21/02/2007

      


ظاهرة الديوك ومنابر الولاء والطاعة

 

بقلم: محمد الجراح


 

 
السلام عليكم
 
كان نائماً تحت تلك الشجرة بأمان الله وحمايته حينما جائتة المرأة القبطية تشتكي لمظلمة أحلت بها بمصر, أيقظته حيث كان وقد استمع لها منصتاً ... وهي بحالة استغراب شديد وذهول لما ترى من أمير مسلم حقيقي له مفاتيح كل الدولة المسلمة أجمع , فهي لم تتعود عبر تاريخها وإرثها و ذكراها القديمة بالإعتياد على مثل هذا المشهد بحضرة ملك او حتى عمدة بكفر مصري ليكون بسيط متواضع هكذا, وهي أمامه تلبس ربما احسن منه ثياباً لا تنبزها رقيقعات كفاف الحال والقناعة بالحلال كاملاً غير منقوص , ومخافتاً من يوم لقاء عصيب , وبهذا فهو أمير حقيقي تلفه سحابات الإنسان ولا هالة الديوك العبثية التي تترفع حتى عن مبادئ الإنسان وخلقه بل وحتى على الذات الربانية العليا ايضاً.
 
قتلوا (اولف بالما) أثناء ذهابه برفقة زوجته للسينما كعامة الناس حيث سيجلس بقربهم ويسمع لما يعلقونه ويقولونه ويناقشهم مباشرة دون نفش أي ريش ملون حوله وحول كيانه , وليس عبر او عن طريق أحد آخر يحترف القيل والقال ويحمل الكلام والرأي العام والتقارير وكأنه جرو أجرب نبذه شعراء العرب منذ القديم البعيد , فقد قتل الإنسان اولف بالما من قبل ايدي ومخلفات للبشر لا ترقى للحس المرهف للإنسان المبدع ابداً الذي يفهم العلو البشري وتقديرات الخالق له ومدى سموه وتكريمه... ولم تصل أيدي العدالة بالعالم للقتلة كما هو دائماً وابداً ,فربما كبش الفداء لم يكون جاهزاً بذلك اليوم , وكما هو حاضر وجاهز بهذه الأيام وبالمطلق .. فكبش فداء هذا الزمن تزهق روحه كل لحظة ولمرات عديدة, فالحضارة العابثة تريد إستئصاله بالتمام.
 
ويطوف عامة الناس بالكعبة المشرفة سواسية لا نتوؤ لأي عرف ديك بينهم .. وهل هو بينهم ؟.. فكثيرة هي الأمثلة التي يحظى بها المجتمع الليبي ليكون سيادة الديك بالمقدمة او هو مربط الفرس بالحكمة او القول او المثل .. فيقال ان فلان يقف وكأنه ديك قتل عقرب, وقد سمعت هذا المثل لمرات عديدة وعديدة وآخرها عندما مررنا وصديقي بشرطي للمرور بأحد شوارع طرابلس وهو رافع الرأس شامخ المقام لا تحلق ناظريه إلا بالعلالي, فقال صديقي عنه (ما اتقول إلا ديك أقتل عقرب) فربما كان للعقرب مقام ما لدى معشر الديوك والدجاج, ولهذا يتوجب على الديك ان يرفع انفه ومقامه لأنه قتل عقرب خطير السمية والجبروت ...
 
