26/07/2007
 

بعض الحقائق التاريخيه عن المجاهد الهادى كعبار
 
بقلم: مختار محمد كعبار

 
قال الله تعالى: { يايّها الذين أمنوا إن جآءكُم فاسِق بِنبإ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بِجَهالة فتصبحوا عَلى مَافعَلْتم نادِمين}، وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: (كُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور، وكان متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) رواه البخاري ومسلم.
 
عندما يعجز البعض فى مواجهة الحجة بالحجة ومقارعة الفكرة بالفكرة ويرفضون قبول الرأى الأخر، وتنقطع بهم سبل المنطق بطرح البدائل السياسيه المغايره لطروحات واجتهادات الأخرين، فيلجاؤن الى اساليب التجريح والإساءة وتلفيق الأكاذيب وقول الزور، هناك بون شاسع بين اسلوب النقد الموضوعي البناء والهادف، وبين الإساءة والإفتراءات.
 
بأحد المواقع قام أحدهم سمى نفسه (ليبى مهتم) بنشر صورة لرسالة أراد أن يوهم بعنوان خطه بنفسه ومن مخيلته (رسالة من عميل الطليان الهادى كعبار الى عميل الطليان أحمد ضياء الدين المنتصر) مع صور من الكتاب لتظهر كأنها وردت هكذا.
 
تلك الرسالة حسب تاريخها هو يوم الأحد 26 يناير 1913م الموافق 18 صفر 1331 هجرى، وتحديد التاريخ مهم لمعرفة كل الظروف والملابسات وحوادث ووقائع تلك الفتره وماقبلها، فهذا التاريخ يعقب بثلاث اشهر إنعقاد مؤتمر العزيزيه فى يوم 28 اكتوبر سنة 1912 والذى حضره وشارك فيه قادة الجهاد والأعيان ومشائخ القبائل فى طرابلس الغرب ومنهم المجاهد الهادى كعبار لدراسة تفاعلات وتداعيات معاهدة أوشى بمدينة لوزان فى 18 أكتوبر سنة 1912 م بين تركيا وإيطاليا والذى بموجبه تنازلت تركيا عن ليبيا، وقررت سحب جيشها وقياداته العسكريه، كما حضر هذا الاجتماع ايضاً نشأت باشا وإسحاق باشا وأركان حربهما ليبلغوا المجاهدين عن عزم عودة القوات التركيه لإستانبول وقال لهم أجُبرت حكومتنا على قبول الصلح مهما كان قاسياً، واليوم بصفتكم احراراً مستقلين يجب أن تديروا شؤونكم بأنفسكم.
 
وبعد دراسة الأوضاع عامة قرر أغلب الزعماء الطرابلسيين الى القبول بالسلم والصلح على مضض مع الإيطاليين وتنفيذ المعاهده لانهم لن يكون بوسعهم الحصول على السلاح والذخيره والمال والمؤن والدعم للأستمرار فى الجهاد، وكان هذا رأى الأغلبيه بأن الالتجاء للحرب غير مجد تحت تلك الظروف واخذ ما يمكن أخذه والمطالبه بما بقى، مع مطالبة الإيطاليين بتطبيق مرسوم الإستقلال الذى اتفق فيه الطليان مع الأتراك، ومن هؤلاء الأغلبيه المجاهدين الهادى كعبار وأحمد المريض وعلى بن تنتوش والشيخ فرحات الزاوى والشيخ عبدالله بورخيص والساعدى بن سلطان ومفتى الزاويه والطيب البشتى وجميع أعيان الزاويه وورشفانة وغريان والنواحى الأربع وصرمان وصبراته والعجيلات وترهونه إلى مصراته، اذاً هذا لم يكن قرار المجاهد الهادى كعبار وحده بل كان قراراً جماعياً لإغلب قادة الجهاد وكافة الأعيان بمناطق طرابلس. راجع (كتاب جهاد الأبطال صفحات 161- 162 – 176) و(كتاب المقاومه الليبيه ضد الإحتلال الإيطالى ص 28) و (كتاب الشيخ فرحات الزاوى للدكتور محمد الطوير ص 71 و 75 و77).
 
