09/02/2006


د. جاب الله موسى حسن

 

أنين حزين...!!

 

"حــــزن اسر أطفال بنغازي... اصـــبح قاتــلاً لأنـــه بلا صـــوت ولا دموع!!"

 

تسنى لي في الأيام القليلة الماضية الاستماع  عبر الهاتف إلى عدد من الليبيين الذين خرجوا للتو من جماهيرية الإرهاب بعد ان عاشوا أحزان والأم اسر ضحايا  أطفال بنغازي, ناهيك  عن ما يمر به الوطن من محن  ومآسي.. وكان على أن أصغى إليهم جيدا وهم يعرضون تفاصيل مشاعرهم وتفاعلاتها بعد ان احتبست في نفوسهم زمنا يبدو ليس بقصير!!

 

ولم يسعفني في مواجهة هذا الموقف الكئيب الذي يتحدث عنة  أحد هؤلاء  المعذبين  إلا غناوة علم قلتها  لهم  تخفيفاً  عن  حالة  القنوط واليأس والكآبة التي كانت تلف مشاعرهم،حيث قلت لهم:

 

مطراك صار لي من قبل… على أبكاك ماني لايمك

 

كان بينهم مثقفون ورجال أعمال ومتسوقون وهاربون يبحثون عن فرص عمل خارج الوطن الذبيح  أو منفذ إلى هجرة أبدية  بعيدة عنه. و أدهشني ان عبارة واحدة ترددت على السنة معظمهم، على الرغم من التباين في تكوين كل منهم واهتماماته، وكانت تلك العبارة "انه موت في كل الأحوال…" موت من السرطان...أو موت في معتقلات طرابلس..الجماهيرية ما هي إلا مقبرة كبيرة! ." و أدركت على الفور ان اليأس الذي ينبعث من كلامهم يشيع سحابة كبيرة فوق الوطن كله.... تسمح بان تكون العدمية مصدرا في التفكير والتصرف بعد ان شح الأمل حتى كاد ان يتلاشى نهائيا بعد سنوات طويلة من انتظار تبدل الأحوال وتحسن الظروف الإنسانية الأساسية التي يحياها الفرد والمجتمع في الوطن المحتل!!.

 

سالت أحدهم: لماذا أنت يائس..؟ فأجابني :قل لي من الذي لم يشترك في حرب التيئيس ضدنا ..كأنها حرب منظمة تهدف إلى نزع ثقتنا بأنفسنا و بحاضرنا ومستقبلنا..فحيثما تلفتنا لا نجد غير ما يبعث على اليأس.و سألته ثانية :مما اليأس؟ فقال :اليأس من فرص تبدل أحوالنا السياسية في الداخل..واليأس من تخلى  عن سياسة الإفقار والتجويع  المنظم التي تمارس ضد أهالينا فى برقة الحزينة..واليأس من إمكانية إعطاء أطفالنا غذاء كافيا وصحياً قبل ان يبلغوا سنا يكتمل فيها نموهم ولا يعود هناك أمل في منع أصابتهم بسوء التغذية..والتشوه..واليأس من ترميم اقتصادنا المنهار واليأس من تعليم شبابنا  واليأس من حصول شباب المناطق الشرقية على بعثات دراسية أسوة بغيره من المناطق الغربية... اليأس من رد اعتبار والاعتذار  لقبائل وعشائر برقة  بعد ان سلبت كرامتهم  واخذوا أبنائهم عنوة لمعتقلات طرابلس  ..واليأس من صيانة مؤسساتنا التعليمية بعدما أصبحت حُطام..اليأس من الحصول على كوب ماء نقي..اليأس من استرداد  كرامتنا المفقودة!!

 

وقال آخر :أننا منذ سبع سنوات في حالة انتظار..ننتظر أمر سيقع..وقد تعودنا ترضية أنفسنا وخداعها بان ما ننتظره سيأتي..وان أحوالنا المعيشية ستتحسن..وان القدافى  سينتهي...لكن الذي ننتظره لم يأت ..وقد لا يأتي..لذلك قرفنا من الانتظار..انتظار الفرج الذي لا يأتي. سكت الرجل و أردف: وقرفنا أيضا من البكاء علينا..أننا نسمع أصوات أولئك الذي يعطفون على الليبيين وتزيدنا هذه المشاعر إحساسا بالكراهية،لأننا لا نريد من يتعامل معنا كموضوع لاهتمام الجمعيات الخيرية ومراكز المعاقين.. ولسنا بصدد الحصول على الصدقات و أعمال المحسنين..وكلما بكي أحد على أحوالنا أدركنا كم ساءت أوضاعنا وازددنا حنقا ضد الآخرين!!

