|
23/03/2006
مرسل الكسيبي
ذكرياتي من المنفى الى المنفى
قبل عقد ونصف تقريبا من مسيرة وطن "الاستقلال"في ذكراه الخمسين ,عاشت تونس أحداثها الأليمة التي لن تمحوها الات الدعاية ولن تطويها ذكريات النسيان,وفي تلك الأيام التي تخللت أرض تونس الجميلة ووقعت تحت سمائها الصافية وشمسها التي لاتغيب عن أرضها الا أشهرا معدودات,كانت الأحداث التاريخية تتسارع نسقا من أجل أن ترسم فصلا مؤلما من فصول تاريخ تونس المعاصر.
أحداث بداية التسعينات من أواخر القرن العشرين ,لابد أن نرويها للأجيال التي تحمل رايات مستقبل البلاد ,كانت فصولا من مسرحية واقعية ذات عمق تراجيدي ,لابد أن نعود اليها كي نستلهم منها بعضا من الفصول التي مازالت تحكم خريف تونس بعد أن شهدت البلاد في ظل غياب قوى التدافع السنني حالة من العطالة والتقهقر في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والابداع.
ولكن من باطن محنة مازلت أحمل ذكرياتها المنقوشة في جهاز عقلي مليىء بالصور والحيثيات ,كان لزاما علي وقد تخلصت اليوم من قيود الحدث ولحظته التاريخية أن أكتب شيئا عن رحلة المنفى داخل الأوطان في انتظار أن أحدثكم يوما عن رحلة المنفى خارجه عندما يحصل الانطباع لدي بأنها لحظة تاريخية جديدة لابد من تسجيل مقاطعها الصوتية والمشهدية لمن أراد الاطلال على ذاكرة وطنية معاصرة تتدافع فيها مقاطع الألم بامال الفرج والاتساع.
دأبت في سنتي التسعين والواحد والتسعين من القرن الماضي على العودة مهموما الى البيت ,تتزاحمني صور الجامعة التونسية وقد بدأت تعرف طريقها الى العسكرة كما اصطلح على ذلك معظم الطلاب ,وكانت أولى مؤشرات ذلك حملة مداهمة فجرية طوقت كل مباني السكن الطلابي بالأحياء الجامعية بعاصمة الجنوب.
كنت يومها أترشف قهوة الصباح وأتأدم بما كتب الله لي من لقيمات,وفي ساعة مبكرة من صباح ذلك اليوم الأغر الذي تخلل تاريخ تونس المستقلة ,دق الباب في لحظة صباحية جد مبكرة ليعود صديق لي في عجل من أمره ليعلمني بأن حدثا غير عادي يحيط بجامعة صفاقس. قال محدثي :انتشار أمني غير مسبوق وقوات مدججة بالسلاح تطوق في كثافة رهيبة كل المباني الجامعية... حذرني محدثي من الذهاب كالمعتاد الى كلية الحقوق أو تعتب أي جزء جامعي مجاور ,ولكنها روح المغامرة في أيام أوج الشباب ,ألقت بي في سرقة من صاحبي الذي غادر البيت الى أحضان الشارع ,ولقيت الأرجل تسوقني بروح حب الاطلاع الى خلفية حي سكني مجاور. بدأت أسترق النظر متطلعا الى معرفة تفاصيل الحدث ,واذا بالبصر يقع على سيارات" الباقة" كما يحلو لبني وطني تسميتها,والتفت على طول ملامح الجدار المذعور الذي يسيج كلية العلوم الاقتصادية وكلية الحقوق ومايتوسطهما مع المبيتات الجامعية المجاورة لأشهد محفل الأمن يجلل محيط الحرم الجامعي على مسيرة كيلومترات. أيقنت صدق كلام محدثي الذي لم أعهد عنه الكذب قط ,ولكنها أنفة الشباب أرادت أن تستجلي تفاصيل حقيقة المشهد لأننا على أيام الجامعة كنا نرى البطولة في الوقوف شجاعة أمام قوات الدرك العاتية والتي تحمل في تونس اسم النظام العام.