يمكن العوده للأسباب التى فرضت قبول السلم بتوسع فى كتاب (الشيخ فرحات الزاوى للدكتور محمد الطوير ص 78- 79 ). ذكر منها حالة البؤس والتشتت والتشرد التى كانت سائده فى ليبيا والتى كان يعيشها السكان باطفالهم ونسائهم وشيوخهم، منذ بداية الحرب بالإضافة الى الأعداد الكبيره من الضحايا، مع وجود أعداد كبيرة من القوات الإيطاليه على ارض الوطن مجهزه بأحدث الأسلحه والعتاد ووسائل الفتك والتدمير، وفرق الأحباش والأريتريين، زد على ذلك التضامن والتأييد السياسى لإيطاليا من سائر الدول الغربيه.
 
أذاً كانت تلك هى الفترة التى تمت فيها تلك المراسله اى وقت الصلح المؤقت بين المجاهدين الطرابلسيين عامة والمحتل الإيطالى، والتى انضم فيها ايضاً المجاهد رمضان السويحلى، ولكن تلك الصفحة طويت بعد سنتين عندما أذن الله وتغيرت الأمور فانقلب الليبيون على الإيطاليين فى معركة القرضابيه سنة 1915 م فكان المجاهد الهادى كعبار وأهالى غريان فى مقدمة الثائرين لإجلاء الإيطاليين عن غريان، واتخذ الهادى كعبار وأخوه مختار كعبار ومعهم الشيخ المجاهد سوف رحمهم الله وغيرهم من قادة الجهاد "العزيزية" مركزا لإدارة الجهاد. (ص 491 جهاد الأبطال).
 
وقبل ذلك الصلح المؤقت فأن للمجاهد الهادى كعبار دوراً بارزا فى قيادة ودعم الجهاد فعلى سبيل المثال وليس الحصر انه فى معركة عين زاره المشهوره سنة 1912 م أعد وسيّر جيش النُصره من غريان إلى طرابلس كان أوله فى أبوغيلان وآخره فى تغسات وكان عدد الخيول 2000 حصان (ص 39 الشيخ محمد فرحات الزاوى للدكتور محمد الطوير)، وتحقق النصر فى تلك المعركه على الإيطاليين الفاشست.
 
لقد ظل دور المجاهد الهادى كعبار الجهادى والقيادى والسياسى محل احترام وتقدير رفاقه المجاهدين بل واحترام اعدائه، وكان منزل الأسرة بغريان رمزاً للجهاد والمقاومة والزعامة الوطنيه فكان منتدى للقاء الكثيرين من المجاهدين امثال الشيخ المجاهد الكبير محمد فرحات الزاوى الذى كان كثيرالتردد عليه (ص129 كتاب محمد فرحات الزاوى)، وفى سنة 1920م كان سجناً للجنود الأيطاليين السبعون الذين اسرهم المجاهد مختار كعبار بالقواسم (ص392 جهاد الأبطال)، كما كانت ثكنة خُزّنت فيها الأسلحه بعد اتفاقية صلح بن يادم فى سنة 1911م.
 
ولان البيت كان رمزاً للمقاومه فقام الجيش الإيطالى بتدمير بيت آل كعبار بغريان (كتاب بعد القرضابيه ص 121 للأستاذ خليفه التليسى).
 
وبقى دور الهادى كعبار بين الزعماء الطرابلسيين فى الصف الأول الى أن وقع فى ايدى أعدائه فى 20 نوفمبر 1922م حيث احتجزه الجنرال جرسياني كرهينة منذ ذلك التاريخ الى ان نُقل الى سجن مدينة الخمس وظل به حتى تم تحويله للمحاكمة في مدينة مصراته في 28 من مايو 1923م. (بعد القرضابية ص 135 للأستاذ خليفة التليسي).
 
وقبل احتجازه من قبل الطليان رفض ان يفر او يهاجر وقال للشيخ المجاهد فرحات الزاوى عندما عرض عليه الخروج: "شوف يافرحات بى، انا غريانى، وبلدى غريان، وأهلى غريان، فأنا لا أترك غريان فليصيبنى ما يصيب غريان". (كتاب فرحات الزاوى للدكتور محمد الطوير ص 128 – 131 والشريط رقم 2/51 مركز دراسات الجهاد).
 
