|
05/02/2006
د. جاب الله موسى حسن
لماذا "الكيل بمكيالين"!!
"مواطن بلا وطن...ضياع وسخط وآلم!!"
الحرية لازمة لقوة الفرد وقوة المجتمع، وقوة جهاز الحكم..الحرية هي ضرورة حياة،ومن ثم الارتباط بين الديمقراطية وقوة المجتمع،بل مصير الوطن ـ فعندما يفقد الإنسان حريته تنقضي طاقة المجتمع كله، ثم ان الديمقراطية تؤدي إلى تقوية موقف الحكومة التي اختارها الشعب بمحض إرادته وهو سندها في مواجهة الضغوط ومحاولات الابتزاز،لأن قاعدتها الشعب،ولذا نقول ويقول الجميع للقذافي أن النظم الغير ديمقراطية تتحمل مسئولية أخطائها وجرائمها!!
لهذا أصبحت الحرية هي ضرورة حياة،فهناك فرق يا سيادة الصقر الأوحد بين الحرية كطبع للإنسان والحرية كقوة تزاول فتحدث أثر، فالحرية لدى هذا الإنسان أو ذاك كامنة أو محفوظة في النفس سواء كان صاحبها طليقاً أو مقيداً... لأنها جزء من كيان الفرد وطبعه، فالإنسان العاقل يملك إلى جوار حواسه قوة الحرية،بدليل ان الحرمان منها اعتبر من بدء التاريخ عقابا،فلم تجد المجتمعات البدائية طريقا إلى العقاب أقوى من حرمان المرء من حريته فنشأ بهذا العقاب نظام الرق، واستمر الحرمان من الحرية عن طريق النفي والسجن عقابا حتى الآن،وما كان ذلك إلا على تقدير ان الحرية طبع في كل إنسان، وان حرمانه منها حرمان من جزء من كيانه ـ وهذا هو المعنى الحقيقي لمفهوم الحرية!! إذا طلب شعبنا مهيض الجناح الحرية لا يعني طلبه بها شيئاً كثيراً، إنما يطلب إلا يموت ـ ولا يوجد مخلوق أقنع من الذي يطلب الحياة ووسائل الحياة،كما أنه لا أحد أقل كرماً من الذي يضن على الموجود الحي بأن يستوفي قسطه من الحياة.. فالإنسان يحفظ حرية الفكر وحرية المشاعر،أي يحفظ حرية الطبيعة حتى في داخل السجن، يحفظها في كل حال هو عليه مادامت روحه في جسده!!
لكن هذه الحرية الطبيعية لا فائدة منها إذا تعطلت من أثارها،فالذي سجن والذي منع من الكتابة والتعبير عن آرائه بأي وسيلة ممكنة ـ كل أولئك يحفظون حريتهم في نفوسهم، ولكنهم فقدوا الانتفاع بها، أي فقدوا حريتهم المدنية..الحرية طبيعة وميل الناس إلى تحصيلها طبيعي بالضرورة ،يشتد ويظهر مع القوة الحيوية،ويضعف وتخمد أثاره مع الضعف،فكما ان القوى لا يموت جوعا، فكذلك لا يصبر على الحياة البعيدة عن المثل الأعلى للحرية،فالحرية يا حكيم أفريقيا كامنة في النفس،لا ينتفع بها الإنسان إلا إذا تمكن من مزاولتها ، وهذه القدرة تتطلب قوة،فكلما كان الإنسان قويا كلما تمكن من مزاولة حريته، أن أول مظاهر القوة هي القوة المعنوية أي قوة الحرية العلمية وتبادل المعلومات، فأنظر يا قايد إلى ما نحن عليه من تخلق وضيق أفق وفقدان للأمل..أنظر إلى الحرية وموقعها من الشعب الليبي أكامنه هي أم ظاهرة،أعامله هي أم عاطلة ـ فإن تبينت أنها خفية وتمارس داخل حيطان غرف الجلوس "المرابيع" فتأكد أن المجتمع الذي جاء بك القدر أن تحكمه لا يستطيع أن يزاول الحرية خارج هذه الحيطان. فالمجتمع الليبي في حاجة إلى أمل لإظهار ما يجيش في خلده من مرارة وقهر وحرمان خارج حيطان "المرابيع" حتى تكتمل له الحياة، لأن المجتمع إذا عاش معطل الحرية يحيا حياة مريضة يعجز بمقتضاه عن استخدام قدراته ومواهبه.. فمن لم يستطيع إبداء رأي،أو أداء عمل، عطل فكره ولسانه وعطل حتى حركته،فاصبح عاجزاً عجزاً يحرمه متعة الحياة بمقدار ما عجز عن أدائه من عمل أو عن إبدائه من رأي!!
