في كثير من
الأحيان يقف كل واحد منا علي لحظات ليرسو علي شاطئ التلاقي...ندع أشعة الشمس
تدغدغ أعصابنا وتفتح عيوننا...لنسطر علي صفحات اوراقنا البيضاء بعض من سطور
مشاعر وذكريات تنتظر بوح قلوبنا...صرخة علي همة تفيق او ذاكرة تنتفض من تحت
حطام الحياة...ذكريات أوقدتها شموع الحروف...مرتدية أثواب النور والأمل...نور
ينير ظلمات دهر مضي...نور يمتد في الأزقة والشوارع ليصنع النعيم من العذاب...وأمل
تتفتح له الأزهار...لتغسل مأسي الزمان...أمل بكف...يمسح دمعة, او قلب...يحضن
محتاجاً أو ضحكة...تسرق بسمة.
الرياح تحيا كل
يوم لتحي معها ذكريات تراود أجنحتي وأنا كفراشة غافية علي اوراق زمن مضي...ذكريات
تعزف علي وتر مشاعري المرهقة ليرقص قلمي بين حروف تدفقت علي ذائقتي المتواضعه
وبين بياض صفحات هذه السطور...حروف تزف الحزن بقلب تجرع مرارة الفراق...وسبح
البحار والمحيطات بسواعد كسرتها المحن...تزف السخط علي اشباح الكفر والظلام...علي
من يلهثون وراء السلطة...والمال...والدماء...يشربون الغدر بأكوب ذهبية...ويقطعون
الرقاب بسكاكين الليل...نعم حروف تزف الحزن بقلب تجرع مرارة الفراق...فراق
رفاق واحباب طواهم الموت...لتبقي أرواحهم خالدة في ذاكرتي, ترسمني حلماً
تائهاً خلف مرتفعات الضباب...هناك هناك...هناك بعيداً عند حدود الأحتمال...وبرحيلهم
أبقي سراب مختنق بدخان الأحلام وأحساس يتساقط كأوراق الخريف...ورق يائس يبحث
عن فصل جديد...فما أقبح الحياة عندما تخلو من أزهارها الجميله...فالرياح,
أيها ألرفاق, تحيا كل يوم لتحي معها ذكريات تغفو في اوراقي...في صفحات ايامي...ثم
تسقطني ممدداً لأموت ببطء فوق نعش كلماتي...عسي ان يتصادم تقدم الماضي
بالحاضر...ليكون لقاء الزمن الذي تجسد بعمود من نور ونار.
تهشم الأنسان في
بلدي وماتت تلك الروح...تألمت كثيراً لأجيال عديدة, تألمت لقدر معتم قادم...لموت
مملكتي....المملكة الليبيه المتحدة...تألمت...لموت بسمة مدينتي ...حيث تأخذني
ذاكرتي لذلك اليوم...تأخذني الي مدينتي...مدينة ميلادي....درنه...حملتني
ذاكرتي الي تثاؤب الشمس حين تغزو في السماء خيوط الفجر الأولي...أقبلها شارعا
شارعاً وأشعل الشموع علي ارصفتها...انثر في دروبها اوراق الزهور لتحملها
الرياح حيث تشاء...أنشر بشعاع فجرها أول قصة حب كتبناها معاً...لا تتجاوز
حروفها حروف أسمها...قصة مسافر نحو ربيع دائم...قصة غدر البشر وحكم القدر...وبين
غدر البشر وحكم القدر تتبلد الأمه امام رحيل وطن...هناك بين غدر البشر وحكم
القدر طُلب منا ان نختار بين حب الوطن او الكرامة فأخترنا الكرامة...فيا ليت
الرجعية تعود يوما لأخبرها بما فعلته الثورية...ويا ليت الحب يعود يوما
لأخبره بما فعلته الكرامة...فها هي رياح الأيام تمضي علي مدينتي...تسكنها
سنابل أذبلتها الأحزان بعد ان كانت شرف انحنائها...تنتظر معي فرحاً فقدناه
يوماً...تنتظر معي تكرار التاريخ...وأتذكر صراخ "هاملت"...أه...فلتمت...فلتمت...ولتحفر
قبرك بيدك...وتخلد لذلك الصمت القاتل...والرعب الذي لا يبصر...وكأن "هاملت"
يناجيني ذلك اليوم...يوم الأحد...الواحد والثلاثون من شهر أغسطس سنة 1969 ...غدر
بشر وحكم قدر, قدر يقهقه بضحكة خداع خبيثة ويحمل سيف التحدي...ثم تأخذني
ذاكرتي ألي تصفحاتي لأوراق التارخ...لأذكركم بقصة باريس وموسكو...
