|
15/03/2006
تونس وليبيا وقضايا الاصلاح
مرسل الكسيبي
وضعت الأحداث في كل من تونس وليبيا على مدار الأشهر الأخيرة البلدين تحت عدسة الأضواء الاعلامية العالمية ,فلقد شكلت القمة العالمية لمجتمع المعلومات في شهر أكتوبر المنصرم من سنة2005 فرصة ذهبية للمعارضة التونسية من أجل تسليط الأضواء على الأوضاع الداخلية بدل اتاحة الفرصة للسلطة كي تسوق نفسها خارجيا في أضخم قمة دولية أشرفت عليها الأمم المتحدة.أما عن ليبيا فقد كانت أحداث السابع عشر من فبراير 2006 بمدينة بنغازي وضواحيها الجغرافية فرصة لاتقل شأنا عن مثيلتها التونسية ,أتاحت من خلالها وسائل الاعلام الدولي المجال واسعا أمام المعارضة الليبية من أجل تسليط الأضواء على مكامن الخلل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتشريعي في بلد عمر المختار.
هفت بريق حركة18 من أكتوبر في تونس ولكن بريق مطالب الاصلاح والاصلاحيين لم يخفت بعد,اذ جاء الافراج عن دفعة جديدة من مساجين الرأي ومعتقلي حزب النهضة في الأسابيع الأخيرة ليعيد بعضا من الأمل للأنفس الباحثة عن مخرج الخلاص في نهايات النفق السياسي المظلم,تعددت القراءات في تأويل بواعث هذه الخطوة التونسية ولكنها لم تتعدد في اعتبارها خطوة مترددة وايجابية في الطريق الصحيح نحو مسار الاصلاح العام.
أما عن ليبيا فقد كانت انتفاضة السابع عشر من فبراير كما تحب المعارضة تسميتها داعيا ملحا من أجل معاودة النظر في السياسات الداخلية التي اتسمت بالانغلاق العام والتقهقر الاجتماعي الذي انعكس على المستوى المعيشي المتدني لكثير من المواطنين.
وكما هو معلوم أن للسلطة في ليبيا أجنحة عدة,ولعل أهمها واحد يعلق عليه الكثير من المراقبين مصير الاصلاح.التيار الليبيرالي الاصلاحي بزعامة سيف الاسلام رئيس منظمة القذافي للتنمية بات يشكل حقيقة زاحفة في هدوء نحو معالجة الأوضاع المستشكلة بالبلاد ,وهو مايبدو واضحا في جملة من تصريحاته الاعلامية والرسمية نذكر من بينها ماأدلى به من رؤى وتصورات هامة في قمة دافوس بسويسرا وكذلكم مبادرته المعلنة بتاريخ عشرين أغسطس من سنة 2005 .
تحدث سيف الاسلام في هذه المبادرة بلسان المواطن الليبي معتبرا أن مطلب الاصلاح لم يعد مطلب فرد أو جماعة وانما قد غدى مطلب الشارع الليبي , ولقد جاء الافراج الأخير عن مجموعة من سجناء الاخوان المسلمين الليبيين معززا لمصداقية وأسهم الرجل بعد ان بدى واضحا أن البعض من مراكز النفوذ حاولت على مدار عام ونصف تقريبا عرقلة مثل هذا القرار الانفراجي.
وبالعودة الى اخر حدث عرفته ليبيا وهو التحوير الذي مس أعلى الهرم الوزاري ,بعيد استبدال رئيس الوزراء فان كل الدلائل والتصريحات اتجهت للحديث عن أن نهج الانفتاح والليبرالية الاقتصادية سوف لن يلحقه المس وهو مافسر على أنه رسالة تطمينية لكل الأوساط الغربية علاوة على أنه انتصار لتيار الاصلاح في هذا القطر العربي.
تبقى هناك بين هذين الخبرين الايجابيين أسئلة كثيرة عن مدى قوة هذا التيار الاصلاحي المدعوم بلاشك داخليا وخارجيا من أجل تعديل أوضاع المنطقة المغاربية على عقارب بوصلة الاصلاح وخاصة بعد أن بدى واضحا من خلال أحداث مدينة بنغازي أن هناك أطرافا محافظة تحاول عرقلة مسيرة سيف الاسلام والنخبة الليبية الجديدة وذلك بتوسيع دائرة الاعتقالات العشوائية لتشمل العشرات وربما المئات على حد رواية بعض المصادر التي لم نتأكد من مصداقية ماتتناقله من أخبار.