الحرية يا أمين القومية هي بمثابة قوة للفرد وللمجتمع، فالفرد المتميز هو الفرد المبدع،والإبداع لا يكون إلا من فرد حر ـ وهذا ما لمسته أنا شخصياً من خلال تدريسي هنا بجامعة تكساس الجنوبية وكدلك الكليات الأهلية الموجودة فى هدا البلد المعطاة. كيف أن طالب العلم هنا فى الولايات المتحدة الأمريكية يُحسن تحصيله لأنه حراً.. أما طلاب جامعات جماهيرية الجهل والتجهيل الفكري الذين فُرض عليهم مشروع تثوير المناهج وحفظ مقولات الكتاب الأخضر،نجدهم يحصلون على شهادات ولكنهم لا يحصلون على علم!!
والفرق واضح يا حكام طرابلس بين إنسان صار له حق البحث وإبداء الرأي والعمل بلا قيود فأصبح نابهاً ومجداً بالضرورة،وبين إنسان مكبل بالمثابات الثورية وثقافة العنف والإرهاب المنظم وما اختلفت طبيعة ظروف الفرد السياسية إلا وازدادت ملكاته ومواهبه،فيصبح مبدعاً خلاقاً. فكان لا محالة في ان الحرية مثابة قوة للفرد، لان التميز في ذاته قوة !!
أما قوة المجتمع الحر مثل المجتمع الأمريكي فهي تنبع أو نتيجة لازمة لقوة أفراده الأحرار. لكون المجتمع مجموع أفراد ـ بيد أننا نريد إلى هذا المفهوم البديهي للحرية أن يسير وفق أصول أو مبادئ معينة يستقيها المجتمع من التقاليد أو الأديان ان تصحح الخطأ .إذ ان النزعة المنافية للطبيعة السوية لا تعيش طويلا ،وإبداؤها واحتمال آثارها أولى من كبتها لتزاول في السر وتصبح سلبية!!
الحرية مثابة قوة تستند إلى إرادة الشعب ولا تتصادم مع طموحاته،أما الاستبداد فهو سند الحاكم وحده، عليه الوزر في أحوال الفشل وما أكثرها فى جماهيرية العار، وله الفضل أن نجح .. وهيهات!!
نزيد عليه ان الفرد الحر يكون مكفول الحقوق في وطنه فيحافظ عليه، أما من قيدت حركته و إرادته وسُلطت عليه شرعية ثورية ومربعات أمنية صادرت حريته وضيعت أمواله بين مغامرات لا داعي لها،أو مشروعات غير مدروسة لا جدوى منها أو لا تتناسب جدواها مع نفقاتها النهر الصناعي مثالا ....هذا الفرد يزهد من وطنه ويعامل من يحكمه بالقسر والرهبة معاملة الطائر للصائد، فلا يكون نظاماً قوياً أمام الدول الأخرى الصديقة أو المعادية، وان كان قوياً جدا على شعبه المقهور والمبتغي بنظام الحكم في اصل نشأته ومع تطوره حتى الآن،هو العكس تماما أي يكون رحيماً بشعبه قوياً أمام غيره من الدول ليكون مُهاباً في الحالتين!!
وعدم تحقيق هذه البديهيان في الوطن السليب يا سيادة الصقر الأوحد أصابه بالضعف أمام الصديق وأمام العدو.. لكن الحرية تحققت في إسرائيل فصارت قوية بأفرادها الذين يحسون بالانتماء لبلادهم.والذين أتقنوا العلم فأبدعوا،والذين تمكنوا من العمل بحرية فأحسنوا الإنتاج في كافة المجالات،فصارت دولة إسرائيل مهيبة لدى أصدقائها ولدى أعدائها على السواء. ومن أراد ان ينافسها فعليه ان يتسلح بما تسلحت به من حرية كفلتها للفرد وللمجتمع و التزمتها في نظام حكمها. وليس مجدياً يا صاحب فكرة أسراطين أن ترمي إسرائيل بصفات أخرى غير حميدة قد تكون قائمة فيها فعلا، لان قيام هذه الصفات ،على فرض تحققه، لا يسلبها صفة الحرية التي منحتها القوة ـ كما لا يجدي ان تعزو يا سيادة العقيد كل نجاح تحققه إسرائيل لمساعدة أمريكا لها، فلا جدوى من مساعدة لا يستفاد بها أو لا يحسن الاستفادة منها من قدمت له، لا..بل كان حجر الزاوية هو الحرية. لقد سأم الشعب الليبي من انتقادك للولايات المتحدة، ومن ترديدك لعبارة "الكيل بمكيالين" وبغباء مستفحل لم تتوصل بعد إلى أن القوي الديمقراطي لا يعامل معاملة الضعيف الاستبدادي، فان شئتم ان يكال لكم بنفس الكيل ،فعليكم ان تتبوءوا نفس القدر علما وغنى وقوة،ولازم ذلك كله وشرط تحققه هو الحرية العاملة لا المعطلة..!!
|