" كُورا أنذيرا " والحالة الليبية والاصلاح
بقلم: مختار
محمد كعبار
|

|
|
|
المتتبع
للوضع السياسى الليبى وما يشوبه من غموض وتلبد وضبابيه فى
حقيقة نوايا وتوجهات النظام من قضية الاصلاح والتطوير
والمصالحة الوطنيه، وما يعتريه من تباين فى المواقف وتضارب
فى الاقوال والافعال لرجاله وبعض اركانه، وما يحصل من تلكأ
وتأخير وتعثر وتردد ومماطله فى اتخاد خطوات جديه فعليه
وعملية حقيقيه للاصلاح بعد مرور خمس سنوات، مع عدم جلاء
الصورة وضوح الرؤيه فيما يُخطط له فى حقيقة الامر من
تصورات تجاه الاصلاح السياسى، وعدم الاستقرار على وثيرة
ثابثه ومحدده للاصلاح، واتباع الدولة الليبيه لحد الان
لاساليب العلاج ب"البلاسيبو Placebo" (1)، للتخفيف من
معاناة الشعب ببيع الاوهام الخادعه بالتحسين الصورى
والتجميلى فى الاوضاع العامه، كما ان كيفية وطريقة الاعداد
لمرحلة مابعد الأخ العقيد معمر القذافى وما يكتنفها من
غموض وتساؤلات وسيناريوهات الخلافة، يجعل الليبيين
المتفائلين والطامحين والحالمين اصحاب الأمال المعلقة
بالاصلاح السياسى والاقتصادى والمصالحة الوطنية، يفقدون
الامل فى حصول اى تقدم فى تطوير او او اصلاح للدولة
الليبيه، وفى حصول الليبيين على مطالبهم وحقوقهم المشروعه
فى الديمقراطية الحقيقيه، بل وتدخل الحيرة والشكوك عقولهم
واليأس والقنوط نفوسهم وقلوبهم، مما سيخلق نوعاً من
التململ والاحباط ، قد تتحول لغضب وثورة شعبيه.
ذكرتنى هذه
الحيرة والغموض وعدم معرفة حقيقة التوجهات للدولة الليبيه
فى مجال الاصلاح وقراءه الخطوات المستقبليه التى ينوى
النظام الليبى القيام بها او المسارات والخيارات التى يخطط
للسير فيها، بسنوات عشتها بمدينة هيوستن بولاية تكساس
الامريكيه فى اوائل السبعينات من القرن الماضى، حيث كانت
تعيش هناك جاليه كبيرة من المهاجرين المكسيكيين الغير
شرعيين، وكانت السلطات الاتحادية للهجرة تغض الطرف عنهم
لاسباب تتطلبها مصالح ولاية تكساس فى مرحلة "البومنيج"
النمو العمرانى والإزدهار والتطور الاقتصادى فى بدايات
السبعينات، للعمل كعمال رخيصى الأجر ودون اى حقوق قانونيه،
فى بناء ناطحات السحاب وانشاء الطرق السريعه والبنى
التحتيه، وفى الوظائف الوضيعة مثل جنى المنتجات الزراعيه
والعمل فى مزارع قطعان ابقار اللحوم (كاتل رانش)، كان
هولاء المهاجرون المكسيكيون يطلق عليهم اهل تكساس "تشيكانو
Chicano" وهو تعبير تحقيرى شوفينى عنصرى يعنى المكسيكى
التكساسى، تطور فيما بعد الى "هيسبانكس Hispanics"، اى
امريكيين من اصول اسبانيه.
