10/02/2007 |
|
||||
|
|
|||||
|
|||||
توطئة:الوسائل الإعلامية المستقلة والشفافة ضرورية لحياة أى مجتمع معاصر. إذ للوسائل الإعلامية دور حسّاس تلعبه كعنصر أساسي في المجتمع المدني. تكون هذه الوسائل، في المجتمعات الديموقراطية، حرة ولا تسيطر عليها الدولة. وهذا يسمح بظهور آراء وأفكار ووجهات نظر متعددة يجري نشرها في ساحة الأفكار. إن أفضل حماية ضد الأفكار التي تنشرها وسائل الإعلام ولا يوافق عليها بعض الناس هو نشر أكبر عدد من وجهات النظر بحرية، بدلاً من مراقبة أو إسكات الأصوات الإعلامية.ويجب أن تضطلع وسائل الإعلام المستقلة، في الوقت نفسه، بمسؤولياتها الكبيرة بكل جدارة مثلها في ذلك مثل ما على الحكومات والمواطنين من مسؤوليات. فعليها دعم وتقوية المعايير المهنية، والتشديد على تقارير تكون موثقة ومستندة إلى حقائق صادقة الحدوث. وعليها التثقيف العام وليس فقط الدعوة للقضايا المختلفة والتعبئة حولها بشكل عاطفي انفعالي. إن أفضل اختبار للحقيقة هو قدرة الفكر في أن يصبح مقبولاً لدى تنافسه في سوق الآراء. ومن أجل أن يُوصف أي مجتمع بأنه حقاً مجتمعاً ديمقراطياً ، عليه أن يؤمّن درجة عالية من الحماية للتعبير عن الفكر المنشور، إمّا بواسطة الصحف، أو المجلات، أو الكتب، أو الكّراسات، أو الأفلام السينمائية، أو التلفزيون، أو ما هو أكثر حداثة، الإنترنت.فالإعلام الحرّ، حتى ذلك الذى يتجاوز أحياناً حدود الذوق السليم، هو ركناً أساسياً جداً للمحافظة على الديمقراطية. وهو الضامن الأفضل للحرية لما يحققه من كسب فوائد الانتقاد المستمر، الذى يستطيع أن يلقى الضوء على نشاطات المجتمع خاصة الحكومية منها. ولعل أفضل طريقة لتقييم الدور المعقد والمتغير لمفهوم وسائل الإعلام الحرة لا تأتى إلا بواسطة دراسة مثال للتطور المتدرج لتاريخ هذا المفهوم فى بنية سياسية، اجتماعية، ثقافية معينة.لمحات من التجربة الأمريكية الدستورية:توفرّ التجربة الأمريكية الدستورية على امتداد أكثر من قرنين مثالاً لمحاولة الدولة وضع قواعد إجرائية لحرية التعبير. إن هذه التجارب تقوم بالطبع على طبيعة ثقافة الولايات المتحدة وتطور تاريخها الخاص بها، ولكن للمبادئ العامة التي أنتجتها إمكانية التطبيق الواسع في مجتمعات ديمقراطية أخرى. فلم يكن مُمكناً للولايات الثلاث عشر الأولى أن تصادق في عام 1791 على نسخة الدستور الأمريكي، وهو أساس نظام الحكم، دون مجموعة من عشرة تعديلات عليه عُرفت باسم "ميثاق الحقوق"، هدفت إلى حماية الحريات الفردية بشكل خاص. ولم يكن من قبيل المصادفة تكريس حق حرية التعبير لوسائل الإعلام في التعديل الأول من مجموعة التعديلات هذه. يقول نص التعديل الأول جزئياً: "لا يحق للكونغرس إصدار أي قانون...يختصر حرية التعبير أو حرية الصحافة".ففي حين ضمن التعديل الأول قدراً كبيراً من حرية الصحافة، فإن النظام القضائي الأمريكي هو الذي حدّد بدقة ما يعنيه هذا المفهوم على صعيد الممارسة. كما طورت المحاكم الفكرة إلى أبعد من جذورها العائدة للقرن الثامن عشر الموجودة في القانون العام الإنجليزي، وهي التي ضمنت حماية هذا الحق ضد قوى المجتمع التي لم تكن مرتاحة للحرية الزائدة الممنوحة للصحافة. ولقد واجهت حرية الصحافة، وما زالت تواجه، مشاكل ومعضلات لا حصر لها لعل أهمها ما يلى:جمع الأخبار ومداولات المحاكم:تعرّضت عملية تجميع الأخبار التي تسبق نشر أو إذاعة الأنباء لمراجعة القضاء من وقت لآخر، سواء من جانب وسائل الحصول على هذه المعلومات، أو من جانب حق الصحفيون عدم الإفصاح عن مصادرهم. وقد حكمت المحكمة العليا، وهى أعلى محكمة فى البلاد، أنه يجوز الطلب من المراسلين الكشف عن مصادرهم السرية أمام هيئات المحلفين الكبرى. ولكن، في عام 1991، قررت المحكمة أن حرية الصحافة لا تمنع أى ولاية من توجيه اتهامات ضد مراسلين خرقوا وعد السرّية لمصادرهم.