26/03/2006


عبدالنبي ابوسيف ياسين

 

هـدرزة..  مع الأخ العقيد(2)

 

بالطبع لا.. يا حضرة العقيد.. فالحريـّة التى يتمتّع بها غيرنا فى هذا العصر.. لم نذق لها طعم، منذ أوّل السبعينيّات.. لا من قريب، ولا من بعيد..  

 

بل على العكس!.. لقد فقدنا ما كنّا نتمتّع به من هوامش معقولة – ومحترمة فى تلك الحقبة من الزمان – من مساحات مُعتبرة من الحريات فى بلادنا، وكان ذلك أبّان العهد الملكى.. ذلك العهد المتواضع جداً فى إمكانياته.. ولكنه، كان العهد الوطنى، والعقلانى، المخلص لوطنه ولشعبه.. كما أثبتته لنا، ولك الأيام.

 

عهد، كانت هناك فيه، نقابات وإتحادات مهنية وطلابية حرّة.. وجمعيات ومنظمات ثقافية واجتماعية أهلية.. تحترمها الدولة.. حتى وإن كانت.. تعمل لبعض منها.. ألف حساب وحساب..

 

بينما فى عهد (ثورة الفاتح) أو عهد سلطة الشعب الذى! – وكلاهما عندنا سواء! – نجد أنّ الدولة!.. هى التى تنشئ هذه المؤسسات المدنيّة والأهلية، لحساب، ومن خزينة الدولة.. و من كوادرموظفيها.. ولتكون هى بالتالى مؤسسات دولة.. لا علاقة لها.. بمؤسسات وتنظيمات وروابط المجتمع المدنى المعاصر..

لا من قريب، ولا من بعيد، أيضاً!..

 

فى هكذا عهد ، كانت لدينا، صحف ومؤسسات إعلامية، أهليّة.. تنمو وتبدع وتترعرع عاماً بعد عام، وسط ذلك الهامش المعقول والمتاح أكثر منه دستورياً.. من حرّية للرأي.. وحريّة للفكر.. وحريّة للنشر.. لقد كانت الصحافة الليبية بحقّ،.. هى أعيّن الناس، اليقظة، المسئولة.. على مصالح الوطن، ومصالح أهل الوطن، من عبث المتطفّلين والعابثين والمفسدين.

 

ثمّ، كان للشعب برلمان، ينتخب له نوّابه.. وفى بعض الأحيان يختار، له نوّاباً لا يرتاح لهم الملك.. وممن تمقتهم الحكومة.. ومع ذلك، كانوا يترشّحون وينجحون.. ويسببّون كثيراً من المسائلة والإحراج للحكومة وحتىّّ إلى إسقاطها من الحكم .. كانت ليبيا وقتها.. سبّاقة، وتمارس ديمقراطية.. لم تعرفها  العديد من شعوب العالم.. حتّى فى وسط وشرق أوروبا إلاّ مؤخراً!..

 

صحيح، كانت ليبيا (وقتها).. تمارس الدروس التطبيقية الأولى للديمقراطية الدستورية.. ولكن، بتقدّم حثيث من فترة لفترة إنتخابية بعدها.. فى زمن لم تأخذ دول الشرق وشمال إفريقيا ( وجلّها إلى يومنا هذا ).. حتّى درسها الأوّل الإبتدائى للديمقراطية.. رغم مضي قرابة ستة عقود من تجربة المملكة الليبية النموذجية؟

 

على العموم، أخى العقيد..

 

لعلّك تعلم كلّ هذا وتعلم أكثر منه.. غير أنّ ما أردت الوصول إليه، من خلال هذه الهدرزة.. هوالإتفاق.. على كونك أنت الحاكم الفعلى والوحيد.. منذ بداية السبعينات وحتى يومنا هذا.. وحتّى أكون أكثر دقّة ووضوحا.. منذ خطابك فى مدينة ازواره.. الذى لم يلغى ويعطّل ويجمّد القوانين فحسب.. بل كان أيضاً..  إنقلاب عهد على عهد.. لكيّ يحيا الثانى.. على حساب ومجهود الأول!

 

فخطاب زوارة.. كان لك هو الأساس للحكم القذافى.. حسب رأيّ المتواضع، لقد كان الأولى بك أن تسمّى مدينة "ازواره" * بمدينة (الشرارة الأولى) و(مدينة البيان الأوّل) معاً.. لأن ما حدث.. بعد ازوارة.. كان بمثابة ثورة  "القذافى".. على ثورة "الفاتح".. حتى وإن كنت.. أنت قائداً للثورتين!..

 

لقد خلّصك (خطابك بـ) ازواره.. من الدستور وإلى غير رجعة.. ومن كافّة القوانين، ومن التشريعات المُعيقات.. كما خلّصك.. من أجنّدات تنظيم (الضباط الوحدويون الأحرار) – والتى ربما أنت من حرّرها أساساً! - .. والتى كانت تنادى - بوعود – لتحقيق مزيد من الحريات للشعب الليبي.. ومزيداً من الديمقراطية والرفاهية.. ولكيّ تكون ليبيا،  وطن بلا مظلوم ولا مغبون.. ولا، ولا،..... وبقيّة القصّة!..