كان جد معروف
عن هولاء الغرباء المكسيكيين رغم انهم يتبعون الديانة
الكاثوليكيه، الا انهم لم يتخلوا عن كل عقائدهم الاصليه
والهندية الحمراء القديمه لحضارة الازتيك التى دمرها
الغزاة الأسبان، فكانوا يؤمنون وبشكل غريب ومدمن بالخرافات
والاتصال بالعالم الغيبى وبقراءة الكف والتنجيم والزيارات
شبه اليومية لما يعرف ب"كُورا أنذيرا" (2) اى العرافه اكثر
من زيارة القسيس ودخول صندوق كرسى الاعتراف بالكنيسه، وذلك
لمطالعة البخت وطلب التمائم وقراءة الكف لمعرفة مايخبئه
المستقبل، وهذا هو الاهم عندهم وذلك نتيجةً لحياة عدم
الاستقرار التى يعيشونها وعدم وضوح مستقبلهم الحياتى
وغموضه ولمعرفة ماستكون عليه الامور من يوم لأخر والى ما
سيؤول اليه مستقبلهم، منها مثلاً هل سيجدون عمل خلال ذلك
الاسبوع، وهل سيتم ايقافهم من قبل الشرطه ويرحلون، وهل
ستكون للسائل علاقة مع سيدة معينه، اويريد احدهم معرفة من
سرق محفظته او من خطف خليلته عندما افرط فى شراب "التاكيلا"
(3) وفقد وعيه، وهل ستنجح زوجته من عبور الحدود من المكسيك
وتلتحق به فى تكساس، وهل ان كان سيسقط من علو شاهق اثناء
عمله من احدى ناطحات السحاب ويموت اشلاءً، وهل سيصبح يوما
ما كاوبوى امريكى حقيقى او سيبقى مجرد عامل وضيع فى حلبات
"الروديو" (4) كلاعب "بوكر كاوبوى" (5) ويلقى حتفه بين
قرنى ثور هائج، وغيرها من هموم المكسيكى المسحوق والتائه
الغلبان والمغلوب على امره.
هذا هو حال
الليبيين والليبييات هذه الايام فالكثيرين اصبحوا يضربون
اخماساً فى اسداس وتدور التخمينات فى رؤسهم ويحلمون
بالاصلاح ومتى يأتى هذا الاصلاح ويمنون انفسهم به، وكيف
يكون، وهل هناك مسرحية اعداد للثوريث وكيف يكون الثوريث
ومن هو صاحب الحظ فى وراثة الاخ العقيد، وهل النيه صادقة
عند النظام للاصلاح ام هى مجرد لعبة للكراسي الموسيقية
وتوزيع ادوار التمثيل في مسرحية مايسمى (تطوير نظرية
النظام الجماهيري)، لبيع الاحلام والامال بالوعود الفضفاضه.
واذا بقى بعض الليبيين فى الداخل والخارج على الهامش غير
مبالين بما يجرى، والبعض لأخر فى مجرد تدبيج بيانات
التنديد فى المناسبات المختلفه فقط ، والبعض فى اصطياد
الفرص للنيل من المجتهدين بالرأى والتشكيك فى نواياهم
باطلاق الاتهامات على من يريد ان يعبر عن رأيه، وبعض من
القلة المرضى يحاولون تشويه الآخرين والنيل منهم بالتجريح
والقذف والذم البذئ والمستهجن والسباب والشتائم البذيئه.
لذا اقول مجازاً ربما من الاحسن لنا التوجه والبحث عن "كُورا
أنذيرا" ليبية لتقراء لنا الطالع وترمى القذح وتفصل لنا
المستقبل وترفع الغطاء عن الحجاب لكشف المستور ومعرفة
ماستصير اليه الامور حتى ترتاح اعصابنا جميعاً.
سيبقى
الاصلاح مجرد اوهام واضغات احلام، طالما ان اغلبية
الليبيين فى الداخل مغلوبون على امرهم لايساهمون فى حراك
الاصلاح، خوفاً من العواقب نتيجة ترسبات الماضى فى تكميم
الافواه وكتم الانفس، اما فى الخارج بعضاً منا سلبيون
وينتظرون من الأخرين اخذ زمام المبادرة، ولايشاركون بجديه
فى صنع الاصلاح بفاعليه ولايساهمون فى الدفع بالاصلاح بشكل
ايجابى بالتجاوب مع بعض المبادرات الايجابية من كتاب
ومثقفى وبعض القيادات الشابه من الداخل، وتوجيه النصح وطرح
رؤى عمليه وواقعيه وايجابيه للاصلاح تساعد على السير
باتخاذ الخطوات الفاعله للاصلاح والتغير وتدفع به، وتوجيه
والنقد الهادئ الهادف والموضوعى دون هواجس الخوف، وكما قال
المهندس سيف: (ان عصر الخوف والرعب، وعصر الاستثناءات
انتهى الى غير رجعه).