أما من حيث كون المداولات القضائية نفسها مادة أو موضوعاً إخبارياً، فلقد أكدت المحاكم الأمريكية بوجه عام على وجوب أن تكون الإجراءات القضائية مفتوحة أمام الشعب والصحافة، ما لم توجد مصلحة تفرض غير ذلك، مثل حق المدّعَى عليه بمحاكمة عادلة، الأمر الذي لا يمكن تأمينه إلا بإقفال قاعة المحكمة أمام الجمهور. ربما كانت الذاكرة التاريخية للمحاكمات الخاصة التي جرت خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر ببعض المحاكم البريطانية هي التي جعلت القضاة الأمريكيين يترددون إلى حد كبير قبل أن يأمروا بإجراء محاكمات سرية (قارن ذلك بالتجربة الليبية بعد انقلاب 1969).وأكدت المحكمة العليا حق قضاة الولايات، إذا وجدوا ذلك مناسباً، السماح لآلات التصوير التلفزيوني في تسجيل الوقائع في محاكمهم. رغم ذلك، هناك حالات اعتبرت فيها حقوق وسائل الإعلام بنشر تقارير حول مجريات محاكمة ما أقل وزناً من حقوق المدّعَى عليه. فمثلاً، ولصالح تأمين السرية، تُحجب، عن أنظار المجتمع ووسائل الإعلام، شخصية أو هوية المتهمين الأحداث بارتكاب جرائم جنائية أو أخلاقية أو مدنية.التشهير ومكافحة الفتنة:من الطبيعى القول بأن حرية الصحافة لم تكن مفهومة في المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية كما هي مفهومة في يومنا الحاضر. فبالنسبة للمؤسسين الأوائل الذين وضعوا الدستور وميثاق الحقوق، كانت الصفحة المطبوعة، بصورة عامة الصحف والكراسات، هي وسائل الإعلام المنشورة. من هنا جاءت عبارة "الصحافة" في التعديل الأول للدستور. وعبر التاريخ الأمريكي تشابكت حريتىّ الكلام والصحافة في ذهن الشعب وفي أذهان القضاة المسئولين عن إصدار الأحكام في الدعاوى المتعلقة بالتعبير المنشور.فمثلاً عندما اتهمت الحكومة الاستعمارية لنيويورك، عام 1734، ناشر الصحف "جون بيتر زنجر" بتهمة الفتنة والتشهير عن طريق المطبوعات، لنشره مقالاً ينتقد فيه بشدة الحاكم الملكي للمستعمرة. (كان التشهير، فى ذلك الوقت، يعنى أى تعبير مكتوب "يؤدي إلى تعريض الفرد إلى الكراهية الشعبية والعار والازدراء والسخرية أو الخزي"). فلقد نشر "زنجر" فى صحيفته بأن الحاكم التابع للتاج البريطانى أنشأ محاكم دون موافقة المجلس التشريعي، وحَرَم بصورة تعسفية أعضاء المستعمرة من حق المحاكمة من قبل محلفين. لم ينكر "زنجر"، بواسطة محاميه، أنه طبع ونشر هذه الاتهامات. وأكد ببساطة أنه يملك الحق فى نشر أى نقد يتعلق بموظف حكومي، بما في ذلك الانتقاد الذي يعرّض ذلك الموظف إلى السخرية، طالما كان الانتقاد صادقاً. وهكذا في قرار اعتُبر رائداً، برّأت هيئة المحلفين الناشر، وساعدت في تأكيد المبدأ القائل: "بأن الصدق هو دفاع ضد تهم التشهير". ولكن حكم هيئة المحلفين في القضية لم يغير المبدأ القانوني الإنجليزي الذي أعلنه بقوة الكاتب الحقوقي المشهور "ويليام بلاكستون" في أواخر القرن الثامن عشر، والقائل بأن نشر "ما هو.. مؤذٍ "جريمة يمكن أن يُعاقب عليها القانون.