صمت الرئيس أبو مازن: عجز أم
حكمة لا ندركها ؟
بقلم: أ-د/ إبراهيم أبراش
أستاذ العلوم السياسية وعميد
كلية الآداب - جامعة الأزهر - غزة
|
 |
|
قبل عام ونصف تقريبا كتبنا مقالا
بعنوان (حتى لا تُغيب غزة الوطن) وكانت مناسبة كتابة هذا المقال هو التوتر
والاشتباكات التي بدأت بين فتح وحماس قبيل الانتخابات التشريعية، وفي هذا
المقال حذرنا من وجود مخطط لتقليص القضية والوطن في حدود قطاع غزة وفلنا بأنه
منذ أن اضطرت إسرائيل للتعامل مع فكرة التسوية في بداية التسعينيات بدأت
بتهيئة الظروف لحرف التسوية بما يخدم مخططاتها فأوجدت الأدوات البشرية
الفلسطينية ووضعت تحت تصرفها إمكانات مالية هائلة وتسهيلات كما أوجدت مقومات
الفتنة الداخلية بنهج سياسة خبيثة حيث سمحت وسكتت على تعزيز وتقوية حضور
الجماعات الدينية وخصوصا حركة حماس وكان التركيز على قطاع غزة، ثم جاءت خطة
شارون للانسحاب من غزة والدعوة للانتخابات لتهيئ الظروف لنجاح هذا المخطط ،واليوم
يبدو أن المخطط الصهيوني الأمريكي والذي تشارك به أطراف فلسطينية بغباء وجهل
من البعض أو بالمشاركة الفاعلة من البعض الآخر، هذا المخطط يحقق انجازات
نلمسها فيما يجري في قطاع غزة.
ليس من باب رفع المعنويات أو
التطرف الوطني بل هي حقيقة يجب أن لا تغيب عن بال وتفكير أي فلسطيني أو مؤيد
ومتعاطف مع الشعب الفلسطيني ،والحقيقية هي أن فلسطين اكبر من قطاع غزة والشعب
الفلسطيني ليس أولئك الذين يتقاتلون في شوارع غزة، فلسطين ليست الـ 360 كلم
التي يكتظ بها مليون ونصف من السكان المحاصرين بدون سيادة وبدون سلطة
والخاضعين لكل التدخلات الخارجية، حتى داخل قطاع غزة فالمشتبكون مباشرة
بالصراع هم قلة فيما غالبية سكان غزة ينأون بأنفسهم عن القتال ويرفضونه
ويلعنون المتقاتلين. فلسطين هي عشرة مليون فلسطيني وتاريخ طويل من النضال
والعطاء امتد لحوالي مائة عام ،فلسطين هي القضية العادلة التي قرضت نفسها
بعدالتها على العالم وعلى المنتظم الدولي فاعترفوا بشرعية النضال الفلسطيني
وبحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير وصدرت عشرات القرارات الدولية الداعمة
للشعب الفلسطيني .فلسطين ليست حركة حماس أو حركة فتح أو بقية الفصائل التي
أكد الواقع بأنها جميعا مأزومة وفاشلة وبدلا من أن تعترف بفشلها في شق طريق
الخلاص للشعب تقوم بتحويل طبيعة الصراع وأطرافه فتخلق أعداء داخليين مما يسمح
لها بالحديث عن بطولات وهمية تحققها في مواجهتهم وضحايا هذه الانتصارات هم
أبناء الشعب وممتلكات الشعب وسمعة الشعب.
عندما تصل الأمور لحد اقتتال هو
أسوء من الحرب الأهلية كما تعرفها العراق أو أفغانستان أو الصومال - وعندما
نقول أسوء لأن تركيبة وبنية تلك البلدان تبرر الحرب الأهلية كالتركيبة
الطائفية والعرقية والقبلية فيما لا توجد هذه التركيبة في فلسطين - عندما تصل
الأمور لهذا الحد لا يعد هناك مجال للصمت - لا لصمت الخائف ولا لصمت العاجز
ولا لصمت المتشفي من الطرفين المتقاتلين، عندما يصبح الوطن والقضية، التي هي
من اعدل وأعظم قضايا العصر، محل تصارع وتجاذب بين قيادات مأزومة وفاشلة - بين
الجهل السياسي المتشح بلباس الدين والفساد والتواطؤ السياسي باسم التسوية
والسلام والشرعية التاريخية، يجب وضع النقاط على الحروف بطرح تساؤلات لم يعد
محالا لكبتها.