فالحديث عن
الاصلاح يبقى ناقصاً دون التعرض للفساد، والذى يعتبر من
وجهة نظرى العقبة الكأداء المعوقه للاصلاح، وما اقصده
بالفساد هو سوء ادارة المال العام ونهبه وفساد الذمه
الماليه وانتشار الرشوه دون ضابط ولا رقيب، ومع تفاقم هذا
الفساد فى الاجهزه المختلفه للدوله، تحول كبار موظفى
الجهاز الحكومى البيروقراطى الى ما يشبه البرجوازيه
الجديده، او بالاصح العصابة او كما اطلق عليها سيف الاسلام
القذافى "المافيا الليبيه والقطط السمان"، وهذا ماحصل فعلاً
فى ليبيا. وهؤلاء شلة من الفاسدين سيطروا بحكم المناصب وفى
غياب المحاسبه على المقدرات الماليه والاقتصاديه لليبيين،
وهم فئه متنفذه من بعض عناصر اللجان الثوريه ومؤتمر الشعب
العام واللجنه الشعبية العامة، اصبحت متطبعة على الفساد
والفوضى الاقتصادية وتمارسه بشكل مفرط ، مستغلةً نظرية (السلطة
والثروه) لتحقيق اقصى المكاسب الشخصيه والثراء الفاحش على
حساب المجتمع، وتتبع هولاء حاشية من المستفيدين من الابناء
والاقارب والاصدقاء وعن طريقهم ينمو الفساد ويتكاثر
المنتفعيين به، لذا تحاول هذه الفئه اعاقة الاصلاح، لانه
ليس من مصلحتها فقدان سيطرتها وخسارة مزاياها ومنافعها،
والضرورة تفرض عليها منع الاصلاح حمايه لاستمرار الفساد
لانه فى النهاية حماية لهم ولمكاسبهم، وفى ظل الغياب
الكامل للمحاسبة القانونيه والمتابعة الرقابيه والشفافيه
وعدم وجود جهاز او برنامج حقيقى لمحاربة الفساد واستصاله،
يزداد استشراء الفساد وتسود المفاهيم المؤصلة للفساد
ويتحول الفساد شيئاً فشياً الى ثقافة سائده وواقع اجتماعى
مستساغ ومقبول يتعامل به الجميع دون مواراة، ويصبح الفساد
هو الامر الطبيعى وليس الأستثناء.
وقد اشار
الاخ جمال الحاجى فى مقالة له وقال: (الاصلاح المطلوب فى
ليبيا هو اجتثات الفساد من جدوره مع منظومته وقاعدته
المؤسسه له)، واستطرد قائلاً: (لم يعد الفساد في ليبيا
شيئا ماديا ً محسوسا ً يمكن المسك به وطرده إلى خارج
المكان .. بل الفساد أصبح معنويا ً لارتباطه بأشخاص وأفكار
وقوانين وأماكن معينة تقف بقوة معه وفي وجه الإصلاح ..
أصبح الفساد مقيما ً .. وليس طارئا ً .. في كل شيء .. وفي
كل مكان، فقادة هذا الفساد وأنصاره يملكون كل شيء في هذا
البلد .. ويعلمون جرمهم ويسيرون فيه كخيار استراتيجي).
انتهى.
نتمنى من
الاخ العقيد معمر القذافى ان يؤكد على مصداقية نظامه
الثورى، والمهندس سيف على الالتزام والوفاء بوعوده التى
اعلنها بالتشاور والتنسيق مع الاخ العقيد كما ذكر فى حديثه
لقناة الجزيره: بمراجعة ذاتيه لتجربة الحكم والسعى فى
برنامج ليبيا الغد وفتح باب الحريات وان عصر الخوف ذهب دون
رجعه، والاصلاحات السياسيه وتفعيل دولة المؤسسات والقانون
ومحاربة الفساد، ونحن نحسن الظن فى هذه الوعود واصحابها،
ولكن التخلص من الفساد والمتورطين فيه والقضاء على هذه
الظاهرة المشينه، وايقاف اهدار واستنزاف امكانيات ليبيا
الماديه على يد هؤلاء الفاسدين، لايتم الا اذا تمت محاربة
الفساد والتعامل بجدية معه واقصاء الفساد المالى والادارى
وفساد الذمة من جميع اجهزة الدولة الليبيه واستئصاله، من
خلال مواجهته بقوانين صرامة واجراءات حازمه ومحاسبة رادعه،
والا يصبح خطراُ على النظام نفسه ومدخلاً للانقضاض عليه
واسقاطه. ولن يتأتى هذا الا باصلاح سياسى حقيقى لنظام
الدوله بما يتضمه من تقويم للحياة السياسيه وفصل السلطات
وتعزيز المشاركه الشعبيه فى جميع ادوات الحكم، وفتح المجال
لصحافة حره تكشف الفساد وتعريه وتكشف عوراته، مع وجود قضاء
مستقل وعادل، هذه هى المفاتيح والمدخل الصحيح لمكافحة
الفساد ومن تم إطلاق برنامج التنيميه الانمائيه
والاقتصاديه والاجتماعيه والتعليميه، لتحصين الجبهة
الداخليه، ولمواجهة اخطار الضغوط والتدخلات الخارجيه، والا
يصبح لا فائدة من التحدث عن الاصلاح، ويبقى مجرد مناورات
لذر الرماد فى العيون لتغطية الفشل، او كما قال الاخ عبد
الرزاق المنصورى فى مقالة له: (لن يقنعنا احد ان ما تقوم
به، الدولة الليبية من تقهقر هو مجرد نوع من الذكاء
السياسي، بل انه مجرد نتائج لاكوام الفشل، والتي جعلتها لا
تعرف اين هو الطريق الى الاصلاح، الذي كثر الحديث عنه هذه
الايام).