وفي عام 1798، وبسبب خوفهم من أن تجد راديكالية الثورة الفرنسية طريقها إلى الولايات المتحدة، صادق أغلبية الأعضاء في الكونغرس على قانون التشهير الذي جَرّم كل من "كَتَب، وطبع، ولفظ، أو نشر.. أي كتابات كاذبة، أو افترائية، أو خبيثة" ضد الحكومة. وقد حوكم عدد من الأفراد والصحف بنجاح بموجب هذا القانون، وكان أحدهم الناشر "جيمز طومسون كالندر"، الذي وجّهت إليه تهمة التشهير الجنائي لوصفه الرئيس "جون أدامز" في عام 1800 على أنه، "رأس أشيب مثير للفتن... يداه ملطختان بالدم". حُكم على "كالندر"، الذي كان شخصية "مشاغبة"، واعتبر سفيهاً حتى في تلك الأيام من القدح السياسي العنيف، بالسجن لعدة سنوات. ثم أصدرالرئيس "توماس جيفرسون" العفو عنه بعد وقت قصير من وصوله إلى الرئاسة عام 1801.مع بداية القرن التاسع عشر، أصبحت تهمة التشهير تدريجياً مادة تتعلق بالقانون المدني أكثر من كونها موضوعاً لمحاكمات جنائية. أي أنه، بدلاً من أن تقاضي الحكومة الكتّاب الذين انتقدوا أصحاب السلطة، بدأ أفراد بارزون الأخذ على عاتقهم إقامة دعاوى في المحاكم لحماية سمعتهم الشخصية.وفي عام 1833، أكدت المحكمة العليا الأمريكية على أن ميثاق الحقوق يقيّد فقط الحكومة القومية من التدخل في حقوق الفرد، وأن حكومات الولايات غير مقيدة بهذا الميثاق. الأمر الذى سمح فيما بعد للولايات بالاستمرار في رقابة الصحف ووسائل الإعلام المطبوعة الأخرى حتى فترة متأخرة من القرن العشرين. ولذلك، ورغم اللغة الصريحة والواعدة بصحافة حرة كما كرّسها التعديل الأول للدستور، فلم تقدّم محاكم الدولة في معظم تلك السنوات من التاريخ الأمريكي إلا حماية متقطِّعة للإعلاميين الذين تجرؤا على انتقاد الحكومة بتهوّر.فإثر قرار عام 1833، لم ترفع إلى المحكمة العليا الكثير من القضايا التي تتعلق بحرية التعبير إلى أن قامت الحرب العالمية الأولى. لكن التقليد الثقافي في الحرية السياسية، والعدد المتزايد من الصحف والمجلات الواسعة الانتشار، شجعا الكتّاب ورسامي الكاريكاتير على دفع حرية الكلام إلى حدودها القصوى خلال هذه الفترة.مفهوم الشخصية العامة وقانون التشهير:يُشكل "مبدأ الشخصية العامة"، الذي طورته المحكمة العليا في قضايا عدة مثيرة للاهتمام في الستينات، والسبعينات، والثمانينات من القرن العشرين، بُعداً مهماً للحرية المتزايدة التي تمتعت بها الصحافة في ذلك القرن. والرأي الذي يُشكلّ أساس هذا المبدأ هو أن فرداً عادياً ، أي فرد غير مشهور أو لا يكون أسمه متداولاً على ألسنة عامة الناس يتمتع بحماية أكبر من انتقاد وسائل الإعلام مما تتمتع به شخصية عامة. من جهة أخرى، على الشخصية العامة أن تتحمل التعليقات المحرجة والانتقادية لوسائل الإعلام، حتى ولو كانت خاطئة، ما لم يَثبت بأن ناشر هذا الكلام قد قصد ما فعل، وعمل ذلك بخبث. لهذا الغرض، عُرفت كلمة "خبث" بأنها تعني إصدار منشور يعرف كاتبه، أومحرره، أومذيعه بأنه خاطئ عندما تم نشره. يمكن أيضاً الاستنتاج بوجود خبث إذا تعمّد الكاتب، أو المحرر، أو المذيع تجاهل للحقيقة أو للخطأ بشكل مستهتر فيما يقول عن الآخرين. إن معظم القضايا التي نظرت المحاكم فيها استناداً إلى "مبدأ الشخصية العامة" توجّهت نحو ما إذا كان الذي يدّعي التشهير أو التحقير هو في الواقع شخصية عامة حسب رأي المحكمة. إذا تم اعتبار الفرد بأنه شخصية عامة يُصبح من الصعب للغاية الإثبات بأنه تم التشهير به.