22/06/2007 |
|
||||
|
|
|||||
كان من المفترض ان استكمل اليوم موضوع "الليبيون و استحقاقات الحياة الكريمة" وذلك بالانتقال الى محاولة تعريف "الحياة الكريمة" وتحديد مضامينها ، وعلى الرغم ان مقال فى هذا القصد قد قارب على الانجاز، الا ان كلمة العقيد" معمر القذافى" فى المعارضين التشاديين يوم الثلاثاء الماضى حملت مضامين حفزتنى للتوقف عندها والاشتباك معه، ليس بالقراءة والتعقيب فقط ولكن ايضا بالبحث فيها عما يدعم قناعتى بأن الجسور الى المستقبل قد باتت اقرب لبلادنا من اى وقت مضى، وكذلك ليصل معنى مهم للعقيد القذافى، الا وهو اننا نتابع ما تقول باهتمام لاننا نعتبرك مسئول على ما يحدث ، كما اننا نريدك ان تستمع الينا بنفس الاهتمام لأن جيلنا، فى كل الاحوال، هو المستقبل.عندما يبدأ العقيد حديثه بالقول "ان اعتماد الحوار والنقاش والتشاور لحل المشكلات .. هذا هو الطريق الصحيح ..اعتقد آن الله قد هدانا الان الى ان الطريق الصحيح هو طريق السلام والاخوة و التفاهم والتشاور والحوار والمصالحة الوطنية."وعندما يعلل لذلك بالقول "فى وقت الاستعمار وحركات التحرر انا لم اكن ادعوا للسلام "، رابطا قناعاته السابقة بواقع دولى يعتبره قد تغير.وحين يطرح البدائل العصرية للعنف "اذا انت لديك ثقة فى نفسك قدم برنامجك للشعب، واترك الشعب يعملك رئيسا"، ويصف "الذى يلتجىء للسلاح الأن يدل على انه ليس لديه حجة".ثم عندما ينصح "هذا اذا كان عنده مطالب يمكنه ان يشكل حزبا ويشكل جبهة من كل الناس المشتركين معه فى الرؤية السياسية الواحدة ويستطيع ان يدخل الانتخابات ويستطيع ان يقدم نفسه للشعب ويستطيع ان يعمل جريدة وان يعمل حزبا.او حين يقر بأن "المعارضة الشرعية الدستورية لا تحمل السلاح"، ويستغرب "معقولة من اجل السياسة والحكم تستعمل السلاح ؟". وهو يعنى العنف بكل اشكاله بالتأكيد.وعندما يؤكد " ان هناك معارضة سياسية فى كل بلاد العالم " دون ان يستثنى احدا.او حتى عندما يعرج على ليبيا ودوره السياسى" ليبيا بلد جماهيرية لا عندها رئيس ولاحاجة..انا لست قائدا لليبيا..انا قائد للثورة، التى يمكن ان تكون فى امريكا اللاتينية او افريقيا او اى مكان".وحين يتنبأ بالقادم عندما يقول" اعدوا انفسكم للمراحل القادمة، للمستقبل، للديمقراطية".واخيرا حتى عندما يعبر عن عقيدته السياسية "انا الذى اكلمكم لا اؤمن الا بحكم الشعب بنفسه، سلطة الشعب، الديمقراطية الشعبية المباشرة " فهو يستند على كونها تحقق ان " كل الناس تدخل فى السلطة ولا احد خارج السلطة".فان هذا لا يعبر فقط عن منحا جديد فى خطاب العقيد القذافى السياسى، وتوجه ينبئ بنبذ العنف والاعتراف بادوات العمل السياسى السلمى، وبان المستقبل هو للديمقراطية، كما يعترف بدور للمعارضة السياسية، بل انه بحديثه هذا يفتح الطريق امامنا كى نمارس حقنا فى مناقشه كل هذه الامور معه باعتبارنا جميعا شركاء فى الوطن.خمسة عناوين تفرض نفسها كمدخل لنقاش هذه المضامين سأتناولها باختصار شديد تاركا الفرصة لمن اراد اثرائها، العنف السياسى والقمع، سلطة الشعب ، الليبيون والعمل السياسى، بين الشمولية والديمقراطية، ودور العقيد القذافى.