عندما اندلعت
نيران الثورة الفرنسية كان الشعب الفرنسي نفسه أول من فوجئ بها، ولم يكن في
حساب الشعب أن يقوم بثورة، ولم يكن هناك أي إعداد لقيام ثورة.. ولقد كان
الحكام يتصورون أن كلمة الباستيل وحدها كافية لخنق أي فكرة من أفكار الحرية،
ومع ذلك ففي صباح ذات يوم أصبح هذا الباستيل أثرًا بعد عين، وذبح الحكام كما
تذبح الشياه، وسالت دماء السادة الذين كانوا غارقين في الأموال والنفوذ
والسلطات, والذين كانوا لا يتحدثون إلا عن الجواهر التي يلبسونها أو التي
يشترونها, والذين كانوا يتلفتون حولهم في كل ليلة فيبهرهم مقدار الجمال
والثراء والسلطان الذي يحيط بهم. ومع ذلك فقد كانت باريس تغلي غليان المرجل،
وكانت فرنسا كلها وراء باريس لا تنتظر سوى الإشارة، فلما كان هذا الحادث
العارض, حادث سقوط الباستيل, إذا بالثورة الجارفة التي لم يسمع التاريخ
بمثلها تقيم الجيلوتين لتحصد هذه الرءوس الجميلة حصدًا، وكان من أمر الثورة
الفرنسية ما كان، ومما هو مشهور ومعروف.
وعندما قامت
الثورة الشيوعية في روسيا كان الشعب الروسي هو أول من فوجئ بها، المحن
والكوارث التي توالت على الشعب كانت قد جعلت التفكير في الثورة شيئًا بعيدًا
إلا في رءوس النفر القليل من الشيوعيين، ومع ذلك ففي خمسة أيام.. خمسة أيام
مشهورة في التاريخ الحديث.. خمسة أيام وصفها التاريخ ساعة فساعة ودقيقة
فدقيقة.. وكيف بدأت بمظاهرة عادية لا تحمل في ثناياها أي معنى غير عادي، ثم
تطورت بعد ذلك فإذا بها ثورة.. ثورة جارفة.. وظن القيصر وظنت حكومته أنها
قادرة في نهاية الأمر على تهدئة غضب الشعب بمنحه ما كان يطالب به من إصلاحات،
فإذا الشعب لا يرضى بغير تغيير شامل كامل.. وفي كل ساعة كانت مطالب الشعب
تزداد وتقوى حتى إن تنازل القيصر عن العرش لابنه لم يعد مقبولاً في اليوم
الرابع، وأصبحت المطالب تتلخص في كلمة واحدة؛ وهي القضاء على القيصرية وإعلان
الجمهورية. وقد حدث هذا التحول العجيب في خمسة أيام فقط، فليرجع إليها من
يريد أن يطالع، ومن يريد أن يعتبر ويتعظ...
فمن يقول لي شاءت
الأقدار...أقول له أنت شئت...لا الأقدار...لقد حان الوقت...قم وتصفح تاريخ
هاتان الثورتان...لا تحجب شعاع شمس الحق...لقد حان موعد تحطم أصنام الظلام...لنقف
جميعاً في كل الساحات, في صف واحد, لنقول لقتلة ألأطفال...لقتلة الشهداء...جاء
الحق وزهق الباطل...ولننتصر علي الموت وعلي الحقد ولتبقي لنا ليبيا...نحن
بحاجة الي صحوة جديده لأعادة ليبيا الي مسارها الطبيعي...لا يمكن ولا نسمح ان
نظل أسري لهذا التيه النفسي...لابد ان نحزم أمورنا ونتقدم ألي الأمام...نحن
الأن نعيش في حالة تلكؤ رهيبة تلفنا بغبارها وبضبابها الكثيف...اننا بحاجة
ألي روح جديدة ودم جديد وعزم جديد لنصنع الغد الجديد...لتعانق صرخات حي علي
الفلاح...صرخات حي علي الكفاح...فستبقي ربوعنا داميةحتي نغير ما بأنفسنا...ونقتلع
الخوف ونعي من هو عدونا...عدونا الذي أحرق الحرث والنسل وأشعل النار بالنار...فحذراً...حذراً...يا
صانع اموت...حذراً من دورة الزمان.
|
|
|