ربما شكلت القضية التي أبرزت الصورة المثلى "لمبدأ الشخصية العامة" هي قضية الإعلان الذي نُشر أوائل الستينات من القرن الماضي، ودفعت تكاليف نشره جماعة رغبت في مساعدة قضية "مارتن لوثر كينغ"، قائد حركة حقوق الإنسان. أشار الإعلان إلى أن "كينغ" تعرّض للمضايقة من قبل مسؤولين حكوميين عن تطبيق القانون في كافة المناطق الجنوبية، ومن ضمنها مدينة "مونتيغومري" في ولاية الاباما. رفع مفوّض الأمن العام في مونتيغومري، "ال. بي. سوليفان"، قضية على صحيفة نيويورك تايمز بدعوى التشهير، مدعياً بأن الإعلان احتوى بعض النصوص المغالية والمخطئة واقعياً والتي تجعل الناس يظنّون به بصورة انتقادية.قررت المحكمة أن صحيفة نيويورك تايمز ارتكبت أخطاء بريئة، غير خبيثة في الإعلان وأن "سوليفان"، كونه شخصية عامة، لا يستطيع طلب تعويضات من الصحيفة. بعد مرور أكثر من 20 سنة على هذه القضية، طلب من المحكمة العليا من جديد دراسة احتمال حدوث تشهير ضد شخصية عامة. كان "جيري فالويل"، وزير محافظ واسع الشهرة، موضوع "إعلان ساخر" في مجلة جنسية فاضحة. كانت "الوقائع" حول "فالويل" في الإعلان خاطئة بشكل كبير. ونتيجة لذلك، ادّعى بأن سمعته أُصيبت بضرر بالغ. لكن المحكمة قضت لصالح المجلة. بناءً على المبدأ القائل المحافظة على حرية الصحافة يسمح بمجال واسع من الحرية لرسامي الكاريكاتير وللذين ينتجون رسوماً من هذا النوع للشخصيات العامة.معضلة الأمن القومى (الصحافة فى زمن الحرب):في عام 1917، وفي نفس الوقت تقريباً لدخول الولايات المتحدة طرفاً في الحرب العالمية الأولى، أصدر الكونغرس قانون التجسس الذي نص على معاقبة الحصول على، واستلام، ونقل معلومات تتعلق بالدفاع القومي غير مرخص لها. في السنة التالية، فَرَضت مجموعة من التعديلات على هذا القانون، عُرفت بصورة عامة بقانون التحريض على الفتنة لعام 1918، عقوبات على التعبير الذي قد يفيد أعداء أمريكا.أدّت المحاكمات بموجب هذا القانون في نهاية الأمر إلى اتخاذ المحكمة العليا لعدد من القرارات تتعلق بمادتي حرية الكلام وحرية الصحافة المنصوص عليهما في التعديل الأول للدستور. تَعلّقت أهم هذه القضايا، التي أصدرت المحكمة العليا قراراً بشأنها عام 1919، بمقاضاة رجل اسمه "جاكوب ابرامز". وعلى الرغم لم يكن للانتقاد الذي كتبه "ابرامز" إلا علاقة واهية لإدارة أمريكا للحرب ضد ألمانيا، فقد أكدت المحكمة العليا الأمريكية قرار إدانته وجاء في رأي الأغلبية في المحكمة أن سلوكه أوجد "خطراً واضحاً وقائماً" للسلم المدني، وبذلك، يمكن للحكومة أن تعاقبه عليه.تم استخدام تعبير "خطر واضح وقائم" في عدد لا يُحصى من القرارات من قبل المحاكم حتى طُلب من المحكمة العليا القيام بمراجعة مفهوم دستورية التعبير الشفهي، والمكتوب، والرمزي الذي ينتقد الحكومة. إذ يعتقد بعض علماء القانون أن هذا القول قد أصبح طيّعاً لدرجة أنه يمكن الجزم بأن لغته تناسب كل موقف تقريباً من مواقف السياسة العامة.توضح قضايا التعبير الحرّ خلال الحرب العالمية الأولى نقطة مهمة حول الترابط بين مادتي حرية الكلام وحرية الصحافة في التعديل الأول للدستور الأمريكي. لم تمّيز المحكمة العليا الأمريكية بوضوح بين عبارة "كلام" و"صحافة" بما انهما يجتمعان تكراراً في وقائع قضية. فمثلاً، طالب "ابرامز" بحق التعبير عن آرائه بحرية بواسطة كراسة مطبوعة. وبذلك ادّعى في دفاعه بأن بيانه تحميه كلا المادتين: حرية الكلام وحرية الصحافة المنصوص عليهما في التعديل الأول. وكقاعدة عامة، لا تمنح المحاكم الأفراد الذين ينشرون في الصحف أو في وسائل إعلام أخرى أي حماية أكثر مما تمنحه لأفراد الشعب الذين يعبرون شفهياً عن آرائهم.