هل يوجد لدينا رئيس يمارس دور
الحاكم والحَكم؟وما الفرق بين رئيسنا ورئيس الصومال طوال الحرب الأهلية
الصومالية ؟ وإلى متى سيبقى الرئيس شاهد زور على ما يجري ومن المعروف بان
شاهد الزور إما متواطئ أو عاجز؟ وهل عندنا حكومة وحدة وطنية ؟ وإن كانت
موجودة فمن الذين يتقاتلون في الشوارع إن لم يكونوا مكونات هذه الحكومة
العتيدة ؟ وهل يجوز لحكومة تزعم بأنها شرعية ومنبثقة عن انتخابات ديمقراطية
بان تعلن الجهاد على جزء من أبناء الشعب وتعتبر هؤلاء أولى بالجهاد من العدو
البعيد (إسرائيل) فيما الديمقراطية لا تقبل مفاهيم وممارسات الجهاد الداخلي
ولا مفاهيم التكفير ؟. وهل ما زالت هناك حكومة وسلطة بعد قصف مقري الرئيس
ورئيس الوزراء بالقذائف الصاروخية وبقذائف الشتيمة والتكفير والتخوين من كلا
الطرفين ؟ وما الذي يفعله المجتمعون بالقاهرة ؟ أليس الذين يجتمعون بالقاهرة
هم قادة للذين يتقاتلون في شوارع غزة، ؟ ألسنا أمام احد الاحتمالين: إما أن
المجتمعين في القاهرة هم المتآمرون وهم المسئولون عما يجري في غزة ويوظفون
دماء الشعب في غزة لجني مكاسب على طاولة المفاوضات التي تهيئ لمحاصصة جديدة
كما يبدو ؟ وإما أنهم لا يملكون سلطة على المرتزقة الذين يتقاتلون في أزقة
غزة وفي هذه الحالة عليهم أن يعلنوا براءتهم مما يجري ؟ ولماذا حوارات
واتفاقات لوقف إطلاق النار برعاية مصرية بين المتقاتلين في غزة فيما قيادات
هؤلاء متواجدين في القاهرة ويمكن للكبار في القاهرة الاتفاق وفرض ما يتفقوا
عليه على الصغار في غزة ؟. أليست تصريحات برهان حماد رئيس البعثة الأمنية في
غزة تدل من جانب بأن القيادات المجتمعة في القاهرة لا تملك القرار الميداني
في غزة وتدل من جانب آخر على عجز الوسيط المصري على حل الإشكالات بين فتح
وحماس وهو عجز قد يكون ذاتي أو نتيجة تدخلات وضغوط خارجية ؟. ألا يعتبر الرد
المحدود لإسرائيل على الصواريخ المنطلقة من غزة وعدم إقدامها على عمليات
كبيرة، إنما يدل على أن إسرائيل كانت تعرف بما ستؤول إليه الأمور في غزة أو
كانت تخطط لما يجري في غزة ؟.
لم يعد مجالا للشك بان المعركة
تدور حول الاستيلاء على قطاع غزة، وقد تأول الأمور نحو سيطرة حمساوية على عزة،
ليس لأنها الأقوى أو الأكثر شعبية بل لان هناك مخطط تم الإعداد له منذ سنوات
لتوريط حماس بإمارة محاصرة ومنهكة في عزة ترضي غرور مرجعياتها الدينية في
الخارج، وحماس تعتقد بأنها تحقق انتصارات فيما هي تنزلق بوعي أو بدون وعي نحو
مستنقع سيغرقها ويغرق القضية ، مع افتراض هذه السيطرة يبقى السؤال ماذا بعد
ذلك؟ ما هو الأفق السياسي للقضية الوطنية ؟نعتقد بان الإمكانية الوحيدة لبقاء
حماس على رأس إمارة حمساوية في قطاع غزة وقد يكون على جزء من القطاع، هو
قبولها بهدنة طويلة المدى مع إسرائيل، والهدنة تعني إلغاء المقاومة بطريقة
غير مباشرة وبقاء الأمور على حالها في الضفة والقدس هذا ناهيك عن نسيان قضية
عودة اللاجئين والدولة المستقلة،فهل هذا هو المشروع الوطني لحركة حماس ؟.
اليوم وفي المستقبل عندما سيتم
الحديث عن هذه المرحلة الدامية الكل سيقول لقد جري ما جرى في عهد الرئيس أبو
مازن وبالتالي سيتم تحميله المسؤولية بشكل مباشر أو غير مباشر عما جرى سيكون
الرئيس أبو مازن هو موضع الاتهام لأنه الرئيس المنتخب وصاحب القرار .كنا نفهم
تردد الرئيس في اتخاذ أي قرار مصيري خوفا من أن يؤدي الأمر لاقتتال داخلي،
ولكن ها قد وقع الاقتتال الداخلي، وهو ما قد يدفع للقول بان عدم اتخاذ قرارات
حاسمة في الوقت المناسب هو السبب في ما آلت إليه الأمور، صمت الرئيس أبو مازن
يحير فهل هي حكمة على مستوى أعلى من إدراكنا؟أم عجز يخدم أطراف أخرى ؟. ومع
ذلك ما زال أمام الرئيس ما يمكن فعله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ،فهل سيُقدم على
ذلك ؟.
مقالات سابقة
إبراهيم أبراش: ذكرى هزيمة حزيران تثير
الخوف على الوطن بعد ضياع الأرض
|