ليس العنف السياسى هو حمل السلاح ضد السلطة فقط، ولكنه ايضا القمع الذى تمارسه السلطة ضد من يختلف معها فى الرأى، انه مصادرة حق المواطنين فى الاعتراض على سياساتها، فى اختيار الحكام، فى مراقبتهم، فى الحفاظ على المال العام، وفى تنحيتهم عن السلطة سلميا عندما يعجزون عن توفير الحياة الكريمة للشعب.والقمع هو ما يجعل الناس يفكرون فى حمل السلاح ، فاذا كان التظاهر السلمى او كتابة مقال او اجتماع سلمى محرما مثل حمل السلاح، يصبح حمل السلاح لدى البعض، بديلا منطقيا لتلك النشاطات السلمية.وعندما تحدث العقيد القذافى للمعارضة التشادية عن وجوب نبذ العنف وتبنى العمل السياسى السلمى فلابد انه يعنى "ان الحوار بديل للعنف وليس نتيجة له " سواء فى تشاد او فى ليبيا، فنحن لا نريد ان ننتظر حتى تنفجر السيارات المفخخة فى وجوهنا، او تقطع الطرق، او تجيش قبائلنا حتى نقبل الحوار بين الليبيين، الامر الذى سيكون قد تأخر كثيرا وقتها.كذلك، لا يستطيع احد ان يكون ضد "سلطة الشعب"، فكل المناضلين من اجل الحرية عبر التاريخ، فى ليبيا وفى سواها، ضحوا من اجل "سلطة الشعب"، والسؤال هنا؛ هل من العدل ان يعتمد تصور واحد لسلطة الشعب ؟ وان تسخر كل امكانيات الوطن من اجل ان تتلون به خريطتة من اقصاها الى اقصاها، ارضا وبحرا وبشرا، وليقام نظام اقتصادى وسياسى شمولى يقصى الأخر ويلغيه.ان حبس هذا المفهوم العظيم رهن هياكل عجزت حتى عن توفير اساسيات الحياة للمواطنين، والقت بشباب الوطن فى نار البطالة، دفعت بعشرات الالاف لهجرة الوطن، خربت المؤسسات العامة والخدمات الاساسية، وجعلت الفقر مقيما دائما فى بيوت الليبيين هو تسخيف لها بل واجهاض لنضال كل من ضحى من اجل الحرية على هذه الارض.ان تمسك العقيد القذافى بسلطة الشعب كما ذكر فى كلمته، يحتم علينا مطالبته بانقاذها من هذا المصير، وذلك بتطوير الياتها من خلال الحوار، فمن قال ان حرية الليبيين فى التعبير ،افرادا و جماعات، واستعمال الصندوق الانتخابى الشفاف الذى يمنع ابتزاز المواطن، وقبول التعددية السياسية، والتداول على السلطة، وسيادة القانون واستقلالية القضاء، واطلاق حرية النشاط الاقتصادى ليست جوهر "سلطة الشعب".وايضا، ماذا عن الليبيين والعمل السياسى، لماذا يكون العمل السياسى فى ليبيا شيئا مخيفا، يقترن بالسحق والشنق والزحف والسجون والتعذيب والهجرة، لماذا تسلم رقاب الناس ان هم ارادوا دخول المعترك السياسى لأجهزة الامن ؟ هل جعل الشاب الليبى مرعوبا خافت الصوت منافقا خانعا مسحوق الشخصية هو الطريق لبناء المستقبل ؟عندما كنا فى الجامعة قبل 1973 نتحدث بصوت عال، ننشر اكثر من دستتين من الجرائد الحائطية، ونعقد الندوات الاسبوعية فى نقد الواقع بكل جوانبه، ونتنافس فى ذلك، كنا نجد فى العمل السياسى متعة وكانت جامعاتنا مرابض لشباب يحلمون بجمهورية حديثة نفاخر بها امام الجميع.ان دعوة "العقيد القذافى" للتشاديين بممارسة النشاط السياسى السلمى، يجعلنا نطالبه ان يحرر شبابنا من الخوف، وان يحصنهم من قمع الاجهزة واللجان، وان يفتح امامهم سبل ممارسة النشاط السياسى، ان يعيد للشباب حلمه، وان يراجع مقالته التى نشرها فى مارس 1973 " بين الامن والامل " وان يكتبها من جديد، ولكن كى يتغلب الامل على الامن هذه المرة.