أوراق البنتاغون:ربما كانت أهم قضية أمريكية شملت وسائل الإعلام في النصف الأخير من القرن الماضي، وكانت مرتبطة بالأمن القومى، هي التي عُرفت بإسم قضية "أوراق البنتاغون". تعطي هذه المعركة القانونية بين الحكومة الأمريكية وصحيفة نيويورك تايمز، أحد أشهر الصحف في البلاد، لمحة عن العديد من المسائل الخطيرة المتعلقة بالتعديل الأول للدستور الذي تحدثنا عنه سابقاً، وتشمل ربما أكثر المواضيع السياسية المثيرة للجدل في الماضي، ألا وهو التورط الأمريكي فى حرب فيتنام.تعود أصول المعركة إلى عام 1967 عندما أنشأ وزير الدفاع، "روبرت ماكنمارا"، فريقاً لإعداد ملف تاريخ السياسة الأمريكية تجاه فيتنام. لم يجرِ فريق العمل أي مقابلات، وجرى جمع الوقائع والحقائق استناداً إلى وثائق. كانت نتيجة هذا الجهد إعداد تقرير هائل الحجم بلغ عدد صفحاته أكثر من 7 آلاف، واستغرق إعداده عاماً كاملاً. وعرف هذا التقرير باسم "أوراق البنتاغون." طُبع من هذا التقرير نسخ محدودة لأنه كان مخصّصاً للاستعمال الداخلي فى وزارة الدفاع ولعدد من الإدارات الحكومية الأخرى.كان أحد المتعاقدين الذين قاموا بدور ثانوي في إعداد هذه الدراسة المطولة، "دانيال إلزبرغ"، أحد كبار موظفي مؤسسة راند، التي تعتبر "معهداً للبحث والفكر"، متخصصاً بدراسة مسائل الدفاع الوطني. كان لدى "إلزبرغ" شكوك حول السياسة الأمريكية المتبعة في فيتنام، تأكدت له أكثر، بعد ما قرأه في أوراق البنتاغون. ولما فشل في إقناع أعضاء الكونغرس بجعل الدراسة علنية، قام "إلزبرغ" سرّاً بتسريب نسخ من التقرير إلى صحافيين يعملون في صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست. لم تتضمن أوراق البنتاغون سوى معلومات سرية قليلة، ولكن بعض أجزائها أثار تساؤلات حول جدوى السياسات الأمريكية المتبعة تجاه فيتنام قبل وبعد تورط الولايات المتحدة في أعمال عسكرية واسعة في جنوب شرق آسيا.في يونيو 1971، نشرت صحيفة نيويورك تايمز قسمين من أوراق البنتاغون قبل أن تطلب إدارة الرئيس "ريتشارد نيكسون" من المحكمة إصدار أمراً بمنع نشر أجزاء إضافية. منح قاضٍ فيدرالي في نيويورك أمر المنع خلال جلسة استماع كاملة حول القضية. كانت تلك المرة الأولى في التاريخ الأمريكي تمنع محكمة أمريكية صحيفة، بصورة مسبقة، من نشر مقال مُعيّن وكان ذلك نموذجاً كلاسيكياً للتقييد المسبق (الرقابة). وبعد ذلك وجدت القضية طريقها بسرعة إلى المحكمة العليا.وبعد أن رفضت المحكمة العليا طلباً من وزارة العدل بإجراء جلسات استماع مُغلقة، سمحت بإجراء هذه الجلسات بصورة علنية في 26 يونيو 1971. ثم أصدرت المحكمة قرارها خلال أربعة أيام فقط. وافقت أغلبية من ستة أعضاء على رأي مختصر لكامل أعضاء المحكمة (دون ذكر أسماء القضاة) جاء فيه بصورة أساسية أن أي استئناف لقرار تقييد مسبق يحمل معه عبئاً دستورياً ثقيلاً، وأن، في هذه الحالة، لم تقم إدارة نيكسون بالاستجابة لهذا العبء. ونظراً لأن كل واحد من الأعضاء الستة من الأغلبية كتب رأياً منفصلاً، من الصعب تحديد "الخط المشترك" في الحكم، كما يشير إليه أحياناً المحامون والقضاة، وهو ما يوضّح جوهر الحكم القضائي.