وفي أيام 28، 29، 30، من مايو عام 1923م مَثُل المجاهد الهادي كعبار وابنه المجاهد محمد ومجموعة من المجاهدين الأبطال وهم معيتيق بن عقيلة ومحمد بن الضاوي عبد الرحمن ومحمد بن مسعود والحاج علي بلوط امام محكمة عسكرية إيطالية بمدينة مصراته وأصدرت حكمها باعدامهم شنقاً. (بعد القرضابية ص 137).
 
لقد نفذ الإيطاليين الفاشست حكم الإعدام في يوم 31 مايو عام 1923 في المجاهد الهادي كعبار وابنه المجاهد محمد وفي بقية أخوانه المجاهدين، وقد تعمد الإيطاليون الفاشست محاكمة المجاهد الهادي كعبار بمدينة مصراته واعدامه بميدانها باعتباره احد اعضاء الحكومة الطرابلسية التي كان مقرها مدينة مصراته. (بعد القرضابية ص 135 و137 ).
 
وعملية المفاوضات مع العدو الإيطالى قد فرضتها فى بعض الأوقات ظروف تلك المرحله، فمثلأ لو نقيس على أن التفاوض للمصلحة الوطنيه عماله لما نجا من مثل هذا الإتهام أحد فالمجاهد عمر المختار فاوض الإيطاليين، وسليمان البارونى استلم خطاب شكر فى 12 نوفمبر 1912م من الجنرال تومازى امير الجيوش الإيطاليه فى ولايتى طرابلس وبنغازى على المعاملة الحسنه التى اولاها البارونى لرئيس البعثة الإيطاليه "سفورزا" نص الرساله فى ص 163 من كتاب جهاد الأبطال، والشيخ الطاهر الزاوى قال: "ولو أخدنا بإشاعات من لايدركون الأمور لما وجدنا مبرراً لوساطة البارونى بين الطليان وبين خليفة بن عسكر، وكثير من الناس لايحسن الظن بمن لايدرك عقله آرائهم، فيخيل له - من طريق الجهل وقصر النظر - أنهم خائنون فيتناولهم بما هم منه براء، وهم فى تقديرهم للوطن ومحافظتهم على كرامته فوق مستوى عقول هؤلاء وفوق مايدركون" ( ص 177 من جهاد الأبطال).
 
ولكان الملك ادريس السنوسى رحمه الله ومن وافقه من السنوسيين على اتفاقية الزويتينه سنة 1916م وكذلك اتفاقية الرجمه من المتهمين بالعماله، لكن ظروف المرحله وما تتطلبه من اجتهادات للمجاهدين لايجب ان تخضع لاستنتاجات السذج من الجهلة بالتاريخ ومن لايعرفون طبيعة المرحلة وظروف الجهاد وكل الوقائع وهم يجلسون على مقاعدهم المريحه فى عصرنا هذا.
 
أنه يكفى ان اورد هنا ما قاله أعداء المجاهد الهادى كعبار عنه، ففى صحيفة كورييرى دى تريبولى الإيطاليه الصادره يوم 1 يونيو 1923 بعد يوم من إعدام الهادى كعبار قالت: "إن شخصية الهادى كعـبار كانت دائماً فى الصف بين أولئك الذين عمدوا فى جميع الحالات وفى كل الظروف إلى إهانة إيطاليا والغدر بها". (الأستاذ خليفة التليسى فى كتاب بعد القرضابيه ص 139).
 
وبعد اسبوع من إعدامه وفى يوم 8 يونيو 1923 قالت نفس الصحيفه: "لقد إختفت من المسرح السياسى الطرابلسى بزوال صورة الهادى كعبار إحدى العناصر الرئيسية التى تشكل خيوط الثورة الداميه التى وجدت نهايتها على سفوح الجبل بالهزيمة التامه لأولئك المسلحين الذين وقفوا ضد سيادة سلطة الحكومة الإيطالية". (الأستاذ خليفة التليسى فى كتاب بعد القرضابيه ص 139).
 
اما اشد أعدائه الجنرال جرسيانى الذى أشرف على شنقه قال: "واجـه المشنقة بشِمم وإباء". (بعد القرضابيه ص 138)، وفى كتابه (نحو فزان ص 143) قال جرسيانى: "كان هذا الزعيم (الهادى كعبار) لا ينقصه الذكاء والكفاية، وكان يعمل دائماً ٌلإلحاق الضرر بنا وضد مصالحنا"، وفى (ص 158 من كتابه نحو فزان) قال: "ولذلك كان شنقه (الهادى كعبار) حجر الزاويه فى طريق إعادة الإستيلاء على البلاد بنظرات واضحه وشجاعة وحساب دقيق للعواقب".
 
