23/06/2007

      

 
نعم .. طرابلسية ولكم الفخر!
- حديث اخوي صريح -
 
بقلم: سليم نصر الرقعي

 
لقد قرأت مقالة الأخ الليبي الطرابلسي ( مصطفى على ) في موقع ليبيا المستقبل بعنوان ( نعم اطرابلسية ولنا الفخر ) وقد بدت لي صورته المرفقة بالمقالة بلباسه الليبي الطرابلسي الأصيل – طرابلس العاصمة – بشكل يبين مدى إعتزازه بالفعل بتراث وثقافة وعراقة مدينته ... كما سرني أن أرى غيرته وحميته من أجل أهله وبني محلته في طرابلس – سواء طرابلس المدينة أم طرابلس بمعنى المنطقة الغربية من ليبيا - فالحر هو من يغار على الحمى ويعتبر أي مساس ببني جلدته أو بني بلدته او بني عقيدته هو مساس بذاته وكرامته وهذا النوع من ( الغيرة ) إنما يعكس المحبة الفطرية والطبيعية التي يكنها كل منا لأهله واهل منطقته وسكان بلدته ولا يمكن إعتبارها من علامات النقص او العيب او الجهوية المقيتة التي تطعن في ولاء الشخص لدولته وأمته الوطنية التي ينتمي اليها .. فهي – أي هذه المحبة وهذه الغيرة وهذه الحمية - ناتجة عن شعور فطري طبيعي بالإرتباط بهذه البلدة او هذه المنطقة او هذه المدينة التي ترعرع فيها المرء أو تنتسب اليها عائلته أو قبيلته وبالتالي لا يسعنا الا فهم وتفهم مثل هذه المشاعر الخاصة وتقديرها واحترامها وعدم إعتبارها لونا من الوان الجهوية والعنصرية المرفوضة والذميمة فلكل منطقة في ليبيا ولكل مدينة ليبية طابعها الخاص وتاريخها الخاص وهويتها بل وشخصيتها الخاصة في إطار الهوية الليبية الواحدة والعامة .. هذه الهوية الواحدة والمشتركة التي تعبر عن الجزء الثابت والمشترك بين كل الليبيين ! .. كما أن الأخ الليبي ( مصطفى ) الطرابلسي ابدا فخره وإعتزازه بالإنتماء الى طرابلس الغرب – طرابلس الكبرى أي الإقليم - وبأمجادها وتاريخها المشرف وذكر معركة ( الهاني ) المجيدة وتطرق الى ( مشروع الجمهورية الطرابلسية ) العظيم والمشرف فقال :
 
[كان للجمهورية الطرابلسية أحسن الأثر في نفوس الشعب الطرابلسي، ونشاط سرى في جميع مرافق الحياة وأحس الناس بتطور غريب في حياتهم السياسية اعتقدوا أن مصدره هذه الجمهورية التي رأوا فيها فتحا مبينا وثمرة من ثمرات جهادهم الموفق. ولم يكن سكان المدن في طرابلس أقل فرحا بهذه الجمهورية من إخوانهم المجاهدين، فقد كان شعور الطرابلسيين متجها إلى ناحية واحدة هي التغلب على الطليان، وكانت الجمهورية مثالا بارزا في التعبير عن هذا المعنى، فكانت في محل الإجلال والتعظيم من نفس كل طرابلسي.] إهـ