 

الآن وليس بغريب.. نجد أن من يساعدك فى حكمك (المطلق) لليبيا، هم من أفراد أسرتك ومن أفراد عشيرتك.. وبصورة  أردتها - مؤخراً - وبلا تستّر – تبقى مكشوفة وواضحة للعيان لكلّ الناس فى كلّ مكان.

وعليه، لقد أصبحت أسرتكم، مثلها مثل أيّة أسرة حاكمة أخرى، فى شرقنا هذا (غير) السعيد .. سواءاً كانت تلك العائلة، ملكية أو سلطانية أو أميرية أو مجرّد مشيّخة.. أو حتى جمهورية – علوية – وراثية!

 

لم يعد هناك فرق.. بين أسركم الحاكمة.. إلاّ فى بعض التسميات.. وفى بروتوكولات الخيام أو القصور.. رغم أن تكاليفها ومصاريفها واحدة.. وباهضة إلى أقصى حدّ.. حسب تقديراتى.. فلا فرق بينكم إلاّ فى الأداء والإنجاز بين هذه الإمارة وتلك.. أو بازدهار رعيّة هذه.. أو بتعاسة رعيّة الأخرى!.. وخذ أمثلة عن تلك الإنجازات، خاصّة الجيّدة منها،  بين إمارات الخليج .. فكأنها تتحدّث عن نفسها بنفسها؟.. بل، وتتقاتل وديّاً فيما بينها ، بالجودة، وبالريادة، وعلى مستواً عالمى عال لا يظاهى!..

 

غير أنّنا.. يا حضرة العقيد، وعلى خلاف، أيّ ملك/ سلطان/ أمير/ شيخ/ أو رئيس قائد.. نجدك أنت الحاكم الوحيد.. فى عالمنا المعاصر هذا.. الذى لا يتحمّل أيّة مسئولية؟!.. عن أي أمر من الأمور، مهما كبر هذا الأمر أو صغر!....فيما عدا الأمور الإيجابية والحسنة.. التى تستحق الثناء والمديح.. والذى تنالوه دائماً.. وبسخاء مبالغ فيه..

 

أمّا أنّ يكون هناك.. ثمّة قصور.. أو معضلة.. أو أزمة ما!.. تتعلّق بحياتنا وبمعاناتنا. أو بتفهفرنا وتخلفنا..

فلا.. لا علاقة لكم – رسمياً وإعلامياً – بهكذا شدائد وأزامات، بالمرّة.. هنا يصبح دوركم.. دور قائد ثورة فقط.. توّجه، وتلوم، وتنصح، وتعاتب، وتغضب كما تشاء.. ونحن – الشعب الليبي –  سبب البلاء.. وربما البلاء نفسه.. لأننا، وبكل تأكيد، لم نتّبع إرشاداتك! أو، لم نُطبّق مقولة من مقولاتك!.. أو، لم نرقى بعد، لأطروحاتك!....،،  وهلمّ جراً، على هذا المنوال.. وعلى مدى ثلاثة عقود ويزيد ، يا حضرة العقيد؟!

 

بينما أنت فى الواقع.. وكما سبق وأن أوّضحته لك فى الجزء الأوّل من هذه الهدرزة.. تظلّ أنت الرجل القوي الوحيد.. والحاكم فى بلادنا.. بل، وعميد كلّ الحكّام العرب، كما رددتها بعضمة لسانك فى أكثر من مرّة ومناسبة.. وبهذه المناسبة، أيضاً.. أقول لك التالى.. وبدون لف أو دوران.. وأُجزّء خاتمة هدرزتى هذه،

إلى مقترحين إثنين:

  • الأوّل:  أنّه، آن لك الأوان، وبخلاف أىّ وقت مضى، أن تقرّ بذلك علناً.. لكيّ تستمرّ لتحكمنا، كما أنت تحكمنا الآن.. ولكن بمسئولية تامّة، هذه المرّة.. تخضع فيها للمسائلة وللحساب، كأيّ حاكم مثلك، يملك كافة أدوات الحكم بين يديه.. وفى ظلّ دستور وقوانين عادلة.. وفى وجود برلمان من مائة ونيف فقط – من فضلك! - من نواب الشعب.. الذين يختارهم عبر الإنتخاب الحرّ، وعبر صناديق الإقتراع النزيه.. وضمن إطار دولة، لها سلطاتها الثلاث المستقلة.. ولها منظمات مجتمعها المدنى الأهليّة بأطيافها.. بما ذلك الصحافة والإعلام الأهليين المستقلين..

وعندها فقط، أعتقد وبثقة تامّة.. سنجدك ستختار الشخص المناسب الكفؤ (وفقط) فى مكانه المناسب.. فلن يكون هناك مكان، لطحالب تسترزق من قوت هذا الشعب.. ولا لطفيليات متسلّقة ومتملقة نفاقاً ودجلا ً وهتافا!