غير أن المؤكد برغم هذه العقبات هو أن مصلحة المعارضة الليبية تكمن في الالتفاف حول مشروع سيف الاسلام وذلك من اجل اضعاف نفوذ التيار المناوئ والذي يبدو أنه مازال متحكما ببعض من موارد وأجهزة الدولة ولعله يقف بلا شك وراء اسالة دماء العشرات من دماء أبناء مدينة البيان الأول.
وعودة الى تونس فان أداء المعارضة التونسية يبدو نمطيا الى حد كبير في الفترة الأخيرة وهو ماشجع السلطة على التماسك في شكل فريق واحد معارض لكل خطوات الانفتاح لولا ماأقدمت عليه في مناسبتين أخيرتين من اطلاق دفعتين من مساجين الرأي. ولعلها فرصة جميلة للخوض في هذا الأداء الذي بدى وكأنه يعزف قطعة موسيقية واحدة ,مما أشعر السلطة بكثير من المخاوف دفعتها الى تصريح أخير وقلق ورد على لسان الوزير السابق السيد عبد العزيز بن ضياء.
واذا كنا بلاشك نتفهم مارفعته المعارضة من مطالب مشروعة في حركة الجوع ولا الخضوع التي تطورت الى مشروع هيئة الحقوق والحريات ,الا أنه ينبغي علينا الانتباه الى أن هناك أجنحة داخل السلطة باتت قلقة من التمادي في المسار الأمني عند معالجة القضايا الداخلية للبلاد وذلك على ضوء ماتدركه جيدا من مخاطر عدم الانصياع الى مطالب الاصلاح الخارجية والداخلية.
ومما يعظم في أذهان بعض القائمين على الأمر هو حرص واشنطن على معالجة القضايا الداخلية بالمنطقة بناء على قواعد جديدة تقتضيها المرحلة ليس فقط في تونس وانما في كامل بلاد الجوار العربي,اذ أن رغبة واشنطن باتت واضحة في التخفيف من حالات الاحتقان الداخلي من أجل ضمان سيلان هادئ للمصالح والتحالفات القائمة, وبلا شك فان هذا المعطى جعل الكثير من الأطراف داخل الحكم في تونس تشعر بأن المرحلة لم تعد مرحلة التسعينات ,وبأن الزمن يقتضي التعاطي بجرأة أكبر مع ملف الحريات,وهو ماجعل الأطراف المحافظة فيها تقدم على خطوات الافراج تحت وقع يوحي بضغط بعيد عن المناسبات الوطنية المعتادة.
أما عن المعارضة بمختلف تلويناتها فهي لازالت الى حد هذه الساعة مقصرة كل التقصير في فهم طبيعة الخارطة الحاكمة بالبلاد ,ولازالت تبني كل معطياتها على أن ثمة طرفا وشخصا واحدا حاكما فيها,مما جعل الأفق الحالي يفتقد الى مبادرات تتعاطى بديناميكية مع خطوات الافراج عن البعض من دفعات المعتقلين السياسيين ,ولعل انجرار بعضها وراء خطاب الكل أو لاشيء جعل السلطة تمعن في مقايضة الاعتقال السياسي بمسائل الاستحقاق الانتخابي.
تبقى هناك بارقة أمل في أن تستعيد الساحة الداخلية بعضا من عافيتها على وقع اعادة الاعتبار للعمل الوطني داخل البلاد على حساب بقاء الأمر مرهونا بتجاذبات الخارج,ولعل وجود قيادات وطنية فاعلة تزاوج بين الضغط المحسوب والذكي في مقابل ترك الباب مفتوحا أما م عملية الحوار الوطني الداخلي بما لايستبعد اجراء حوار فاعل وجاد مع السلطة ,من شانه أن يعطي للمرحلة القادمة مذاقا سياسيا خاصا في ظل رغبة المعارضة والشارع في الاصلاح وشعور قلق للسلطة بالضريبة الغالية الممكن دفعها في ظل تداخل الوضع الداخلي بالوضع الدولي ومخاطر التلكئ في الاستجابة الى هذا المطلب الوطني الملح.
مرسل الكسيبي كاتب واعلامي تونسي 14-02-1427
|