17/07/2007

حتى لا تتحول الحداثة في تونس الى الة للانتقام السياسي ...

 

بقلم: مرسل الكسيبي *


 
حين كتب الزميل المحترم برهان بسيس في لفتة كريمة وشجاعة مطالبا في لباقة السيد رئيس الجمهورية التونسية زين العابدين بن علي ب"العفو" عن القيادي الطلابي البارز والأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للطلبة المهندس عبد الكريم الهاروني,ومن ثمة اخلاء سبيله مع ثلة من رفاق دربه المناضلين في الحركة الطلابية والنقابية التونسية,حينها فوجئ الرأي العام الوطني في تونس باستبعاد الزميل بسيس عن الأضواء الاعلامية التي جلبتها له مشاكساته الايديولوجية مع مخالفيه في الرأي على صحيفة الصباح التونسية وشاشة الأي ان بي ANB .
 
بعد أسابيع مرت على هذا الحدث البارز الذي يعد خارقة سياسية وصحفية غير معهودة في التعاطي الاعلامي الرسمي مع ملف الاسلاميين الوسطيين في تونس , عاد زميلنا برهان الى منبريه مستأنفا حواراته ومجادلاته التحديثية التي غاب عن موائدها المعنيون بخصومة التحديث وأقصد بذلك المثقفون الاسلاميون من ذوي التوجهات التجديدية المعتدلة , وغاب بعد ذلك الحديث في الواجهات الرسمية القريبة من السلطة عن امكانيات الانفتاح والاصلاح و"العفو" ولو من زاوية انسانية ...!
 
على مدار أشهر مضت ,أصبح المثقفون ورجال الاعلام وقادة التيار الاصلاحي يبحثون عن بارقة أمل على صفحات الصباح أو الشروق أو أي واجهة اعلامية رسمية تونسية علهم يصدقون مايمنون به النفس من رؤية تونس من جديد على سكة الاصلاحات الحقوقية والسياسية التي تعد بها السلطة في مفتتح كل سنة سياسية جديدة ...
 
تعود كاتب هذا العمود على مجموعة من الصحف العربية وصحيفة الوسط التونسية على متابعة كتابات صديقنا وزميلنا الأستاذ صلاح الدين الجورشي عله يطالعنا في واحد من تحليلاته وتقاريره بمؤشر أمل جديد يفتح أمامنا باب الأمل بفك سراح المأسورين وعودة المنفيين الى تراب الوطن ولو بصفة زائرين منتظمين لأرض وشواطئ تركنا فيهما أجمل وأحلى ذكريات العمر ..., غير أن كل القصص الاخبارية لزميلنا الجورشي لم تخرج عن اطار المعطيات التبشيرية التي لايمكن رفعها الى مرتبة التحول السياسي الحقيقي الذي ننتظر أن تشهده تونس في زواياها الحقوقية وفضائها العام ...
 
بعبارة أخرى فان واقع الحال أمام رصد لما يكتب بوجه عام حول الأفق السياسي التونسي يحمل في حقيقة الأمر مؤشرات ثبات على نهج سياسي لايعترف بوجود أزمة حقوقية أو معتقلين سياسيين أو مظالم ارتكبت في حق الالاف من أبناء هذا البلد الطيب وشعبه الأصيل الذي حرم من تحقيق تطلعاته السياسية بالتوازي مع مايسجل في تونس من نسب تنموية نأمل أن تلقي بظلالها على نسب الرفاه والقدرة الشرائية لدى المواطن البسيط .
 