ومن هنا فظاهرة الديك تأتي محملة بفطرة الديك نفسه, أي بمعنى ان الديك قد يكون شامخاً ذي نرجسية دون ان يقتل أي عقرب او هو هكذا قد خلقه الله بالطبيعة وهكذا فللديوك مراتب ومستويات وأحجام او هكذا يتوجب إفتعال البطولة دون أي قتل او حركة فرفع الرأس وحدة النظر هي طبيعية لمكانيزم الديوك, وهل للجمل الحيوان الآخر مثل هذه المكانيزم او البعد الآخر للشخصية, فلو كان الديك الهندي او الرومي يقرأ ما أقول الأن لأحتج لأننا لم نأخذه بعين الاعتبار وهو سيد (بالبختره والأنفه والكبرياء), ولنطمئنه انه أصبح ظاهرة حقيقية وسلوك فريد لدى مجتمع الليبيين الذي لم يكون مشابه هنا لما لدى مصر الفرعونية وفرعونها الذي اعترف انه تجاوز الحد ليقول انا ربكم الأعلى فأعبدون .. فبساطة الناس بليبيا لم تكون مشابهة لما لدى جيرانهم بمصر لمثل هذه الظاهرة المستجدة لدينا كاليبيين أو إنها كانت متواجدة ولكنها لا تصل لمقاييس الظاهرة او الحالة المرضية كما هو اليوم .. وعندما تتحول الظاهرة بالتقادم الى مرض فهذا خطر خطير يجب التنبيه عليه, وأن تكون الظاهرة سبب آخر لهذا الركون والتخلف فهذا ايضاً أمر يؤسفنا أن لا نتناوله بشكل مباشر لا يعتلي سقفه بهجة ذات صله بالكبرياء أو الأتفه الملونة بريش للديوك, فهل كان الفراغ الفكري والثقافي والتجهيل هو مادة قيمة لبناء هذه الظاهرة ؟ فماذا استجد من أمر بالشارع الليبي عامتاً, بإفتراض أن الليبيين هم أهلا للبساطة ومحيطها وأيضا هم ليسوا ديوكاً منذ قديم الزمان, ولكنهم ألان قد اصبحوا مدرسة لهذا الطرح بل واصبح لهم وكما نرى اطر متفننة لهذا النهج , وهذا الأمر اصبح مرض مرده جهل وتخلف قد عبئ بثقافة دخيلة أو تلقائية للحالة الليبية المتردية , ولعل الفراغ الثقافي بالعموم كان إحدى نتجاته هذه الظاهرة , فماذا نقصد ؟ ما نقصده انه اجتمعت ظروف عديدة غاية بالانحراف لتشكل العديد من الأمراض الاجتماعية مع إضعاف مقصود للإرث بكافة حلقاته سواء العقائدية منها أو الثقافية, وبروز حالة للإفقار والفقر ونتاج مستوى جديد للفوارق الإجتماعية بشكل حاد وبكافة المستويات مع انحدار غريب لأوجه التعليم والثقافة الفكرية بالعموم وتوجيه إجباري نحو مستجدات ثقافية غريبة النهج والمضمون, مع عزل آخر للذات الليبية النفيسة ومحاربتها نفسياً وإشعارها دوماً بالدونية والتخلف, وانهم ليسوا بمستوى الفكر الرائع البديع ...وكان عقابهم هو ما يحصل الأن لهم و لعدم استيعاب ذلك الفكر بل وتقديسه والعمل به.
 
الطلاء الدنيوي اصبح نهج للتسابق نحو الإنحراف !! فعضو اللجنة الثورية الغير متعلم او الذي الصقت به شهادات عديدة تصفه بالمتعلم والمثقف وحتى بالطبيب والدكتور الجامعي أو كان صلف نزق مجرم دوني التربية يعاني العديد من أوجه النقص سواء التراثي أو النفسي, فقد كان هذا المعتلي المتسلق مميز امام المجتمع لأقل تقدير بما يسكن من مسكن أويركب من سيارة فالتغير المفاجئ بمستوى معيشي معين لآخر يبني ذات مغلفة بظاهرة الديك, أي بمعنى انك تراه وهو يتبختر في مشيته ولباسه وحتى بحركاته بالشارع العام ليعرفه الجميع انه مرموق صاحب ذات رفيعة, ولكنها مصنوعة صناعة معبئة على فراغ روحي عقيم , تهرب هذه الشخصية بأتجاهين اثنين ...تقديس الأب الروحي بالمطلق لمثيل هذه الشخصية الأخرى, والذي يوفر العزة والشموخ وكذلك المال والوجاهة .. والاتجاه الآخر عقاب بقية المجتمع لأنها تعرف الحقيقة بالتمام وان بين هذا المجتمع أصحاب لشخصيات حقيقية وأبناء لعائلات ذات تراث أصيل وذوي جذور أسرية حقيقية, والبراهين الدالة على ذلك كثيرة وكثيرة .. ومن هنا زحف من هم بالقاع ليكونوا لصوص ويتحولوا الى محترفي للقتل والتقارير ولو تزويراً ليصلوا للمنابع الحقيقية للغطاء والطلاء المناسب ليكونوا ديوكاً وبالقوة ...فكان سباقهم واضح للنهب وبناء القصور في مواطن اهل البلد ومحاولتهم التسلل لأطر المجتمع بكافة الطرق وبكافة الوسائل, وهل رفض المجتمع الليبي ذلك وكان واضحاً له ولينتبه بشكل كلي وعام ؟ وهل انحدر الوجهاء ايضاً الى ذلك ؟ وهل بقى بالمجتمع وجهاء ؟ فالحرب قامت منذ زمن على الجميع سواء بالسجون والمشانق أو بالتفقير الجماعي بـ (من اين لك هذا) او بلجان التطهير وتاجوراء ,و لتظهر وجوه اخرى تتسابق لتفعل ما تشاء وكما تحب, ولتتمزق أطياف المجتمع وأركانه .. فهل قدم البعض من اؤلئك الوجهاء الولاء والطاعة ؟ نعم قد كانوا كذلك ... بل ركنوا ليكونوا ديوكاً اخرى يلعنهم الأنقياء دوماً وكذلك التاريخ, انهم هناك يقدمون الهدايا من الليرات الذهبية بحفلات أعراسهم, وجيرانهم يعدون كم بقى بالبيت من فردات خبزة !! ولكن هل انزوى الجميع من اؤلئك .. فالجواب لا .. فليس للنقاوة والطهارة إلا وجه واحد, فهل يستوى اغنياء القديم بأغنياء الجديد ؟ انا اعرف من أغنياء القديم من باع الزريعة أمام السينمات, وتاجر ببقايا السيارات, وتاجر بالتبن وبنوا اموالهم بالعرق والكد والجهد وعرفوا معنى الحاجة و قلة الحال ولهذا اعرف انهم ذوي قلوب رقيقة مرهفة وطنية عزيزة, ولتطبق عليهم عمليات الإستيلاء على ثرواتهم ونهبها امامهم !! وهل بالبلاد اغنياء جدد ؟
 