انى ارى انه
فى الوقت الحالى سيظل النظام مستمراً على نفس الوثيره
البطيئة فى خطواته وتوجهاته للاصلاح والتطوير السياسى ودون
جدية ويرواح فى مكانه، واتمنى ان اكون مخطئاً، وقد يمكن ان
يحصل شئ من الحلحله والتغير اذا ما تعرضت الوضع الداخلى
لنوع من الحراك الشعبى، او تعرض النظام لضغوط قويه خارجيه
تهدد النظام فعلياً، من تغير فى المواقف الامريكيه خاصة
والاوروبيه، نتيجة لمستجدات قد تطرأ فى المنطقه والعالم
وتجتاز امريكا الصعوبات التى تواجهها حالياً وتعيق اى
مبادرات سياسيه جديده فى طرحها للاصلاح والديمقراطيه فى
المنطقه، وامريكا الان تعد العدة للمستقبل وربما للتدخل
العسكرى المباشر تحت اى ذريعة اى كانت كما اشرت فى مقالتى
السابقه (خطوات من اجل الدفع بالاصلاح)، وخاصة بعد ما نشر
اخيراً فى الاعلام عن اعلانات لتجنيد لمواطنين من شمال
افريقيا، اعمارهم مابين 17 الى 47 سنة، وبرواتب مغريه من
المتحدثين باللهجة الليبية والمغاربية بالجيش الامريكى
وجنود مشاة البحريه "المارينز" من المقيمين على الساحة
الامريكيه بشكل شرعى وغير شرعى ومن الطلبه المبثعتين،
وربما يتم حتى تجنيد من هم على الساحة الاوروبية وربما حتى
من السياح الليبيين ومنحهم بطاقة الاقامه (جرين كارد) او
الاسراع فى منح الجنسية الامريكيه، مع حوافز مادية
وتعليميه اخرى، وقد تجد امريكا فى بعض الليبيين من العملاء
وضعاف النفوس وحثالة البشر والباحثين عن الاقامة والجنسيه
والمكاسب الماديه ارض خصبه للتجتيد، وقد تكون الحاجه عند
البعض سيدة الموقف، هذه التوجهات الامريكيه الخبيثه توضح
لنا عن حقيقة نواياها التأمريه المستقبليه، فهل ياترى
سيقطع النظام الليبي على اعدائه الطريق ويسارع للمصالحة مع
كل الشعب الليبى لتحصين الجبهة الداخليه والتفاف الشعب
حوله بالقيام بمبادرة حقيقيه للاصلاح السياسى، اما سننتظر
حتى نرى قريبا حفلات تخرج لوحدات عسكرية لعملاء ليبيين
بالقوات المسلحة الامريكيه، ويقع المحظور. والله الموفق.
مختار محمد كعبار
عضو المجلس
الوطني لقيادة حزب إتلاف الوحدة (احترام)
عضو الاتحاد الوطني لصحفيي بريطانيا وايرلندا
1) بلاسيبو:
كلمة لاتينيه تعنى سأتحسن، وهو حبوب من السكر
والكربوهيدرات، لخداع المريض بعلاج كاذب.
2) كورا أنذيرا: العرافه باللغة المسيكيه الاسبانيه.
3) التاكيلا: شراب خمر مكسيكى رخيص.
4) الروديو: مسابقات موسميه للخيل على طريقة رعاة البقر.
5) بوكر كاوبوي: هو تحلق مجموعة كاوبوي على طاولة قمار وسط
حلبة "الروديو" لاطول فترة ممكنة في تحدي لثور ضخم هائج،
يركل ويرفس وينطح معرضين أنفسهم بتهور للخطر مقابل دولارات
بسيطه يقبضونها.
|
libyaalmostakbal@yahoo.com