10/02/2006


 

إنهم يرقصون على جثثنا

 

عز الدين اللواج - كاتب وباحث من ليبيا

  

 

مُتْ صامداً

وأترك نداء الصبح يسري هادراً

وسط الجماجم والعظام

وأترك لهم عبث الموائد

والجرائدِ والمشاهدِ والكلامْ

أترك لهم شبق الفسادِ

ونشوة الكهانِ بالمال الحرام

أطلق خيولك من قيود الأسْر

من صمت المآذن

والكنائس والخيام

أن الشعوب وأن تمادى الظلم

سوف تدق أعناق السماسرةِ العظامْ

أن الشعوب وأن توارت

في زمانِ القهر

سوف تطل من عليائها

ويعود في يدها الزمام

فارفع جبينك نحو ضوءِ الشمسِ

أنَّ الصبح آتٍ

لن يطول بنا الظلام

 

فاروق اجويدة

 

 

حسناً ، قد يكون من الصعب الاعتماد على أي احصائية عربية تُقدر تعداد الفقراء العرب وذلك نظراً لحرص النظم السلطوية العربية على إخفاء ملفاتها المتعلقة بمعاناة مواطنها البائس والمكلوم ، فمن شأن إماطة اللثام عن مضامين تلك الملفات أن توظف توظيفاً مضاداً من قبل أطراف ضاغطة على شاكلة نشطاء المجتمع المدني الذين من المرجح أن يقوموا بربط ملف الفقر بملف آخر أكثر بؤساً ومعاناة وأقصد بذلك ملف الوضع الديمقراطي المترهل في تلك النظم السلطوية ، فلقد نجم عن وضعية سيطرة الفرد الطاغية أو الإليجارشية القاهرة في نظمنا التقليدية العربية عدة تمظهرات سلبية بشعة لعل أبرزها يتجسد في ما يسمى بظاهرة " الفقرقراطية العربية " والتي يشير مفهومها الذي أستخدمه لأول مرة الباحث المغربي إدريس ولد القابلة " إلى جملة الآليات والممارسات الممنهجة التي تعمل على استدامة الفقر عبر صيرورة تفقير الفقير وإغناء ثلة مفسدة تتمكن من الإثراء السريع عبر آليتين رئيسيتين هما :ـ

 

1)  آلية الاستحواذ على خيرات وثروات البلاد واحتكار ثمرات التنمية .

 

2)  آلية تحميل الفئات الفقيرة عبء تمويل الميزانية العامة وذلك على شكل تحميلها ما لا طاقة لها به ، أو على شكل حرمانها من خدمات اجتماعية ضرورية .

 

وعن خطورة تداعيات الفقرقراطية يؤكد أحد الباحثين العرب على أن الفقرقراطية تعد أشد وأكثر فتكاً من الفقر لأن هذا الأخير بالإمكان محاصرته وتضييق الخناق عليه إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة لذلك ، أما الفقرقراطية فهي نهج وآلية وعقلية دائمة الفعل ، ومكمن خطورتها يتجسد في مجموعة تدابيرها وإجراءاتها العملية الرامية لتسويغ الفقر وزيادة آلام وآهات الفقراء .(1)

 

إن المتأمل في الملف الفقرقراطي الأسود لنظمنا السلطوية العربية يستنبط عدة خصائص وسمات سوداوية هي في الواقع مؤشر ينذر بالمزيد من تأزم حالة الاحتقان السياسي التي تمر بها شعوب تلك النظم الاستبدادية ولعل أبرز تلك الخصائص والسمات يتجسد في النمط الثقفوي الذي يحاول أباطرة الفقرقراطية تجذيره في ذهنية المواطن العربي ، فتداعيات الفقرقراطية لا تنحصر فقط في تجليات وأبعاد سياسية واقتصادية أو اجتماعية ، بل تمتد إلى أفق ثقفوي يتميز بدينامية قهرية تحاول تعزيز نمط تفكيري يراد له أن يكون بمثابة الرافد الدائم والمستمر للفقرقراطية ، وهذا النمط يمكن حصر أهم مضامينه وملامحه في الأبعاد والأسس التالية : ـ

 

أولاً ـ البعد الذي يرتكز على ثقافة خوف اجتماعية يحدد جورج أورويل في روايته ( 1984م ) أهم عناصر بنيتها بالقول بأنها " أن تعرف ولا تعرف وأن تعي حقيقة صادقة كل الصدق وترى بدلاً منها كذبات موضوعة بعناية ، وأن يكون لديك في نفس اللحظة وجهتا نظر متباينتان وأن تعتقد وتؤمن فيهما وكليهما ، وأن تستخدم المنطق ضد المنطق ، وأن تنكر الفناء ثم تدعيه ، وأن تعتقد بأن الديمقراطية غير ممكنة وفي نفس الوقت تنادي بأن الحزب الحاكم هو حامي للديمقراطية ، وأن تنسى ما تدعو الضرورة لأن تنساه ثم تستعيده إليه ثم تعود فتنساه مرة ثانية ، الأنكى من ذلك كله أن تطبق نفس الطريقة في حالة الإيجاب والسلب " . (2)