ولاشك أنني أيضا – وبإعتباري ليبيا ً من سكان برقة ( شرق ليبيا ) – أعتز وأفتخر بمثل هذا المشروع المجيد الذي أقامه الاباء والاجداد في غرب البلاد .. فهذا المشروع وإن كان يثير الشعور بالفخر والإعتزاز لدى إخواننا الليبيين من الطرابلسيين – طرابلس الكبرى – بوجه خاص فإنه بلا شك يثير الفخر والإعتزاز أيضا ً لدى كل الليبيين الوطنيين بشكل عام .. وليس في هذا الكلام الذي كتبه أخونا الطرابلسي شئ من الجهوية العنصرية المقيتة التي نرفضها ونحذر منها ونعتبرها أمرا ً سيئا ً ومضرا بوحدتنا الوطنية .... وأنا أفرق بين نوعين من الجهوية والإقليمية .. الأولى : جهوية طبيعية وفطرية ويمكن القبول بها ولا يمكن إعتبارها جهوية مقيتة بل هي تعني إلتصاق الشخص عاطفيا ًبشكل أكبر بمنطقته وبلدته وبأهلها وبهمومها وبأمجادها أكثر من غيرها من المناطق والمدن الأخرى من الوطن – فهي بالتالي نوع من الوطنية في صورتها المصغرة ! – ولكن دون أن يترتب عن هذه العاطفة الجهوية والغيرة الفطرية إقصاء للأخرين وللمناطق الآخرى أو الشعور بالكراهية والعداوة أو إستصغارهم والنقليل من شأنهم وشأن تاريخهم وولائهم للوطن او السخرية من بعض خصوصياتهم كالسخرية والإستهزاء من طريقة ملبسهم او لهجتهم ولكنتهم او من بعض عاداتهم وتقاليدهم الخاصة وتعييرهم بها .... إلخ فكل هذه التصرفات العدائية وما في حكمها - وهي تصرفات مرفوضة وطنيا ودينيا واخلاقيا وحضاريا - إنما تعكس في الحقيقة أن ( العاطفة الجهوية الفطرية ) لدى هذا الشخص او ذاك قد تعدت حدها المشروع والمقبول وأصبحت جهوية مقيتة وهي النوع الثاني من الجهوية وهي موجهة ضد الآخرين وضد اللحمة الوطنية والإجتماعية الواحدة للمجتمع الوطني ! .. ومن ثم على جميع الوطنيين الوقوف في وجهها ومحاربتها ! .. كذلك الحال عندما نجد ليبيا ً برقاويا من شرق البلاد مثلا ً يهتم بشكل أكبر وخاص بهموم منطقته وببني بلدته وبتاريخهم الخاص ويحاول أن يبرز مشكلاتهم او أمجادهم والنقاط المضيئة في تاريخهم وقد يبالغ أحيانا ً في تمجيد الذات او يطالب بما يعتقد أنه من حقوق المنطقة وأهلها العادلة ودون أن يكون في هذا التصرف مساس بتاريخ وكرامة وحقوق أهالي المناطق والمدن الأخرى او يكون على حساب الوحدة الوطنية والهوية الوطنية العامة للمجتمع الوطني ... كل هذا – من وجهة نظري كوطني اتحادي ديموقراطي يؤمن بالتنوع والتعدد – يمكن أن يكون مقبولا ومعقولا ً ومسموحا به بل وقد يكون مفيدا للأمة ككل والبلد ككل لأن أهل كل منطقة هم أصحابها وبالتالي هم أدرى بشعابها ! .. فلابأس من أن يعبر كل مواطن عن حبه لمدينته او منطقته بشكل خاص بإعتبارها هي أساس حب الوطن ككل بل ومن المفيد أن ينشط كل منهم في منطقته لخدمة اهلها وإظهار تاريخها الخاص وتركيبتها الديموغرافية ... إلخ ولكن نعيد ونكرر أن إفتخار المرء بمنطقته ومدينته وتاريخها الخاص ودفاعه عنها يجب أن لا يتعدى حدود المعقول والمقبول وطنيا ً ودينيا ً لأن كل ما زاد عن الحد قد ينقلب الى الضد ! .. ومن ثم فنحن ضد وصف أي مدينة ليبية أو اهلها او أية قبيلة ليبية – بما فيها مدينة سرت الليبية وقبيلة القذاذفة – بأي شئ مسيئ لها ولهم فهذا يسيئ في الحقيقة لكل الليبيين وكل ليبيا ! .... فكثيرا – وبسبب المحنة التي نعيش فيها في ظل حكم القذافي – يعتقد بعض الليبيين وخصوصا من شرق البلاد ( برقة ) بأن القذافي جهويا متعصبا للغرب ! .. وهناك بعض الليبيين الآخرين من سائر الأنحاء يعتقدون ان القذافي قبليا عشائريا متعصبا لقبيلته ( القذاذفة ) ولمدينته ( سرت ) وفي الحقيقة – ومن وجهة نظري على الأقل – أخالف هذا التوصيف كليا ً فإن القذافي ليس جهويا ولا قبليا ً بالمعنى الصحيح للكلمة ولا ينطلق في سياساته العدوانية ضد بعض المدن الليبية وأهلها وطريقة إدارة البلد بمنطلقات جهوية وقبلية صرفة كما قد يظن بعضنا أو حتى أكثرنا ! .. فالقذافي في حقيقته حاكم أناني فردي نرجسي لا ولاء له في قلبه الا لذاته وطموحاته الشخصية في المجد والسلطان! .. فهو يطمح الى مجده الشخصي الموهوم ولو على حساب الآخرين بل ولو على ظهر قبيلته وسكان مدينته بل ولو على حساب كل الليبيين ! .. وهو يتعامل مع مؤسسة القبيلة أو مع التصنيف الجهوي والمشاعر الجهوية كأداة للسيطرة أو كورقة في لعبته السياسية الخبيثة بغرض إحكام قبضته على الليبيين جميعا ً من خلال مبدأ ( فرق تسد ) ! .. وبالتالي وفي الحقيقة ليست ( الحمية الجهوية ) ولا ( العصبية القبلية ) هي التي تدفعه أحيانا لبعض التصرفات العدوانية التي قد تبدو لنا بأنها جهوية أو عشائرية بل هو الحقد الاعمى على كل من يعارضه ويتمرد عليه من الشرق او الغرب او الجنوب لذلك وجدناه يمارس بعض العقوبات الجماعية ضد مدينة بن وليد عام 1993 بعد محاولة إكتوبر الباسلة التي قادها ضده ضباط من قبائل الورفلة فهل كانت هذه العقوبات ذات طبيعية جهوية !؟ .
 