 

وسألت أحدهم يبدو أنه كان متابعاً لتصريحات "سيف الزيف" وأحاديثه  للأعلام الخارجي دون غيرة ،فقال هذا الرجل وهو يبدو متأثرا ومنفعلا عبر الهاتف،قائلاً:"سيف "في واد والناس في واد آخر..ان آخر ما يهم سيف هو  حالة الشعب..لو فكر في معاناة الشعب..لاختار الصمت وتوارى عن الأنظار..أننا بالنسبة لسيف وغيرة من الدهاقنة لعبة يتسلون بها وموضوع يتعايشون  عليه..واشعر أحيانا انهم اكبر الخاسرين لو تحسنت أوضاع الناس العاديين وحصلوا على حقهم في حياة كريمة ومرفهة..لأنهم آنذاك لن يجدوا موضوعا يعطيهم فرصا للظهور والتكسب السياسي من خلال  تصريحاتهم للقنوات الغربية  والمتاجرة السياسية  من خلال الحديث عن  حقوق الإنسان واطلاق  سراح المعتقلين السياسيين القابعين فى سجون طرابلس!!    

 

و أدهشني  هدا المتحدث قائلا  : لقد تخلينا بعضا من الوقت عن أدنى مشاعرنا الوطنية..في لحظة شعرنا ان تلك المشاعر قد ماتت، ولم تعد تنبض في نفوسنا،لم يعد لدينا إحساس بالوطن.. ولا بمعاني الوطنية،ويستطرد هذا الإنسان المعذب قائلا لقد صارحت أصدقائي المقربين قبل خروجي من جماهيرية الخوف فوجدت انهم أيضا كانوا يمرون بلحظات تبلد من هذا النوع.. غير ان الأمر انتهي وكأننا خرجنا فجأة من غيبوبة ،وصرنا ننظر بخجل إلى تلك المرحلة التي اختلط فيها الآثم مع الخطيئة ..تصور حال إنسان يشعر انه وقع في الخطيئة ثم خرج منها..انه يتحول إلى نقيض لما كان عليه.. و الآن الوطنية ليست حب الوطن..بل هي اكثر من ذلك، أنها كراهية كل الذين اشتركوا في ذبح هذا الوطن.. وعزله وحصاره ومعاقبة مواطنيه.. أننا لا نكتفي إلا بحب أنفسنا والتشبث بها.. بل أننا لم نعد نرى ان لدى الآخرين مشاكل تعنينا..في أي بلد كانوا.. ان كل مشاكلهم تصبح صغيرة أمام همومنا وأحزاننا ولم نعد نكترث بأحد.. ولا ببلد.. لان ما فينا يكفينا ويزيد،وقد أحببنا غيرنا من قبل اكثر مما أحببنا أنفسنا وحان الوقت لنعود إلى أنفسنا وذواتنا..

 

وختم الرجل كلامه بسؤال: لماذا يعاملنا الجميع وكأننا شعب اقل قيمة من سواه..؟

 

القذافي ولجانه الثورية ينظرون إلى الشعب وكأنه مجرد عبيد...والعالم الخارجي لا تحركه غير الأطماع الاقتصادية وتوقيع الصفقات التجارية والنفطية فوق أشلاء الشعب وأنقاضه ..و أسألك لماذا يعتقد بعضهم أننا قد تجمدنا وتجمدت عقولنا..؟

 

ان الناس لم تتبلد لكنها تلهث صباح مساء لتأخذ دورها في طوابير السلع التموينية..لإطعام أطفالها..وتعيش يومها دون ان تعرف مصيرها في لغد.. وهذا ليس تجمد اخترناه, بل عقاب فُرض علينا.. وإذا أرادت ان تصف مشاعر العدمية التي تحيط بنا.. فقل أنها مجرد لحظة جمود وسكون عابرة مهما طال الزمن...!!

 

والمتابع لغرف البالتوك وأحاديث الليبيين فى هذه المنابر يكتشف ان هؤلاء الاخوة الذين تحدثت معهم عبر الهاتف ليسوا وحدهم من أصابه اليأس والكآبة ،بل ان الجميع داخل الوطن السليب وخارجه يمرون الآن بلحظة جمود وتبلد ويعتقدون،كل من موقعه، ومن زاويته في الرؤية، ان الوضع لن يتبدل إلا إذا تغيرت أحوال الوطن الجريح وتحرر الليبيين من رجس العبودية وظلم اللجان الثورية !!  

 

Jaballah60@yahoo.com

  • أستاذ  مشارك بجامعة تكساس الجنوبية.

  • أستاذ محاضر بكلية الفن.Alvin  

  • أستاذ محاضر  بكلية مقاطعة هارس الشمالية.

  • أستاذ محاضر بكلية هيوستون تكساس.


أرشيف مقالات الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com