 

إن الفقرقراطيين العرب يحاولون بقدر المستطاع توظيف ثقافة الخوف من أجل دعم آليات تسويغهم للفقر ، وهو الأمر الذي ترتب عليه إن الفقير العربي على الرغم من معرفته بنهب الفقراطيين لحقه المشروع من ثروة البلاد ، فإنه أمام واقع دكتاتورية النظم التقليدية السلطوية التي يرزخ تحت وطأة قهرها وأمام نجاح الفقرقراطيين ، في لجم أفواه جل العناصر الشريفة والصادقة التي تجرأت على نبش المسكوت عنه في ملفاتهم السوداء ، يضطر ذلك المعدم البائس إلى أن يصرف النظر عن ذلك النهب غير المشروع وأن يكتفي بتفريغ شحنة غضبة في لاوعيه أو عبر تقنيات التفريغ الإنهزامي ومنها على سبيل الذكر لا الحصر تقنية الفكاهة السياسية أو ما يسمى بـ " النكتولوجيا السياسية " .

 

ثانياً ـ البعد الذي الذي يرتكز على إذكاء ثقافة صراعية بين الفقراء العرب وذلك من خلال آليات غير مباشرة يتم عبرها توظيف مشهديات حياتية ما كانت لتطفو على السطح لولا وجود ثلة فقرقراطية مفسدة ترتب على استئثارها بالثروة استفحال أمر مشهديات صراعية على شاكله صراع الباعة الجائلين على أرصفة البيع ، وصراع سائقي الأجرة على الركاب وصراع المدرسين على الدروس الخصوصية وصراع المثقفين على مكافآت الصحف والمجلات وغيرها من مشهديات اصطناعية متعددة تمتد إلى مشاجرات ومجابهات في العديد من الأحياء والأزقة العربية ، هناك حيث تصل تداعياتها الصراعية إلى الأسرة العربية وتحديداً بين الأزواج وبين الآباء والأبناء .(2)

 

ثالثاً ـ البعد الذي يرتكز على تحويل الثقافة الصراعية الآنفة إلى ثقافة تقليد ومحاكاة تصل لذروتها عندما يعمم تحالف الثروة ـ السلطة نمط العلاقة القهرية في المجتمع باعتبارها دليلاً على القوة وعلى المكانة الاجتماعية ، وحين يحاكي الفقراء الذين يحومون حول مراكز الثروة ـ السلطة نمط تلك العلاقة القهرية في تعاملهم مع من هم أقل منهم تنفذاً أو من هم بعيدون عن دوائر الثروة ـ السلطة ، فالبلطجي الذي يحمي ثرياً مفسداً ومتنفذاً قد يمارس البلطجة على من هم أدنى منه وذلك ضمن سياق شعار فقرقراطي مفاده " أحميك بسطوتي ونفوذي وتحميني بجسمك " ، فالفقير لا يملك سوى جسده ليقايض به من أجل البقاء والحماية أي أن جسد الفقير هو السلعة التي يشتريها الفقرقراطي المفسد وقد يشتريها بالجملة ( كالبلطجة ـ الدعارة ) أو قطاعي ( أنظر مثلاً اضطرار الفقراء لبيع أجزاء من أجسامهم تحت وطأة الحاجة والفقر ) . (3)

 

إن المحاكاة السابق ذكرها قد ولدت للأسف بين الفقراء العرب ثقافة اجتماعية سيئة تحولت مع مرور الزمن إلى أشبه بنظام طبيعي لا مفر منه ، نظام تحول فيه الفقير بشكل لا إرادي في أغلب الأحيان إلى قاهراً ومقهوراً في نفس الوقت ، يتم من خلاله استجلاء عادات ذميمة ربما أن أبرزها ما أورده الكاتب المصري نبيل عمر في مقالة له معنونة بـ " صناعة الفراعين " ، حيث يروي عمر أنه كان يعاتب صديقاً له تغيرت أحواله بعد أن تم اختياره لمنصب سياسي رفيع وعندما سأله عن سبب تغير مسلكه إلى ما كان يكرهه وينبذه قبل اختياره لذلك المنصب أجاب قائلاًً : " هذا النظام أقوى من أي رغبات شخصية أو غير شخصية ، نظام مكتوب لكنه مسيطر وفعال من أول لحظة دخلت مكتبي وكل رغباتي مجابة حتى لو كانت مخالفة للوائح والقوانين ، فالكل يجندون أنفسهم لتبرير أي طلبات أو تقنين أي أفكار تطرأ على بالي قبل أن يقوموا بمهام أعمالهم بمجرد أن أقف يقفون جميعاً ، أمشي يمشون ، أجلس يجلسون ، أحببت هذه السلطة ، ثم عشقتها ، وأخيراً أدمنتها ، شيء لا أستطيع أن أصفه وأنت تمارس السطوة يخيل لك أن صفة من صفات الله " انتقلت إليك " (4)