وأما بخصوص مقالة الأخ الفاضل الاستاذ ( يوسف المجريسي ) وما جاء فيها فهي وجهة نظر ناتجة – كما شعرت – عن شعوره بالحرقة بسبب ما آلت اليه اوضاع البلاد وشعوره بالمرارة والغضب نتيجة لبعض التصرفات وبعض الأصوات التي ترتفع من حين الى حين تريد الغاء كل المجهودات والتضحيات التي قدمها المعارضون الاوائل وتنسفها بالكامل بجرة قلم ! .. ثم وبخصوص ماذكره من وجود ما أسماه ( فجوة كبيرة ) بين شرق البلاد وغربها وأنه لابد من معالجتها مستقبلا ً فلا اعتقد أنه ذكرها بقصد الإهانة لأحد أو أنها تأتي بدوافع جهوية بل فهمت منها التنبيه عن وجود ( خلل ما ) أو ( عقدة ما ؟) في تركيبتنا السكانية وعلاقتنا الوطنية الداخلية يجب الانتباه اليها ومواجهتها بشجاعة والتعامل معها بجدية وحكمة ورشاد وتحت قبة الوطن الواحد كما ذكر !.. ويبقى أن نفهم ماهو مقصود الإستاذ المجريسي بهذه ( الفجوة الكبيرة ) التي قال أننا نتغاضى عنها احيانا – وكما ذكر – بسبب المجاملة والنفاق العام او الخوف من الإتهام بالجهوية ؟ .. فالفجوة قد تعني مما قد تعنيه – ومن وجهة نظري - الإختلاف في الرأي السياسي السائد بين الجهتين والمنطقتين فمثلا ماذا لو وجدنا مستقبلا أن رأي الكثير من البرقاويين فيما يخص النظام الأنسب لليبيا يتمحور حول فكرة ( النظام الإتحادي اللا مركزي ) بينما تمحور رأي أكثر الطربلسيين حول فكرة ( النظام الأحادي المركزي ) ؟ .. كيف يمكن سد هذه ( الفجوة ) ؟ .. وقد حدث شئ مشابه ومن هذا القبيل بالفعل في مرحلة تأسيس دولة ليبيا المتحدة ! .. فقد كان الكثير من الطرابلسيين الذين يطالبون بالوحدة يرفضون فكرة الإتحاد تحت الإمارة السنوسية حيث أصر البرقاويون على هذا المطلب ثم تم تجاوز هذه ( الفجوة ) – بفضل الله اولا – ثم بفضل تضحية القيادات الطرابلسية العاقلة بمواقفهم السياسية والشخصية وعلى رأسهم السيد ( بشير السعداوي ) من أجل الوحدة الوطنية ثم بحكم الواقع السياسي القوي في برقة حيث إجتمعت برقة بقبائلها ومدنها حول قيادة الأمير إدريس واعطت له ثقتها وولائها الكامل ! .. فإذا كانت هناك اليوم ( فجوة ) بالفعل بين الإقليمين الشقيقين يجب معرفتها ومعرفة طبيعتها ثم معالجتها بشكل حقيقي وفعال لا بتناول المسكنات او بالإدعاء أن كل شئ تمام بل وتمام التمام وكل شئ على مايرام ! .. فالهروب الى الأمام او الى الأوهام لن يفيد ليبيا وقد لايزيد طينتها الا بلة على بلة ! .. وأنا شخصيا ً أو ضحت رأيي في هذا الموضوع بشكل عقلاني وهادئ وصريح وذكرت أن الحل يكمن في العودة الى النظام الإتحادي الذي قامت عليه أصلا ً دولة ليبيا الحديثة من خلال اتحاد اقليم طرابلس واقليم برقة واقليم فزان في دولة واحدة متحدة ! .. وأما إذا اعتبر البعض موقفي الاتحادي هذا ( جهوية ) مقيتة - بعد كل هذا التوضيح وكل الحديث الصريح - فلابد أن هذا الحكم القاسي إما ناتج عن جهل بالنظم الإتحادية القائمة في العالم اليوم والناجحة والمتقدمة وإما أنه ناتج عن سوء فهم لمرادي ومطلبي .. وإما – في اسوء الحالات - ناتج عن سوء نية وعن نفسية وعقلية جهوية مقيتة مضادة وسافرة أو مستترة تتستر برداء الوحدة الوطنية او برداء الدين ! .
 
