17/06/2007

      


 
الليبيون واستحقاقات الحياة الكريمة (1)
 
بقلم: محمد صالح بويصير

 
قبل ان اغادر ليبيا بعد زيارتى الاخيرة، تركت رسالة قصيرة للعقيد القذافى مع من يستطيع ايصالها له، بدأتها بالطبع بشكره على اتاحة عودتى الى الوطن والتنقل فيه آمنا مطمئنا ، ثم لخصت له ما خرجت به من اقامتى التى استدامت خمسة و سبعون يوما والتى انتقلت فيها للقاء الناس والحوار معهم من الجبل الاخضر شرقا الى صبراته غربا، كتبت له: انها" الحياة الكريمة" ايها الاخ المحترم ، تلك التى يرنوا اليها ابناء هذا الوطن الطيبون، ولا معنى لعمل لا يضع هذه الغاية ليس فقط على راس الاجندة الوطنية ، بل و يجعلها البند الوحيد على هذه الاجندة لزمن طويل.
 
فعلى الرغم من ثقافة الخوف التى كانت نتاجا طبيعيا لعقود ثلاث من الانتهاك المستمر لحقوق الناس وحرياتهم، استمعت فى كل مكان التقيت فيه بالناس كلام واضح وصريح عن ان الدمارالذى لحق بحياة الناس، وبالامور التى تحيط بالمواطن مباشرة صارت السبب الاول لمعاناتهم وما ينتج عنها من احتقانات اجتماعية وسياسية، وان العمل من اجل توفير الحياة الكريمة هو السبيل الوحيد لا ستعادة الثقة بين الناس والحكام، بل واستعادتهم الثقة فى المستقبل.
 
لقد كان من الممكن دائما و فى كل اللقاءات قشع الخطاب المرارى المبرر الذى بلورته ثلاثة عقود من العسف والعنف العبثى، واحلال حوار يقدم لخطاب بديل ذو منحى مستقبلى وطبيعة مطالبية ومعايير موضوعية، لينتقل الحديث من اجترار سنوات الرعب الى استشراف امكانيات العمل المطالبى السلمى، ولتتغير اللغة من سرديات الماضى المظلم الى رسم الغد وملامحه. وليحل الامل فى المستقبل محل اليأس الذى انتجه الماضى.
 
كما كان من الممكن ايضا استشعار رغبة فى الانفصال عن الماضى ونتائجه لدى العقيد القذافى، الامر الذى لابد وان يتبعه انهاء مرحلة الصدور الضيقة، الخانقة، لصالح مرحلة الصدور الرحبة، التى تقبل الخلاف فى الاختيارات ولا تعتبره مبررا للعداء او العسف او الالغاء، طالما كان الخلاف فى اطار الاحترام المتبادل و بعيدا عن التجريح وتبادل الاتهامات، مع التذكر دائما ان ليبيا للجميع.
 
ان الطعن فى وطنية الاخرعلى ارضية الخلاف السياسى هو فى الحقيقة موقف غير وطنى.
 
من هنا، ومنذ عودتى استغرقنى التفكير فى كيفية تناول هذا المطلب المشروع والمباشر، فعلى الرغم من ان الليبيين يعيشون على بحيرة نفط يقدر احتياطيها بمائة بليون برميل من اجود انواع النفط تبلغ قيمتها حسب الاسعار الحالية سبعة تريليون دولار، وعلى الرغم ان ارضهم تمتد على مساحة مليونى كيلومتر مربع فى احد افضل المواقع على الارض، الا ان تحقيق الحياة الكريمة يحتاج الى ما هو اكثر من ذلك ،يحتاج الى الفكر والجهد والتنظيم البشرى القادر على صياغة مخططات تنموية من خلال احتياجات الناس ،كذلك اطلاق قوى المجتمع لتحقيق تلك المخططات على الارض ، وقبل ذلك المناخ السياسى والثقافى المنفتح الذى يسمح بالتعرف على الاحتياجات، والحوار المفتوح حول المخططات، ويحقق الاستقرار الذى يجعل الجهد قادر على الاثمار.
 
تصورت ان تناول الموضوع فى كتاب تحت عنوان"الليبيون واستحقاقات الحياة الكريمة."هو السبيل الافضل لذلك، وبدأت بالفعل فى وضع الهيكل العام للبحث ، الامر الذى تطلب مزيد من القراءة والاستزادة، وفعلا وصلت مبدئيا الى هيكل يقوم على اربعة قواعد:
 
فقد كان المنطقى ان ابدأ من البحث فى مفهوم "الحياة الكريمة"باعتباره نتاجا للفكر الانساتى فى تطوره عبر مراحل متتالية منذ استقرار اجدادنا حول مصادر الغذاء، والمضامين المتجددة التى اكتسبهاهذا المفهوم من خلال الانتقال عبر تلك المراحل وكذلك ارتباطه بمفهوم "السعى للسعادة" الذى ظهر فى المجتمع الانسانى الحديث، وعلاقة المفهومين بالبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاخلاقية للجماعة البشرية، فى محاولة للوصول الى تعريف واضح لماهية الحياة الكريمة ومدى ارتباطها ببناء المجتمع الحديث.
 
كما كان من الضرورى "فرش" ملامح ليبيا عند اللحظة التاريخية الآنية، معطبات الجغرافيا والارض، وكذلك البحث فى البعدين "الرأسى"اى تأثير العوامل التاريخية على التكوين الاجتماعى والثقافى كما يبدوا الان، بالتركيز على المرحلة التى بدأت مع الاستقلال مرورا بظهور النفط ثم حركة سبتمبر واعلان الجمهورية ثم مشروع العقيد القذافى وصولا الى محاولة اعادة الاندماج مع العالم، وافقيا بمعنى رصد ديناميكيات الحراك الدولى وتوابعه الاقليمية وتأثيرها على ليبيا فى هذه اللحظة.
 