 

هكذا يستفحل أمر تداعيات الظاهرة الفقرقراطية في المنطقة العربية ، وهكذا يحصد البؤساء العرب المزيد من ثمار ملف الدولة السلطوية العربية وهكذا وفي ظل غياب الوعي الجمعوي المستنير يتحول أولئك البؤساء إلى أداة تستخدم من أجل تفعيل منظومة شقاؤهم وبؤسهم ، بل إنهم يعملون من خلال واقع ممارساتهم الحياتية على إجهاض أخر ما تبقى من أمل التخلص من فخاخ الفقرقراطية الملعونة ، فها هو على سبيل المثال المعلم العربي صاحب أقدس وأشرف مهنة يسهم وبشكل غير مباشر في دعم وتعزيز ثقافة القهر والخوف وذلك عندما يعمد ذلك المعلم إلى نشر الخوف بين المتعلمين لكي يرضخوا لسلطته وأوامره ، فيألفوا مع مرور الوقت الإذعان لقراراته ، وبذلك يغدو السيد المطاع الذي لا تعارض قراراته أو لا يناقش فيما عزم عليه ، مما يفضي في نهاية الأمر إلى تكوين علاقة هيراركية بين الطرفين تخلو من الصفة الإنسانية وتعمل على خدمة مخرجات خطاب القهر الذي تتبناه الدولة السلطوية العربية، (5) و إلى تكريس إرادة الحاكم العربي الطاغية والقائمة كما هو معلوم على قاعدة قهرية عبر عنها بعمق شاعرنا الذي قال : ـ

 

 مــا شئـــت لا ما شاءت الأقــــدار        فاحكم فأنت الواحد القهـــــار

 

وختاماً فقد آن الأوان لأن يتخذ فقراء العرب موقفاً حازماً وفاعلاً تجاه تمظهرات الفقراطية وتبعاتها المختلفة وأن يضعوا حداً لكل فقرقراطي سادي يتلذذ بالرقص على جثثهم ويعمل على تفعيل منظومة شقاؤهم وبؤسهم ، ولعل أول خطوة على طريق ذلك الموقف الحازم تكمن في الوعي البناء بتفاصيل جريمة تسويغ فقرهم المزري ، ثم تأتي بعد ذلك خطوة امتلاك إرادة القضاء على براثن الفقرقراطية المقيتة فعلى الدولة السلطوية العربية ومفسديها يجب أن تدور الدوائر .  يجب أن تدور الدوائر ..... يجب أن تدور الدوائر .

 


 

الإحـــــــــــالات:

 

1) معتز سلامة ، الآليات الاجتماعية لنشوء الفقر ، بحث نشر ضمن كتاب " الفقر في الوطن العربي " تحرير أحمد السيد النجار ، ( الطبعة الأولى ، القاهرة ، مركز الإهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، 2005 م ، ص 82 .

 

2) د . عبد الرازق عيد ، يسألونك عن المجتمع المدني، (الطبعة الأولى، بيروت، دار التنوير ، 2005 م ) ، ص 57 .

 

3) د . آمال طنطاوي ، الآثار السياسية والاجتماعية لانتشار الفقر في الوطن العربي ، كتاب " الفقر في الوطن العربي " ، مصدر سبق ذكره ، ص 256.

 

4) د . محمود شمال حسن ، الخطاب التربوي العربي وإشكالية تشكيل السلوك ، مجلة شؤون عربية ( جامعة الدول العربية ) ، ( العدد 115 ، خريف 2003 م ) ، ص 122.

 

5) د . محمد عبد السلام عويضة ، الطريق الثالث للخروج من دائرة الاستبداد والتخلف ، ( الطبعة الأولى ) ، (القاهرة ، مركز الأهرام للترجمة والنشر ، 2004 م )، ص 316.

 

عزالدين اللواج_كاتب وباحث ليبى

Lawaj_2005@yahoo.com

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com