وسنجدك ستحاسب كل من أهدر ثروة بلادنا أو أهملها أو اختلسها.. طيلة العقود الماضية.. وكل من زهق أرواح مواطنينا ظلماً وعدوانا.. وكلّ من تسبب فى إذلال وتخويف الناس..

 

أو تسبب فى سجنهم أو فى قهرهم، دون شرع أو قانون.. وكلّ من استولى ونصب على أرزاقهم وممتلكاتهم وحقوقهم المدنية والإقتصادي والسياسية.. التى حرموا من ممارستها فى غياب العدالة.. وفى ظل قوانين اسثنائية.. انتهكت كافة القوانين والمواثيق والتشريعات العادلة.. كقانون الشرعية الثورية!.. وكقانون حماية الثورة!.. وكقانون الشرف!.. وما شابهها من قوانين وقرارات أحاديّة، تعسفية أخرى..

 

وأنا على ثقة أيضاً.. بأنك، وعندما تكون هذه المسئولية فوق كتفيك وحدك.. ستكون أنت، أوّل من يُنهى فوضى هذه " السلطة الشعبية".. التى قسمت ظهر هذا الوطن وأوصلته لهذا الدرك.. هذه الفوضى – الغير شعبية - التى قلبت حياة وسعادة كلّ فردٍ فينا.. رأساً على عقب.. ووئدت كلّ آمال وطموحات وتطلّعات شعبنا.. فى اللحاق بالشعوب التى حباها الله بحكم رشيد، وبالرفاهية والإزدهار والإستقرار.. وأضاعت عليه – هذه السلطة التى لا وجود لها إلاّ فى الخطب ووسائل الإعلام الحكومى – الحصول ذلك (الحكم العادل والحكيم والرشيد).. الذى سيوازى – على أسوء تقدير- ذلك الحكم الذى يتمتّع به أهل الإمارات.. أهل زايد الخير، رحمه الله.. وزاده من فضله ونعمه.

 

أوّ..

  • مقترحى الثانى وهو: إن لم تكن لديك - فعلاً - رغبة فى الإستمرار فى الحكم.. وهو ما رددته أيضاً فى أكثر من مناسبة.. وتريد أن تتفرّغ لمهام فلسفية وإقليمية وأممية أخرى.. أفلا ترى؟.. أن الطريق الأسهل والأقصر والأسلم للجميع.. هو أن تعتق هذا الشعب وتقف جانباً.. لتترك له الحرية والقرار الفعلى.. ليختار مساره ويقرّر مصيره دون وصاية أحد؟.. ليرسم المستقبل الذى يريد لوطنه.. ولمستقبل أجياله القادمة.. بنفسه.. ولأوّل مرّة، منذ آلاف السنين.

وختاماً.. أيّها الأخ العقيد.. لا أدرى إن كانت هدرزتى معك هذه - إن اطلعت عليها بالطبع؟ - ستأتى بثمار إيجابية من جانبك.. لكيّ، تتصالح مع شعبك.. وتُصلح، وتُصحّح مسارك.. لما فيه خير الجميع وخيرك.. ولما فيه استقرار، وازدهار، ورقيّ، وطننا ليبيا الحبيب؟.. أمّ، أن تصبح هذه الهدرزة المتواضعة.. كآلاف وطنيّة مخلصة مثلها، مجرّد " صفير..... ".. كما وصفها أحد الإخوان.. فإنّ لم تتغير أنت.. ولم تُغيّر أنت، من حال وطنك.. وتُبقى الأمورعلى هكذا حال ومنوال..

 

عندها.. لا تتعجّب، ولا تسّتغرب.. لما ستأتى به الأقدار.. إذ عندما، تنشد الشعوب الحرية، وعندما تطلب الشعوب بالحياة، فلا بدّ أن يستجيب لها القدر.. هكذا، يعلّمنا التاريخ عاماً بعد عام.. وتجربة بعد تجربة.. وهذا ما عاصرناه فى البرتغال واليونان.. ومروراً بالفلبين وتشيلى  ورومانيا وصربيا.. إلى أوكرانيا مؤخراً.. فلا بد للحقّ أن ينتصر..

 

ودمتم بعافية.

 

عاشـت ليـبـيا.. وعاش شـعبها الأبيّ 

 

عبدالنبى أبوسـيف ياسـين

Abuseif@maktoob.info

 


  • وتبقى مدينة ازواره .. رغم ذلك، ورغم التسميات.. من المدن الليبية.. الأكثر حرماناً من ثروة وطنها.. سواءاً فى الماضى أو فى الحاضر.

  • أعتذر عن تصرفى فى أبيات الشاعر الخالد.. أبوالقاسم الشابى.

  • هذه المفالة تمّ تصحيحها ومراجعتها على خلاف ما نشرت فى "ليبيا وطننا " صباح اليوم.. مع الأسف


أرشيف مقالات الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com