ثم يأتى الانتقال الى فرز نتائج هذه "الفرشة" الى ثلاثة مصفوفات : مصفوفة تدفع فى اتجاه بناء المجتمع الحديث باعتبارها ترى مصالحها فى قيامه، مصفوفة تعوق ذلك لانها ترى فى قيامه خطرا على موقعها و نفوذها، ومصفوفة ثالثة يمكن ان تميل لآى من الاتجاهين حسب موازين الحركة.
 
واخيرا وعلى ضوء ما سبق ياتى البحث عن الاستحقاقات، اى عن ملامح المخططات التى يجب ان ينخرط فيها جهد الجماعة اليبية من اجل تدشين مرحلة العمل من اجل بناء المجتمع الحديث و بالتالى تحقيق "الحياة الكريمة"، فى الابعاد الاقتصادية والسياسية والثقافية.
 
الا ان المزيد من التفكير فى موضوع الكتاب جعلنى اتراجع عنه، لآسباب اهمها اننى لا ازعم اننى باحث متخصص يملك من المعارف فى هذا الحقل اكثر من الآخرين، بحيث يكون فى ايداعها كتابا فائدة لهم، فكل ما يمكننى انتاجه هو وجهة نظر لابد ان يعتريها الكثير من القصور مما يجعلها احوج لان تطرح للحوار حول ما فيها من مضامين، علها تنضج وتتبلور وتكتسب ما تحتاجه من مكملات ، ومن خلال نقاشات مع بعض الاصدقاء اقترح احدهم ان الجأ للتقنية وهداياها الرائعة، اى ان اكتب مسودة البحث على اجزاء فى مدونة على الانترنت، الامر الذى يتيح الفرصة للاخرين فى قراءتها ، ومناقشة ما يرد فيها ان رغبوا فى ذلك، عرفت على الفور اننى وجدت فى نصيحته ما كنت ابحث عنه.
 
لقد جسدت هذه الفكرة بحد ذاتها دور التقنية فى تحقيق الحرية ، فعندما كانت الكتب تخط باليد لم تكن متاحة الا للحكام و الاثرياء حيث يبلغ ثمن الكتاب ما يلزم لسد احتياجات حياة ناسخة فترة عمله فيه على الاقل، مما حصر المعرفة فى دوائر المال والسلطة، وغرق العامة فى الجهل والخرافة مما رسخ الظلم، ومع اختراع المطبعة اصبح من الممكن ان يشترى الناس الكتب وظهرت الصحف التى تنقل المعرفة كل يوم، وتتراجع الخرافة والجهل مما اهل الانسان لمقاومة الظلم و بشر بعصر الحرية، ومع الانترنت اصبحت المعرفة كالماء والهواء لا يحتكرها كاهن ولا يمنعها طاغية، وليصبح متاح للجميع ممارسة الحرية من خلال حقهم فى التعبير.
 
فى مقابلة مع هيئة الاذاعة البريطانية فى ذكرى اول انتخابات ديمقراطية فى بلاده يقول فاكلاف هافل، اول رئيس جمهورية منتخب لتشيكوسلوفاكيا والسجين السابق مرتين فى العهد الشيوعى: لم نكن ابدا نتصور طوال 42 عاما من الحكم الشمولى اننا سنقف يوما امام تحدى الاختيار الحر فلم نفكر فى المستقبل، لذا عندما جاء ذلك اليوم نظرنا الى بعضنا متسائلين "ماذا الآن ؟".
 
ونحن فى ليبيا نقترب كل يوم من اللحظة التى سنقف فيها امام تحدى الاختيار الحر ،فانا لا افهم فى ايماءات العقيد القذافى نفسه عن "المرحلة الجديدة" و"الجيل الثانى"، او فى تصريحات نجله"سيف الاسلام" عن الديمقراطية وحرية الصحافة، او المناخ الذى بدأ يتيح مجالات لحركة النخبة الليبية النشطة التى تقود العملية المطالبية فى الوطن الا مقدمات لتلك اللحظة، فمن الواضح ان الاندفاع نحو الاصلاح السياسى الشامل، بمعنى تفكيك الدولة الشمولية الهرمة والعاجزة ، وبناء مؤسسات الدولة البديلة قد اكتسب" قوى دفع" موضوعية تجعله يتخطى الارادات والرغبات الفردية.
 
ان مسئولية اللحظة تفرض علينا خلقيات الحوار ، فليس المقصود هنا الاساءة الى احد، كما ان استفزاز الآخرين هو أخر ما يخدم هذا الحوار،كما تفرض البعد عن التهييج والتعبئة والصوت العالى لصالح المنطق الهادئ و الموضوعى، فالمطلوب هو اثبات ان الاختلاف فى الرأى بين الليبيين يمكن ان يكون فى ظل الاحترام والكياسة، مثلهم فى ذلك مثل الشعوب المتمدينة التى استطاعت ان تعبر باوطانها الى افاق التقدم والازدهار،و تفنيد الدعاوى التى تقول بعكس ذلك.
 
لذاسأبدأ من هذا الاسبوع فى نشر الجزء الاول من مسودة البحث و الذى يتناول مفهوم" الحياة الكريمة وارتباطه ببناء المجتمع الحديث"، علها تصبح فرصة لحوار هادئ حول تلك الاختيارات.. مرحبا بمداخلات كل من له تعليق او تعقيب على ما اطرح وذلك من خلال ارساله الى عنوانى الالكترونى المذكور بالمدونة.
 
محمد صالح بويصير

 


نشر المقال أيضا بمدونة الكاتب بتاريخ 16 يونيو 2007 - http://mbuisier.maktoobblog.info/

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com