|
إلى فرحات في سجنه
فرحات الهوني طيف ساري وذكرى حالم
....
أفتش في
وجوه
الناس علّي أجد صورتك
... فأنت
تطاردني في ذاكرتي
...
في خيالي
...
وحتى في
أحلامي
...
يراودني
طيفك في سكون الليل الهاديء
...
تأتي مع
النسيم العليل
...
تحيي في
القلب شوقا كنت أتمنى أن أنساه
....
تذكرني
بأيام(السلماني) الماضيات الخوالي والتي
ربما صارت شيئا من النسيان...تحمل بين يديك شغاف الأخوة
الحاني
....
أحاول أن
أبتعد
...
ولكنك تقترب مني أكثر وأكثر
...
تربت
بيدك على كتفي ...
تبعث في
أوصالي مشاعر
لم أحس بها منذ زمن الصبا البالي.
ألمحك هناك تأتي من بعيد
...
من بين
أيام
وساعات
...
من كلمات
تناثرت وضاعت معانيها
....
من بين
أحلام باتت سرابا لا تتخطى كونها
أحلاما
....
من ذاكرة
ليس فيها سوى الفراغ....أنت تأتي من هناك
..
من حيث
تركتك
ومضيت
...
من حيث
كان آخر سلام وعناق
...
هناك أنت
بقيت
...
وهنا أنا
الآن صرت.
من هناك صوتك يناديني
...
أسمع
همساتك الهادئة
....
كلمات
ليست كأي
كلمات
...
وابتسامتك الوادعه التي رسمت تحدي كل الظروف
...
ابتسامة
خرجت من بين
الألم....ألمحها وأحس دفئها وصدقها
...
أنت فقط
من يستطيع أن يطلق مثل هذه
البسمات
...
ولسانك
فقط عليه مثل هذه الكلمات.
وأنا هنا
...
ما زلت
أذكر يوم
التقينا
...
أنا وأنت
وبقية الصحب ....
أي قيد
جمع قلبين في الله...أي قيد وحد الفكرة
في عقولنا
...
أنت وفقط
أنت بكلماتك تبعث في النفس معنى للأمل
....
تبقي
الأحلام على
مقربة من الحقيقة
...
موعد
نحياه في الذكرى وفي الأمل
...
تمضي
الأيام وتبتعد
...
وأنا
هنا
...
وأنت لا
زلت هناك...كلماتك
...
بسمتك
...
وقضبان
سجن (بو سليم) لم تستطع أسر
عزيمتك...فباالامل لا بالألم
...
و
باليقين لا بالقنوط
...
و بالثقة
لا باليأس
...
وبالعزيمة لا بالخور
...
و
بالإصرار لا بالتراجع
...
أبعثها صرخة حق مدوية ورسالة تشق جدار الصمت، وتنير دياجير الظلام، وتتحدى
جموع الظلم
|
أخي أنت حر وراء
السدود
إذا كنت
بالله مستعصماً |
**
** |
أخي أنت
حر بتلك القيود
فماذا
يضيرك
كيد العبيد؟!
|
وتعلم يافرحات: أن الحرية الحقيقية هي أن يعيش الإنسان لدينه
وعقيدته ومبدئه، أن يعيش رافع الرأس، شامخ الجبين، عزيز
النفس، يومه أفضل من أمسه،
وغده أفضل من يومه ولو لاقى في سبيل ذلك ما لاقى.
وتعلم يافرحات: أن
الرجال يرون المحنة منحة، والسجن خلوة، والنفي من البلاد
سياحة، والقتل في سبيل
الله شهادة يرون ذلك حقيقة لا خيالاً، وواقعاً لا تنظيراً،
وعملاً لا قولاً،
وممارسة لا ادعاءً
أخي فرحات:
إن الله
إذا أحب عبده أصاب منه وابتلاه، ومن نحن
حتى ينظر الله
إلينا فيصب منا؟! فيكون منا الطريد
... ومنا
الشري
د...
ومنا الخائف
...
ومنا الأسير
... ومنا
الكسير
... ومنا
... ومنا
... إن
هذا محض فضله عز وجل، قال تعالى}
:ولنبلونكم
بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين
*
الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات
من
ربهم ورحمة
وألئك هم المهتدون}
.
وها هو موسى عليه السلام يدخل حياة النفي
والمطاردة والخوف والترقب سنين طويلة لتكون له بعد ذلك
العاقبة على فرعون وملئه.
وهاهو يوسف عليه السلام يدخل مدرسة السجن ظلماً وزوراً ليخرج
منها ملكاً
على خزائن الأرض ويجمع الله بينه وبين أبويه وأخوته.
وها هو النبي صلى الله
عليه وسلم يدخل الحصار الجائر ثلاث سنين ليخرج فاتحاً منتصراً
يرى الناس يدخلون في
دين الله أفواجاً.
وهاهو أحمد بن حبل رحمه الله يدخل السجن وينهك جسده من
الجلد ليحفظ على الأمة عقيدتها فيكون بذلك إماماً يقتدى به.
وها هو ابن
تيمية يحبس في القلعة لا يرى النور - يتعرف على مواقيت الصلاة
من مواعيد الطعام
-
لينال بذلك شرف الإمامة في الدين فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
ولن يمكّن الإنسان حتى يبتلى، كما قال الإمام الشافعي رحمه
الله، {أولئك
الذين هدى الله
فبهداهم اقتده.{
يقول العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله})
:وكانت
قضية الإنسانية أعظم من أن يقوم لها أفراد متنعمون، لا يتعرضون لخطر ولا
لخسارة ولا لمحنة، لهم النعيم الحاضر والغد المضمون
! إنما
تحتاج هذه القضية إلى
أناس يضحون بإمكانياتهم ومستقبلهم في سبيل خدمة الإنسانية
وأداء رسالتهم المقدسة،
ويعرضون نفوسهم وأموالهم ومعائشهم وحظوظهم من الدنيا للخطر
والضياع، وتجاراتهم
وحرفهم ومكاسبهم للتلف والكساد ويخيبون آمال آبائهم وأصدقائهم
فيهم، حتى يقولوا
للواحد منهم كما قال قوم صالح: {قالوا يا صالح لقد كنت فينا
مرجواً قبل هذا.({
نحن؛ في أسر الغربة وقيودها وحياة الخوف والترقب، وأنت؛ في
أسر سجن الحاكم
وقيوده، كلنا يحترق ليضئ للإسلام، ويخسر ليربح الإسلام، ويضحي
ليمكّن الإسلام،
ويموت ليحيا الإسلام، ويخاف ليأمن أهل الإسلام.
فكن يا أخي متفائلاً
فالمستقبل لهذا الدين
... كن
مستبشراً فالنصر للمسلمين
... كن
واثقاً فالعاقبة
للمتقين
... كن
مستيقناً فالله لا يضيع أجر المحسنين
... كن
صابرا
ً...
{إنما يوفى
الصابرون أجرهم بغير حساب.
{
لا ما نسينا قول حبيبنا صلى الله عليه وسلم: (مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر
الجسد بالسهر والحمى).
وإلى لقاء يافرحات...
سعيد الجطلاوي
|