|
01/02/2006
محمد صالح بويصير
" عبد الرحيم .. بعد عام من رحيله كان ابوك رجلا نادرا يا صالح "
مضى امس عام على رحيل رفيقى عبد الرحيم صالح.
فبعد ظهر ألأحد 30 يناير2005 وبعد الساعة الثالثة مساء بقليل نقل لى الصديق جاب الله موسى ذلك الخبر الرهيب عندما قال لى و هو يبكى" عبد الرحيم مات" .
كنت قد اتصلت بعبد الرحيم فى المستشفى قبلها بقليل للاطمئنان عليه، وكذلك للحديث عن ألأنتخابات العراقية التى جرت فى نفس اليوم ،فقد كان ممن يراهنون على ان العراقيين سيتحدون ألأرهاب ليخرجوا الى صناديق ألأقتراع ، وعندما لم يجب على المكالمة تركت له رسالة صوتية قصيرة "عبد الرحيم.. العراقيون اليوم و الليبيون غدا، الناس ستنتصر لحريتها ، ساتصل بك ثانية للاطمئنان" ..ولم اكن اعلم ان هذا ألأتصال لن يحدث ابدا.
لقد علمتنى التجربة مع الموت و منذ ان خطف ملاك الموت ابى ان الموضوع يتعدى الفراق الى الخسارة،فخلف كل ذلك العبء الوجدانى و العاطفى الذى يصنعه الفراق تقبع خسارة موضوعية يسببها رحيل المؤثرين من الناس خاصة فى ألأوقات التى نحتاجهم فيها.
لذا وبعد ان استفقت من غيبوبة الحزن على عبد الرحيم بدأت اكتشف، و بنحو موضوعى، مقدار الخسارة التى منينا بها برحيله ؛
ففى وسط الجهل و ألأمية السياسية التى انتجتها سياسات الأستبداد فى ليبيا ، يكون عبد الرحيم صالح صاحب التقافة الواسعة خسارة لا تعوض.
ومع انتشار الثقافة ألألغائية التى تمددت فى بلادنا بعدما حرم الطغيان الحوار، و احرقت الكتب، و سفهت المعرفة لحساب الخرافة، وحل الغيبى محل كل ما هو منطقى و عقلانى ، فى وسط كل ذلك يكون عبد الرحيم صالح صاحب العقل النقدى المنظم و المنهج العقلانى خسارة لا تعوض.
وفى وسط التهافت على الظهورالسياسى و لو بالمزايدات والبحث عن الزعامة حتى و لو بتضليل الناس، وتوسل الشعبية ولوعلى صهوة الشعارات الخشبية ، يكون عبد الرحيم صالح المتواضع الخجول الصادق مع نفسه و مع الناس خسارة لا تعوض.
وفى وسط تدنى المستوى الخلقى لحد التبلى على الآخرين و التهجم على الموتى وتناول اعراض الناس و تلفيق الأكاذيب وتزوير التاريخ ، يكون عبد الرحيم صالح ألأديب عفيف اللسان المهذب والمحترم خسارة لا تعوض.
لذلك وفى وسط كل هذا النشاز الذى يعزف هنا و هناك والزعيق و الضوضاء التى تصم ألآذان ادعوكم لقراءة هذه ألأبيات التى خطها عبد الرحيم عند ما زار ألأسكندرية عام1990 فاججت حنينه بالوطن.. و هى من ضمن مجموعته الشعرية"السراب" التى اهداها الى قبل رحيله.
"أليك اطير اموت بك حبيبا ما حييت و ما ابقى الزمان و ما فنيت
اموت..وبالحب احيا وفى قبلة وجد اليك اطير
اموت..فكيف ابتليت بهذا الحبيب وهذا الجمال وهذى العيون؟ وكيف رضيت الفراق المرير؟
اموت افتراسا و اصحوا من الحلم شوقا
و ارنوا اليك..واصبوا فقد طال هذا البعاد المقيت
احن اليك.. و اشكوا وبالحب ابقى وفيا ليوم اللقاء اليك اطير"
.. لتعرفوا معى مقدار خسارتنا التى لا تعوض ، ولأقول لابنه صالح" كان ابوك رجلا نادرا".
محمد صالح بويصير بوسطن فى 31 يناير 2006
|