أما ماذكره الأخ الفاضل ( المجريسي ) - الذي نكن له كل الإحترام على جهوده الوطنية الطيبة في مجال الدراسات المتعلقة بتاريخ ليبيا – بخصوص أن نسبة الطرابلسين في المعارضة الليبية لا تتناسب مع حجم عدد سكان طربلس - طرابلس المدينة وطرابلس الإقليم - أو بالقياس الى المعارضين من المناطق الأخرى فهي ( دعوى ) تحتاج الى ( بينة ودليل ) ولكنها إذا صحت وثبت وقوعها فهي ملاحظة جديرة بالإهتمام والدراسة والفحص لمعرفة أسبابها مع أني الاحظ أن اكثر المهاجرين من ليبيا اليوم وفي الفترة الأخيرة أي منذ اواخر التسعينيات هم من شباب طرابلس وهم – كما لاحظت - إما أن يغلب عليهم طابع ( التدين السلفي ) أو طابع الطموحات الشخصية والرغبة في الكسب المادي وهذا ربما يعكس من جهة أزمة البطالة وسوء الأوضاع المعيشية في ليبيا ككل ويعكس من جهة أخرى تنامي عدد السكان في ليبيا خصوصا إذا علمنا أن سكان طرابلس العاصمة اليوم يربو على المليون نسمة معظمهم من الشباب ! .. ولا يعني هذا أن الطرابلسيين – بعربهم وأمازيغهم - لا وجود لهم في ساحة النضال الوطني في الداخل والخارج فوجودهم وحضورهم لا ينكره الا جاحد فمثلا ً – فقط على سبيل المثال – من بين مايقارب من عشر مواقع ليبية معارضة تحضرني في ذهني الآن نجد معظم المواقع يديرها ويشرف عليها طرابلسيون - أي ليبيون من غرب ليبيا - بل وحتى المواقع التي يديرها برقاويون – أي ليبيون من شرق ليبيا – فإنك ستجد أكثرهم هم من أصول طرابلسية ! .. وأنا فقط اضرب هذا المثال البسيط لأبين أن لأخواننا الطرابلسين ( سكان غرب ليبيا ) – عربهم وأمازيغهم - حضورا واضحا وفعالا في حركة النضال الوطني في الخارج والداخل على السواء .
 
سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري
elragihe2007@yahoo.co.uk
 

أرشيف الكاتب

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com