في تلك المرحلة أن يتحدث عن أقوى حركة طلابية في العالم العربي, بل عن أقوى حركات الطلاب عبر العالم.

 

لم تجدي أسوار مشوكة بحديد مذبب يشبه حديد السجون ومحيطة بكل أجزاء الجامعة تقريبا في الحيلولة دون سجن طموحات الطلاب ,ولم تفلح جدر أشبه بجدر برلين في الفصل بين المبيتات ومقرات الكليات في اخماد لهيب ثورة الطلاب ,ولم تستطع قوات الشرطة والحرس والتدخل السريع وميليشيات الحزب الحاكم الراكبة والمحمولة برا في قمع شعارات كثيرا ماتغنى بها الطلاب ولعل أشهرها حريات اساسية لامراكز بوليسية -وجامعتنا حرة حرة والبوليس على بره -يعني خارج أسوار الجامعة وغيرها من الشعارات التى تمجد حركة طلابية منظمة وعتيدة ومتفاعلة مع قضايا الوطن وساحاته الحية.

 

كان العنصر النسائي هو الاخر ملتهبا حماسة وثورية واتقادا وحيوية من أجل الوقوف الى جانب الطموحات العادلة لطليعة الجماهير وقلبهم النابض الحركة الطلابية ,فلأول مرة تخرج الزغردة من اطار الأفراح وقصص الزفاف والدخلة ,ولأول مرة تلتهب حناجر الطالبات بزغارد لم أسمع لها مثيلا من حيث الجمالية والدلالة الرمزية الا في شريط فرقة العاشقين وهي تزف قصة واحد من شهداء ارض العزة والكرامة ,لتعبر عن تهنئة بعرس من نوع اخر وهي تردد رائعة بالهناء ياأمه زفي الى أحضانه أغلى صبية.

 

لم تدنس هذا العرس وجماليته الا أضواء كاشفة ورهيبة لم نعهدها في حياتنا قط تلت طلقات أشبه بطلقات الرصاص,واتضح فيما بعد أنه صوت القنابل المسيلة للدموع ,أما الأضواء فلا طاقة للأحزاب والجماعات بها وانما هي من القوة والعنف الذي تحتكره الدولة ,فلأول مرة أرى أضواء تمتلك قدرة اضائية تراوح الثلاث كيلومترات أحيانا وتحول ربيع الجامعة الى ربيع من نوع اخر,وتحركت جموع الطلاب باتجاه اخلاء المكان المحاصر والالتحاق بالمبيتات التي كانت أكثر أمانا وتبادر الى ذهن الطلاب القفز من فوق الجدر وتولى العشرات تأمين فرار العنصر النسائي الى حجرات طلابية أشبه بغرف صغيرة لاتحتمل غير طاولة وسريرين في أضيق مبيتات كانت تؤوي حلم العلم والثورة على وضع سياسي كان يتجه من تلك الأيام نحو الانغلاق وتصفية أقوى قلاع المجتمع المدني.

 

أسطورة مازلت أذكرها يوم أن التحق الجميع باتجاه المبيتات ,وحاول الكثيرون والمئات سد منافذ الجامعة وأبوابها الضخمة للحيلولة دون مداهمة بوليسية قاسية بعد أن انهالت المئات من القنابل الخانقة على غرف الطلاب ,ومازال المشهد مجلجلا ومزلزلا عندما اعتدي على الأنوثة التي قابلت روح العسكرة بأهازيج وزغاريد تحيي صمود الطلاب بعد منتصف الليل ,فرد على تحية مئات الطالبات بالقنابل الخانقة المصوبة تجاه نوافذ عنابر العلم والثورة الحالمة من فم امرأة عربية لم تتعود الا على النواح والانكسار لتعابير الجسد الراكع أمام اغراءات الثروة والجاه.

 

صيحات تعالت من أفواه انثوية تطلب الاغاثةبعد أن سجلت عشرات حالات الاختناق داخل عنابر في عمارة شاهقة,وبعد استماتة في الدفاع عن شرف حرية التعبير داخل حصون الجامعة ,دوت صفارات انذار سيارات الاسعاف قادمة من مستشفيات المدينة لتلبي نداء الطالبات المختنقات ولكن الاسعاف هذه المرة حولت وجهته من قبل عناصر أمنية الى حيث وجهة أخرى قيل أنها كانت غير مدنية,حيث حاول البعض من رجال الدرك التعلل بوضع صحي لايحتمل المقاومة ومواصلة الهجوم من أجل الانسحاب أمام شراسة الطلاب في تمسكهم بالذود عن حمى الجامعة وحرمتها العلمية والثقافية والمدنية.

 

أيام منقوشة في الذاكرة مر عليها أكثر من عقد ونصف,ولكنها خلدت صمود الطلاب الذين أحيوا ربيع تونس الطامح الى رؤية القوى الشبابية تعيش قلب معركة الحرية والمأسسة ودولة القانون,واستمرت المواجهة الساخنة بين الطلاب وقوى الدرك المدججة بالغازات والقنابل المضيئة والصوتية الى غاية الصباح لينسحب الجهاز السلطوي على وقع حركة السكان في الأحياء المجاورة والذين عاشوا بدورهم ليلة مروعة ,عرفت على اثرها جامعة صفاقس واحدة من أسخن حركاتها الاحتجاجية عبر سنوات مابعد التغيير.

 

وبعد كل هذه السنوات الطوال التي مرت على ربيع الجامعة في سنة التسعين من القرن الماضي وأحداث أخرى تلتها لعلنا نعود اليها في حلقات أخرى,باتت البلاد تعيش حالة من السكينة مع انطلاق أكبر حملة اعتقالات وتهجير قسري عرفتها تونس منذ استقلالها ,وضعت حدا لحالة الغليان المدني الذي عاشته البلاد في أوائل التسعينات ,لتحدث بعد ذلك حالة من الصمت السياسي والاجتماعي غير المسبوق لم تتخلله الا الالاف من اضرابات الجوع داخل السجون والمعتقلات بل حتى خارجها ,وعشرات الالاف من البيانات والقصص التي تعدد ماسي ماحصل للمعتقلين وأبنائهم وعوائلهم مع محطات تفاعلت فيها الجماهير مع قضايا فلسطين والعراق أو ماأطلق البعض عليه تسمية قضايا الأمة.

 

غير أن حدثا فاجأ الجميع مع نهايات السنة الصارمة عندما احتضنت تونس القمة العالمية لمجتمع المعلومات,عندما انبرى مجموعة من القادة الوطنيين الى اعلان أشهر اضراب جوع جماعي في تاريخ البلاد منذ الاستقلال,فكان تاريخ 18 أكتوبر من سنة2005 مؤذنا بعودة الروح الى الجامعة كقلعة من قلاع النضال,لنسمع من جديد عن تحركات طلابية ضخمة لم تحركها أسعار ولاانتفاضة المسجد الأقصى وانما حركتها مبادئ حرية التعبير والتنظم والمطالبة بسن العفو التشريعي العام,فهل يكون هذا التاريخ مؤذنا بعودة الروح الى الجماهير والشارع من أجل فرض مطلب الاصلاح العام في بلد فقد أهله طعم خمسينية الاستقلال ؟

سؤال ستجيب عنه بلا شك حركة التاريخ والأيام,ولكن يبقى الأمل في أن تستبق السلطة الاجابة بالعودة الى مربعات الأزمة الأولى عبر تلبية مطالب النخبة التي جست في عمق طموحات شعب عانى كثيرا من أجل اكتمال حبات استقلاله الأول.

 

مرسل الكسيبي

كاتب واعلامي تونسي

24-03-2006

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com