ونقل الشيخ الطاهر الزاوى فى كتابه (جهاد الأبطال ص 353) ان الجنرال جرسيانى فى كتابه نحو فزان قال: "إن الزعماء الرئيسيين الذين حولوا حقنا إلى طيف خيال، وحكم غير مباشر وإلى حالة من الاذلال والإهانه هم: رمضان الشتيوى وأحمد المريض والصويعى الخيتونى وعبد الرحمن عزام ومحمد فكينى وعلى الشنطه والأخوان الهادى ومختار كعبار وخليفه بن عسكر وغيرهم".
 
أما ما قاله فيه بعض المؤرخين الوطنيين الليبيين فنوجز منهم ما قاله: الشيخ الطاهر الزاوى، فى (كتابه جهاد الأبطال ص 174) "ولو تتبعـنا أدوار القضيـة الطرابلسيـة كلها من سنة 1911 م إلى سنة 1922 م لا نجد مجالاً من مجالات القول أو العمل إلا والهادى كعبار يشغـل منه مركزاً يليق بمقد رته ومكانته". وفى نفس الكتاب (ص 172) يقول الشيخ الزاوى: "رأيت أن أجمل سيرة الهادى كعبار فى الجهاد الطرابلسى من يوم أن إحتل الطليان طرابلس إلى أن توفى عليه رحمة الله".
 
ويواصل الشيخ الطاهر الزاوى وهو من عرفه عن قرب والتقاه فيقول فى (إعلام ليبيا ص 413): "ولما وقعت الحرب الطرابلسيه سنة 1911 م كان فى مقدمة الأعيان الذين دعوا إلى الجهاد وقاموا به. وكان معدوداً كالهادى كعبار" فى طبقة المفكرين ممن يحترم الناس آراءهم".
 
أما الأديب والمؤرخ الأستاذ خليفة التليسى فى كتابه بعد القرضابيه ص 133 : (إن الرجل "الهادى كعبار" لم يطلب ولم يشترط أية ضمانات لإنقاذ حياته أو سلامة املاكه).
 
أما الأستاذ الباحث الدكتور فرج نجم فى كتابه سير الأجداد بين الإبتلاء والغبن والتخوين ص 47 قال: (ولمن نسى أن من سفوح غريان خرج رجال صناديد كأل كعبار وبرشان وبورخيص ومحمد توفيق الغريانى وغيرهم، وهم جلهم فخر بهذا الجبل الأشم كما قال الشهيد الهادى كعبار: انا غريانى، وبلدى غريان، وأهلى غريان، فأنا لا أترك غريان فليصيبنى ما يصيب غريان).
 
هذا مختصر عن هذا المجاهد الذى نال هو وابنه محمد شرف الشهاده فى سبيل دينه ووطنه على اعواد مشانق الفاشست وبحضور الجنرال جرسيانى الذى حرص على أن يكون موجوداً أثناء محاكمته وشنقه للدلالة على أهميه القضاء عليه بالنسبة للإيطاليين، كما نال الشهادة حفيده رشيد كعبار (أبن ابنه) على اعواد مشانق جامعة طرابلس فى يوم 16 أبريل من عام 1984م.
 
مختار محمد كعبار
 
ناشط سياسى ونقابى
أرشيف الكاتب

 


للتعليق على المقال

الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:
 

nbm: قد اقشعر بدني وسعدت بغيرتك وسرد الحقيقة لابطال الجهاد الليبي وخاصة المجاهد والسياسي المحنك الشهيد الهادي كعبار التغرني الداودي الغرياني. ياحفيد الابطال سلام شوق من صاحب وديد لوده...سلام اندزه سلام شوق لصاحب عزيز انعزه...سلام خوت ما في يوم  ريح اتهزه...


etrabelsee: Dear Mr. Kabaar, I keep reading your articles, I must say that I learn something new at very instant about our Libyan history. Please keep going. Don't pay any attention to these individuals, those who jump the gun and create their own conclusions.

wassalaam......etrabelsee.

 

 

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 
libyaalmostakbal@yahoo.com