والشيء الوحيد الذي يمكن قوله بصورة مؤكدة هو أن الغالبية لم تكن مقتنعة بأن الكشف عن المعلومات الواردة في أوراق البنتاغون قد أدى إلى "ضرر مباشر، وفوري، وغير قابل للإصلاح" بالنسبة للأمن القومي. رأى العديد من الخبراء الدستوريين أن قرار المحكمة في قضية أوراق البنتاغون هو نصر انتُزع بثمن باهظ جداً لحرية الصحافة، في أفضل الحالات. لم تجد المحكمة العليا تبريراً كافياً لوقف النشر، ولكنها قبلت موقف الحكومة بأنه بالإمكان إصدار أمر يفرض وضع تقييد مسبق للصحافة على أساس توقّع تقديم دليل للضرر الذي يمكن أن ينجم من النشر. وبمثابة حل لهذه القضية المعقدة، نشرت نيويورك تايمز أوراق البنتاغون كاملة كما نشرتها صحيفة واشنطن بوست وصحف أخرى عبر البلاد. ولم يتعرض الأمن القومي لأي مشكلة!المحكمة العليا تعزز حرية الصحافة:تَعزّز اللجوء إلى التعديل الأول كمبدأ دستوري لحماية حرية التعبير للفرد بدرجة كبيرة في العام 1925 في قضية شملت أحد الشيوعين ويدعى "بنجامين غيتلو"، الذي كتب ونشر كراسة دافعت عن اللجوء إلى الإضرابات والنشاط الطبقي لتعزيز قضية الاشتراكية. اتهمت ولاية نيويورك "غيتلو" بإنتهاك قانون الولاية الذي نص على أن الدعوة لقلب نظام الحكم جريمة. مع أن المحكمة العليا الأمريكية أكدت إدانته، فقد قررت بأن حماية حرية الكلام وحرية الصحافة اللتين نص عليهما التعديل الأول للدستور هما من بين الحريات الفردية الأساسية التي لا يمكن تقييدهما لا من قبل الولايات ولا من قبل الحكومة القومية.وأشارت المحكمة إلى عبارة وَرَدت في التعديل الرابع عشر الذي تم المصادقة عليه عام 1868، تقول "لا يحق لأي ولاية.. اختصار امتيازات وحصانة مواطني الولايات المتحدة، كما لا يحق لأي ولاية حرم أي إنسان من الحياة، والحرية، أو الممتلكات، دون اللجوء إلى الإجراءات القانونية المتبعة، ولا أن تحرم أي إنسان ضمن سلطتها القضائية من الحماية المتساوية أمام القانون." استنتجت المحكمة أن واضعي نص ذلك التعديل قصدوا بأنه منذ الآن وصاعداً سوف تكون الولايات ملزمة باحترام الحريات الفردية المهمة، مثلها مثل الحكومة القومية، وأن حرية الكلام والصحافة هما ضمن الحريات الرئيسية.وهكذا بدأت عملية استعمال لغة التعديل الرابع عشر بمثابة أداة ضغط قانونية لتوجيه ميثاق الحقوق نحو حماية الأفراد عندما يواجهون سلطة حكومات الولايات المختلفة. فلقد ألغى القرار في قضية "غيتلو" فعلياً قرار المحكمة العليا المتخذ عام 1833، الذي أكد عدم التزام الولايات بنصوص ميثاق الحقوق، وهكذا بدأ اتجاه قدّر له أن يستمر لأكثر من 40 عاماً، دَمجت خلاله بصورة انتقائية الحمايات الأخرى المنصوص عليها في أول عشرة تعديلات من الدستور الأمريكي، لكي تستخدم كحماية للأفراد ضد تجاوزات حكومات الولايات أو الحكومة الفيدرالية. ولقد عزز هذا الاتجاه حق التعبير الحرّ على كافة الأصعدة بما فى ذلك الصحافة بشكل خاص.ربما كان أهم قرار اتُّخذ فى أمريكا، بين الحربين العالميتين حول حرية الصحافة ، هو القرار الذي أصدرته المحكمة العليا في قضية رُفعت إليها عام 1931 وكانت متعلقة بحق الولاية في تقييد نشر صحيفة فضائح مشهورة بسوء سمعتها، هي صحيفة "ساترداي برّس"، وصاحبها "جاي. أم. نير"، الذي عبّر بقوة عن أسوء مشاعر التعصب الأهلي والعرقي في العشرينيات من القرن الماضي. أصدر المجلس التشريعي لولاية "مينيسوتا" عام 1925، قانون إزالة الإقلاق العام، والذي سمح للقاضي بأن يأمر بإغلاق أي صحيفة يعتبرها "بذيئة، وفاسقة، ومُتهتكّة" أو "خبيثة، وفاضحة، وتشهيرية." بعد فترة قصيرة على تشريع القانون، أغلق قاضي في الولاية صحيفة "ساترداي برّس". عند استئناف القرار أمام المحكمة العليا، أعلنت هذه المحكمة بأغلبية أعضائها، دفاعاً دستورياً لتقليداً أمريكياً بقي متبعاً لفترة طويلة، استند على القانون العام الإنجليزي، ووافق عليه المؤسسون الأوائل، ويقول بعدم جواز وجود "تقييد مسبق" للصحافة.