لم تفلح على مايبدو فيما خلى تلكم الأيام قوات النظام العام في تأديب الاف الطلاب المحتجين على طرد زملاء لهم بكلية الطب بالمدينة,ولذلك انتشرت على مدار ليال عدة قوات الحرس الوطني وفرق التدخل السريع وقوات الشرطة بل حتى البعض من عربات حراس السجون في احدى الليالي عندما أعلن عن غرق الكثيرين على اثر فياضانات عرفتها بعض مدن الجنوب ,اتهمت السلطة على اثرها بالتقصير في انقاذ ضحايا السيول الجارفة.
أيقضتني من بهتتي بعد رؤية تلك القوات التي لاطاقة للطلاب العزل بها,صيحة فزع وذعر في تلكم الصبيحة من قبل بعض الزملاء وهم يركضون بأقدام فقدت أحذيتها ووقار رواد الجامعات ,وتلمحت مشاهد سراويل ممزقة وأرجل جريحة وأيادي مخبوشة ,وأنفس بشرية لاهثة,ليصيح أحد طلاب كلية العلوم الاقتصادية :أرجوك ,أرجوك ,أرجوك ساعدنا على التخفي في احدى الأزقة والحارات فاحدى العربات المحملة برجال الدرك تلاحقننا منذ دقائق ولقد أفلتنا مع بعض الطلاب من درك حصار لم نشهده قط في تاريخ الجامعة تحركت في رموز الكرامة والعزة والنخوة وشعرت أن واجبا وطنيا لابد أن يسند هؤلاء المساكين,فأشرت الى أحد الأزقة الضيقة الذى لاتدخله العربات الضخمة ,وأسرع رواد العلم الى زقاق امن لاينتمي اليه أولاد حارتنا وطافت العربة الضخمة ذات اليمين وذات الشمال وطافت من ورائها عربات وعربات ,وكتبت لزملاء سنوات الجمر النجاة.
تابعت في لهث أخبار بقية الطلاب,فعلمت بأن العشرات منهم قد اعتقلوا بعد أن دوهمت المبيتات في ساعة مبكرة من صباح ذلكم اليوم الأغر الذي طلع على استقلال تونس بعد حوالي أربعة عقود مليئة بالقصص الدرامية والأحداث.
لقد عبءتهم عربات وعربات وعربات لتوزعهم على مراكز ومراكز ومراكز ... ولم تنته رحلة بعضهم عند جزيرة زمبرة المعزولة التي نفي لها سابقا الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة,أو جالطة المخصصة للعساكر كما روى البعض,ولكن رحلة التجنيد القسري قادت بعضهم الى باطن الصحراء حيث رجيم معتوق التى لاتشق ترابها الا العربات ذات الدفع الرباعي.
وكانت رحلة الانتقام ,لاتعليم مبادئ الانضباط والتربية العسكرية الشريفة ,وهناك تعلم الطلاب وضع البطة ووضع البرميل والتمرغ في الأوحال والفضلات البشرية كماروى ذلك شاهد عيان ,وهناك تحدث قادة من العساكر عن بطولات في قمع التحركات الجماهيرية التس شهدتها تونس في سنة 1978 وسنة1984 وتحدث البعض الاخر عن قدرات لايستهان بها تتمتع بها مؤسسة الجيش الوطني.
ومن رجيم معتوق حملت الأخبار في تلكم السنة الكبيسة على الطلاب خبر وفاة واستشهاد شاب تونسي أخطأته قوائم الوشاية الحزبية الرسمية داخل الحرم الجامعي,فانتهت به الرحلة بعدما لقيه من ويلات التجنيد الاجباري الى خارج الثكنة حيث حدثته نفسه بالفرار من جحيم ذاك المعتقل الجماعي الذي حمل اسم التجنيد الاجباري ,كانت رحلة تيهه داخل الصحراء . ولقد روى أحد الشهود العيان بأن الطوافات والحوامات راحت تبحث عنه بين الرمال المتحركة أو العروق الرملية ,لتعثر بعد أيام على بقايا جثته الهامدة بعد أن تناقل الطلاب خبر اكل جثته من قبل الذئاب.
كان هذا فصلا من فصول رحلة المنفى داخل الأوطان لخصناها بعبارات الألم والشوق والأمل,ولكن فصولا أخرى مازالت تنتظر طريقها الى النور عسى أن تعرف الأجيال الشاهدة بأن مأساة وقعت في أرض الخضراء وأنه ان أوان وضع حد لتداعياتها المخجلة في ذكرى مرور خمسين سنة على استقلال تونس
مرسل الكسيبي كاتب واعلامي تونسي 23-03-2006
|