أخذ الطغيان مداه
السلطوي السياسي وخرج من إطار العقل والمعقول ليدخل في بوتقة الجهل والمجهول
والحكم الفردي، وامتهان إنسانية شعب بدون حدود، وانحشار الشعب الليبي في نفق
ليغوص في مهزلة المضحك المبكي.
إن غياب القانون
واندثار قيم العدالة والحرية والعمل المؤسسي، اصبحت واضحة وجلية للحملات
المتكررة والتشوية الملحوظ لصورة ليبيا، ان إصرار النظام الليبي الواضح
والحاكم باتباع الآلية المشوهة، واستمرار الحكم، وجعله قاعده سياسية ثابتة،
نظام قائم على الفردية وعلى الفساد والقمع، يتخفى وراءه أزمة مجتمعية،
والأخطر من ذلك أن النظام قد حصر كل إمكانيات الدولة ... المادية والأمنية في
يد أقلية فاسدة تنهب وتخرب وتعيق تطور مجتمع بأكمله وتستغل امكانيته لتثبيت
التزييف والصراخ بالأهداف الكبرى، وبالمقابل لم يستطع نظام القذافي أن ينتج
لأاكثر من ثلاث عقود سوى الفساد والقمع وتمزيق الشعب وإفقاره، وتفتيت وحدته
الوطنية والتخلف عن العصر.
فقد مارس
المتسلطون على الحكم احتكار الحياة السياسية والإقتصادية والدولة بشكل عام،
وعملوا فرض أحادية النهج وأحادية الولاء الفردي، وأصبح الشعب الليبيى برمته
مسيراً قسرياً بهذا النمط الفردي حيث يملك اهم واكبر المراكز الهامة في
الدولة سواء المادية أو المعنوية، وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية وثروة
البلاد ،حتى أباد الشعب الليبي وعمل على تدميره واعتقال مفكريه ومثقفيه
وسياسييه وكل الأحرار والشرفاء الحريصين على كرامتة وإنسانيته، ناهيك عن
السيطرة على موارد الدولة ومؤسساتها، حتى اصبح الشعب الليبي محصورا بين مطرقة
القمع وسندان الحاجة ، فقد الغيت من قاموس حياتنا متطلبات الحياة المادية
والسياسية، واصبح التحدث في المجال السياسي من المحرمات .. لا بل اكثر من هذا
حيث اصبح جرم يعاقب عليها قانون النظام الأكثر تخلفاً من شريعة الغاب.
ان مفارقات
القدرالسياسي في ليبيا - عملت على تثبيت حالة العقم السياسي والوطني، والفراغ
الدستوي شكلاً، والسياسي مضموناً، واصبحت آلية العمل بعيدة بكامل مداها عن
واقع حياة المواطن الليبي، حيث لم يعد له أى وصف أو تصنيف سياسي، واصبح من
الصعب جدا علينا ان نسمية او نطلق عليه اى نوعى من السياسيات القائمه في
العالم. لقد اصبح هذا الحكم السياسي اقرب الى المضحك المبكي من تناقد وتنافر.
ان هذا النظام
الفردي يحكم خارج نطاق المنطق والوطنية والإنتماء، بمعنى غياب الحاضنة
القانونية، وتغييب الشرعية الدستورية، واحتكار لفرد الواحد للحكم، ومنع
المنافسة وفرض أن تكون عملية إدلاء الرأي خلافاً لكل الأعراف في العالم كله
ومرافقتها بكل هذا التزييف بإجبار الشعب على الرقص وإهانة كبرياؤه الوطني،
وتقزيم هامته، ومسخ شخصيته، وإظهاره بأنه من عبدة الأفراد. نجد انفسنا اننا
تحت سيطره حكم لم تشهده ليبيا من قبل ولا تاريخ الشعب الليبي، نظام فردي يحكم
بالحديد والنار.
ان هذا النظام قد
استنفذ كامل مداه الزمني والقمعي والتشويهي, وبلغ أسوأ درجات الفساد، واستخدم
كامل قوته في الداخل والخارج, ولعب دوره إلى النهاية, واستهلك كل علاقاته
الداخلية والخارجية المنظورة والمخفية، ويعمل الأن منهكاً في نهايته العظمى،
وكشف القناع على مايخفيه من حقد على ابناء الشعب الليبى، وآخرها مهزلة
التعويضات لأخيرة التى اتخذها النظام كسيناريو جديد، وورقه اخيرة ينزل بها
على مائده القمار، لتكون الورقة الرابحة له، ويكسر بها شوكة كل من تتسول له
نفسه بالرفض اوالاستنكار الآ وهي "المال" ليسكت بها أفواه الثكلى.
أن التعويضات
الأخيرة لضحايات أطفال الإيدز في مدينة بنغازي ماهي إلا مراوغة على حافة
الهاوية, واجترار لمنهج فاشل في كل مسار ، المضحك فيه هو هذا النظام، والمبكي
فيه استمرار المراوغة على هذا المنوال لبعض الوقت الذي لايقرأ خطورته النظام
أبداً ، بل اصبح يجلس على فوهه بركان ، فيظن النظام انه قد أخمد هذا البركان.
ولكن واغلب الظن انه أوشك على الانفجار والإنشطار.
إن المحنة لا
تنحصر في تداعي القيم وانهيار السلوك فقط، بل هي تتسع لتشكل تهديداً ملحاً
للنظام السياسي الليبي، ومدى قدرة الشعب الليبي على المضي في طريقه الصعب نحو
الحرية والدولة المستقلة. فهل من سبيل أو حل لهذه الأزمة ؟
|
|
|