قررت المحكمة انه، في حين قد يكون مقبولاً من وقت لآخر معاقبة شخص لمنشور فاسد، أو خبيث، أو تشهيري بدرجة خاصة، يجب أن تكون القضية بالغة الأهمية، مثل مسألة تتعلق بالأمن القومي، للمنع المسبق لصحيفة ما من نشر مقالاً مثير للجدل. وقد أشار "روبرت مكورميك"، الناشر في مدينة شيكاغو الذي ساعد في تمويل نفقات قضية استئناف صحيفة "ساترداي برس"، للحكم الصادر بحقها، إن رأي رئيس المحكمة العليا الذي رجّح أغلبية الأصوات في هذه القضية "سوف يدخل التاريخ كأحد أعظم انتصارات الفكر الحرّ".حماية التعبير السياسي أم حماية التعبير؟في إصدارها العديد من الأحكام حول حرية الكلام والصحافة، منحت المحاكم الأمريكية، بصورة عامة، على مر السنين حماية أكبر للرسائل السياسية من تلك التي منحتها للأشكال الأخرى من التعبير. وليس في ذلك ما يُدهش، لأن الديمقراطية الأمريكية كانت، وليس في جزء صغير منها، وليدة الانتقاد السياسي لممارسات الحكم البريطاني في أواخر القرن الثامن عشر. وليس من قبيل الصدفة أن معظم القضايا التي تم بحثها حتى الآن ارتبطت بالتعبير السياسي. ولكن إذا كان التعبير السياسي مفضلاً، فما هي أشكال التعبير التي تقل عنه مرتبة في التسلسل الهرمي؟إن أحد أشكال التعبير التي اعتبرتها المحاكم أدنى مرتبة هو الكلام التجاري. قررت المحكمة العليا باستمرار إن التعديل لا يحمي الإعلان إلا إذا كان صادقاً. وبناءً على ذلك، فإن الحماية القضائية التي يسمح بها في حالات الغلو والأخطاء الواقعية الصغيرة في الخطاب السياسي لا يسمح بها في إعلان تجاري تلفزيوني، كالإعلان لترويج بيع معجون أسنان، أو سيارة أو أى سلعة تجارية أو خدمية. يعود سبب ذلك جزئياً لكون الادعاءات في الإعلانات التجارية يمكن التحقق من صحتها بصورة أسهل من التحقق من صحة التصريحات السياسية. علاوة على ذلك، وجدت المحاكم الأمريكية بوجه عام إن قوة الحافز لتحقيق الربح من خلال تسويق سلع وخدمات، يرجح على أي "تأثير تقييدي" قد ينتج عن قانون حكومي.وهناك شكل آخر من التعبير يحتل درجة أدنى على سلم الحمايات القضائية هو "الإباحية الفاحشة". ففي عام 1957، في قضية روث ضد الولايات المتحدة، اعتبرت المحكمة العليا إن الإباحية الجنسية الفاضحة أو الغرائزية هما "فارغان تماماً من أي أهمية اجتماعية تبررهما" وبذلك يعدّان تعبيراً لا حماية لهما. كانت المشكلة مع الإباحية مسألة تعريف المعني إلى حد كبير. فمن المحتمل أن تكون إباحية إنسان ما فكرة لصنع تحفة فنية لدى إنسان آخر. فمثلاً، بالنسبة لبعض الناس، كانت رواية "جيمس جويس"، "يوليسيس"، بذيئة بشكل مثير للاشمئزاز. لكن استفتاءاً حديثاً للمفكرين والأدباء المعاصرين صنّف كتاب "جويس" كأعظم أثر أدبي باللغة الإنجليزية ظهر في القرن العشرين. ولقد تحدّث القاضي "بوتر ستيوارت" نيابة عن معظم الأمريكيين في قضية رُفعت إليه للنظر فيها، أواسط عقد الستينيات من القرن الماضي، عندما اعترف بأنه قد لا يستطيع تحديد مفهوم الإباحية الفاحشة بالضبط، لكنه أضاف، "أعرفها عندما أراها".