في ظل خنق الاعلام داخل البلاد وبقاء حريته ظاهرة مصادرة داخل شبكة الانترنت الخاضعة للرقابة الصارمة تونسيا , وفي ظل مطاردة الخبر المستقل رسميا على الشاشات الاخبارية والفضائية "شبه" المستقلة , وأمام العزوف الجماعي عن الانخراط في الشأن العام نتيجة ماتشهده البلاد من أجواء أمنية ضاغطة ومن ثمة انحسار المشاركة السياسية الى مستوى النواة الصلبة للمعارضة , فانه ليس أمام رفاق درب المهندس عبد الكريم الهاروني واخوانه المعتقلين على خلفية نضالهم السياسي الا التحرك الاعلامي والحقوقي والسياسي الضاغط والمستمر من أجل رفع هذه المظلمة عن ثلة من أخيار شباب تونس الذين حلموا بالحرية ودفعوا ضريبتها من أجسادهم وأعمارهم وأعز مايملكون في وطنهم ودنياهم .
 
كلمات وددت أن أرفعها الى القائمين على الخيارات التحديثية في تونس المحروسة , حتى لا أكون قد أغفلت حقوق المئات من الشبان المعتقلين نتاج ارائهم الدينية أو السياسية :
 
الى متى تستمر محنتنا الحقوقية والسياسية ؟ ,والى متى تستمر دولة التحديث المغشوش في استعمال أرصدتها القمعية ؟
 
الى متى تستمر هذه الالة الوحشية في نهش أجسادنا وحرياتنا وهل ثمة مجال بعد كل هذا الاصرار على الانتقام والتشفي من قادة الرأي وقوى المعارضة للحديث فعليا عن تجربة تحديث سياسي تونسية ؟
 
هل من شروط التحديث والعصرنة استعمال أدوات السجن واليات التعذيب من أجل قمع تجارب حداثوية اسلامية معتدلة تحلم بها كثير من دول العالم العربي والاسلامي في ضوء ماتعرفه أقطارها من زحف قوى الغلو والتطرف ...؟
 
ألم تسهم الجهات الرسمية التونسية بخياراتها المنغلقة سياسيا في تيئيس التونسيين من قوى الوسطية والاصلاح ومن ثمة تخريج جيل كافر بمعاني التدرج والمشاركة والمساهمة الرصينة في بناء الأوطان ؟
 
لقد كنت الى زمن قريب ومازلت اذا مارأيت مؤشرات جادة تدل على المراجعة, مؤمنا بخيار تثبيت الشرعية السياسية والسلطوية القائمة في مقابل مبادلة هذا الاعتراف التعاقدي بحالة سياسية انفراجية وانفتاحية غير قابلة للتراجع تونسيا, وهو مايعني بأننا نأمل مع حلول الذكرى الواحدة والخمسون على تاسيس الجمهورية التونسية بتاريخ 25 جويلية القادم استصدار عفو رئاسي في حق من تبقى من المعتقلين السياسيين, على أن تشرع الدولة التونسية في تسوية متدرجة لملف كل ضحايا حقبة التسعينات من الذين دهستهم حقبة سياسية لابد أن نقرر جماعيا القطيعة معها وهو مايمهد لعودة هادئة للمنفيين بعد اسقاط كل الأحكام القضائية المسيسة في حقهم.
 
لانريد أن نقطع الأمل في الجمهورية التونسية ولانريد استبدال الأوضاع السياسية الغالبة بأوضاع متغلبة, والكرة تبقى في ملعب رئيس الجمهورية التونسية الذي بيده مفاتيح ادخال تونس والتونسيين في حقبة وطنية جديدة نأمل أن تكون بحق حقبة تقطع مع ثقافة التشفي والانتقام التي يريد البعض أن يجعل منها قدر الدولة التونسية المعاصرة.
 
نأمل ألا يخيب ظننا مجددا في الجمهورية وعيد الجمهورية, وأن تكون مؤسسة الرئاسة على موعد وطني مع التاريخ والاصلاح حين تفك أسر عبد الكريم الهاروني واخوانه.
 
 
حرر بتاريخ 16 يوليو 2007
 
ارسل تعليقك على هذا المقال
 

* لمراسلة الكاتب ورئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية يرجى المكاتبة اليكترونيا على العنوان الاتي:

 reporteur2005@yahoo.de     http://www.tunisalwasat.info

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com