ومن هنا برزت ظواهر الديك كافة و بألوانها العديدة, فما مدى تأثير (النازك السلحدار) بتكوين المرأة الليبية المعزولة قهراً عن كرامة الحياة التي يعيشها مجتمعها ككل, وهل التشبه بتلك (السلحدار) اصبح واجب وطني هام لبناء شخصية على الفراغ ولتبقى فراغ منفوش الريش فقط وسراب. ولتصبح حالتها ملحة لإثبات الذات برغم تردي المكونات الأساسية المادية والحياتية والثقافية والتعليمية و لتصبح نازك او الديك الملون بالأصباغ والريش واقفاً على الفراغ وبقايا مجتمع, اذا الحالة الأخرى هي المرأة التي بالطبيعي كانت معزولة عن حقيقة الأمر, بل وكان امرها وراثي التطلع والاعتياد سواء كانت تحمل علم ام لا تحمله , فبريق الريش استهواها بالعموم لتكون ذات نهج مغاير للأم المتعلمة المثقفة التي تبني مدارس لتربية الأبناء بالطريقة الصحيحة التي لا تنزوي على ارث ديكي ما .. فربما كان لتقنية الإعلام و ربما كان للمسجد ما ينقذه من الإفلاس الكامل.. فما سبب انتشار ظاهرة الطلاق والجرائم الاجتماعية المدسوسة عن العيان أو الواضحة ؟ اذا فالنازك السلحدار تأثيرها اصبح عام داخل مجتمع كان بالقديم بسيط التكوين صادق الاتجاه يزحف نحو الوعي والثقافة الحقيقية والتي بعدها الآخر ارث ليبي حقيقي, قابل للصعود بثقة ذات خلفية بعدها العقيدة والروح العفيفة.
 
اذا المسجد كان المحور للتماسك ننبه الأن ان معاول الديوك اخذت ترتاده, فقد اصبح شيوخه من نوع آخر, ذوي وجوه مختلطة ينظرون من أعلى يستهويهم المال وريش الديوك ايضاً وديوكاً يطبلون للديك الأكبر وللسلطان , ويذكرون كل جمعة ممات (حمزة) ويأمرون بعمل عزاء له الأن وليربطوا فتات دينهم كذباً وإيحاءاً ملونأ, ولكنهم لم يذكروا ابداً كيف مات ضيف الله الغزال .. رحمة الله عليه !! وهل ذكرها احدهم ؟؟؟ هل نطق احدهم ونبز ان ثروة ليبيا تسرق وتنهب ؟ هل قال احدهم يوماً على الأقل (تي تحشم اشويه على دمك ودم اللي خلفوك) ؟, ولكن كان كلامهم وموعظتهم بعقوق الوالدين وايضاً ( الخط ولوح ) وحملت الساكين ومعاقروا الخمر ومدمني حبات الهلوسة من شباب مجتمع ضاع خياره للصعود وتفاجئ انه لا يملك من الدنيا والآخرة ايضاً إلا الاندحار والسقوط, وهل اكتفى الدين من قول الحق بهكذا هزل ؟... شيوخ وحملة لكتاب الله لا يذكرون الحقيقية, هم بمستوى الديوك وتبجحها بريشها الملون واعرافها الحمراء المزورة .. ولهذا فلا عتب على من يصفنا بالمتخلفين او الصعاليك الذين اصبحوا ديوكاً تؤذن وأنوفها بالخراء.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
محمد الجراح / ليبيا
Freebird_freeland@yahoo.com
18. 2. 2007

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com