كذلك فالدولة الشمولية مؤقتة بطبيعتها فى حين ان المؤسسات الديمقراطية دائمة، وذلك بسبب فرق اساسى فى البنية، ففى حين يحتكر الحكم فى النظام الشمولى تنظيم المؤسسات وتأطير الناس باعتباره الوحيد المسموح له بصياغة المشروع الوطنى، يتيح النظام الديمقراطى لهم تأطير انفسهم وتنظيم مؤسساتهم، كما تملى احتياجاتهم واختياراتهم، باعتبار الجميع شركاء دائمين فى صياغة المشروع وتعديله وتطويره.لذا تصبح مؤسسات النظام الشمولى هياكل مجوفة، نقابات عمال ليس فيها عمال، اتحادات طلابية يقودها مخبرون، نقابات صحافيين و محاميين تقام فى غيابهم وتديرها غرف امنية لاستعمالها فى الدعاية للنظام، جميعها تبنى فى ظل الرعب والابتزاز وتتلاشى بمجرد اختفاء او ضعف مصادره.وعندما يتحدث "العقيد القذافى" عن الانتخابات والاحزاب والصحافة فهو هنا يتحدث عن مؤسسات ديمقراطية فى تشاد، والمنطقى ان يشجع ذلك فى ليبيا اولا، فيعاد بناء النقابات والمؤسسات السياسية على اساس ديمقراطى، من اسفل الى اعلى وليس العكس، واعادة الثقة لمختلف قطاعات الشعب فى اختيار اشكال وبرامج ومضامين مؤسساتها النقابية والسياسية، حتى تبقى هذه المؤسسات بعد غيابه شاهدا على دوره.واخيرا، عن دور العقيد القذافى، ان قيام المؤسسات الديمقراطية و نموها يحتاج لمن يحميها ويتيح لها المناخ المناسب لاداء دورها، ومنع تخريبها حتى تنضج وتصبح قادرة على حماية النظام الديموقراطى.هذا ما حدث فى كل التجارب فى التاريخ. فبعد الثورة الامريكية كان ملاك الاراضى من قادة الثورة هم من حمى الديمقراطية التاشئة حتى قويت وصارت تحمى نفسها بانضواء كل الامريكيين تحت لوائها.وفى اسبانيا وعلى الرغم من كل ما اقترفه "فرانكو" فهو يذكر الان لكونه من اسس ورعى مؤسسات كانت جاهزة للعمل بمجرد التحول للديمقراطية، وانتاج ما يسمى "بالمعجزة الاسبانية".نفس الشىء فى تركيا الحديثة حيث حمى الجيش الدستور ونمو المؤسسات الديمقراطية منذ اكثر من ثمانين عاما حتى صارت تركيا دولة ديمقراطية حديثة.ان مؤسسات ديمقراطية جنينية فى وسط سياسى متخلف البنية والوعى، وفى ظل ازمة اقليمية عنيفة ومشاريع تتبنى العنف والموت كأساليب لفرض ايديولوجيات ظلامية، هى غير قادرة على حماية نفسها بالتاكيد، وذلك ينطبق على ليبيا بالتاكيد.ففى الوقت الذى يحتم الوضع على العقيد القذافى، الذى يقول "ان المستقبل للديمقراطية "، ان يتبوأ دوره فى اعداد البلاد لهذا المستقبل فيصبح رئيسا لكل الليبيين وليس للموالين فقط، وان يقبل تحت سقف الوطن بمن يختلف معه طالما كان الخلاف من خلال الادوات السلمية، واطلاق طاقات الليبيين لبناء مؤسساتهم الديمقراطية فى ظل مناخ الحرية، ورعاية تلك المؤسسات ، فانه ايضا بذلك سيترك للعالم ذكراه باعتباره مؤسس ليبيا الحديثة.ان ذلك يحتاج الى وعى فذ بدور تاريخى نادر، والقدرة على اتخاذ اجراءات مرة، ومواجهة الذات باخطائها وانا ممن لا يستكثرون عليه ذلك.وكما قال العقيد القذافى لضيوفه فى اطار دعوتهم للمصالحة الوطنية "العالم ليس به تشاديون غيركم"، فاننى أذكرك اخى المحترم .. بان "العالم ليس به ليبيون غيرنا".محمد صالح بويصير
نشر المقال أيضا بمدونة الكاتب بتاريخ 21 يونيو 2007 - http://mbuisier.maktoobblog.info/
|
|||||