طبيعى لا تعطي العبارة أعلاه معياراً قانونياً فعالاً لتقييم الأعمال الفنية ذات المحتوى الجنسى. ولهذا حاولت المحكمة العليا جاهدة للوصول إلى تعريف معيارى أفضل. ففي عام 1973، أصدرت المحكمة العليا نصاً من ثلاثة أجزاء لاختبار الإباحية الجنسية، وقررت أن أشكالاً معينة من التعبير الجنسى تخرج من حدود الحماية الدستورية في حال: 1) وَجد المواطن العادي، في حال تطبيقه لمعايير مجتمعه، أن العمل إذا أُخذ بكامله مثيراً للشهوات الجنسية؛ 2) وصف العمل أو الرسم سلوكاً جنسياً بطريقة "فاحشة بوضوح"؛ 3) إذا لم يكن للعمل أي قيمة أدبية، أو فنية، أو سياسية، أو علمية ذات أهمية.مع وجود هذا المعيار الغامض إلى حد كبير، فليس من المستغرب عدم وجود أي اتجاه واضح في قرارات المحكمة العليا الصادرة خلال السنوات الثلاثين الماضية، يُحدد مفهوم الإباحية الجنسية في وسائل الإعلام. تعكس المحكمة حيرة المجتمع الأمريكي بوجه عام، والذي تشده قوى متضاربة تؤيد الحرية التامة للتعبير من جهة، وقوى تدعو للمحافظة الاجتماعية من جهة أخرى.خلاصة:على مر السنين، وجدت الولايات المتحدة، مثلها مثل ديمقراطيات أخرى، أن مبادئها القانونية تتعرّض للقدم بسبب التغّيرات الثقافية والتكنولوجية. وقد منحت المحاكم الأمريكية، بشكل عام، الحماية لوسائل الإعلام المطبوعة كالصحف والمجلات أكثر مما منحتها للوسائل الإذاعية مثل التلفزيون. فعلى سبيل المثال، حكمت المحكمة العليا في أواخر الستينات من القرن الماضي على أن الأفراد لا يملكون حقاً دستورياً مطلقاً للاتصال عبر الوسائل الإذاعية لأن الذبذبات الصوتية المتوفرة لا تستطيع استيعاب كافة المتصلين.خدم هذا الأساس المنطقي كقاعدة للقرارات القضائية التي تمنع منح "الوقت المتساوي" للمرشحين لمناصب حكومية للرد على بيانات أذاعها المرشحون الآخرون على شاشة التلفزيون. لكن، على ضوء التوسع الحديث فى تكنولوجيا البث التلفزيونى وشبكة الإنترنت، يبدو أن المحاكم الأمريكية بدأت تتجه نحو وضع وسائل الإعلام الإذاعية على نفس المرتبة القانونية لوسائل الإعلام المطبوعة.وباختصار شديد، يعكس تاريخ وسائل الإعلام الأمريكى التطور التدريجى فى إعادة تأويل مادتيّ حرية الكلام وحرية الصحافة الواردتين في التعديل الأول للدستور، وذلك من خلال تحدي أي محاولات لتقييد تغطيتها للأخبار السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها. ومن خلال الجدل و الدفاع المستمر عن مبدأ "حق الشعب في أن يعرف." وهذا فى نظرنا هو ما يجب أن يؤخذ بالحسبان. وكما أشرنا فإن الصحافة الحرة، حتى تلك التي تتجاوز أحياناً حدود الذوق السليم، هي أساسية للمحافظة على الديمقراطية. فهذه الصحافة الحرة هي الضامن الأفضل للحرية، ويجب أن يكون المجتمع راغباً، فى إطار دستورى، بالتغاضي عن تجاوزاتها بغية كسب فوائد الانتقاد المستمر الذي يستطيع أن يلقي الضوء على نشاطات المجتمع والحكومة.لا تشارك معظم الديمقراطيات الأخرى الولايات المتحدة في نفس الحماس لقيام صحافة غير مقيدة، وبالفعل حتى المحاكم الأمريكية، رغم كونها تميل إلى منح وسائل الإعلام حرية أفضل بشكل تدريجي، لم تدعم دائماً الحرية الكاملة للتعبير بشكل مطلق. لكن نعود إلى نقطة جوهرية أعلناها في بداية هذا المقال، ألا وهى: من أجل أن يُعتبر مجتمع ما بأنه حقاً مجتمعاً ديمقراطياً، عليه أن يؤمّن درجة عالية من الحماية للتعبير عن الفكر المنشور. وفي حين لم يتوصّل المجتمع الأمريكي حول هذه المسألة إلى الكمال، إلاّ أن تاريخه الدستورى، على مدى أكثر من مائتى عام، يعكس ميلاً جلياً نحو زيادة تأييد وحماية التعبير الحرّ عن الأفكار المنشورة أو المعلنة.
* من منشورات مجلة الحقيقة
|
|||||