|
المقتبس النفيس من سيرة الملك
ادريس (1)
.. دعوني أروي لكم هذه الحكاية
القصيرة التي رواها لي ذات يوم رجل من الماضي، هو المرحوم فضيلة الشيخ منصور
المحجوب، الذي ترأس المحكمة ...العليا وأسس جامعة الإمام محمد بن علي
السنوسي الإسلامية، وكان ذلك بمناسبة زيارة الملك سعود ابن عبدالعزيز
لليبيا، في فبراير من سنة 1957.
في ختام الزيارة الرسمية، وبعد البرنامج الحافل الذي مكّن الملك سعود من
الاطلاع على منجزات الدولة الليبية التي لم يتجاوز عمرهايومذاك خمس سنوات،
سأل الملك إدريس ضيفه السعودي عن رأيه وانطباعاته عما رأي وشهد في ليبيا ؟
تردّد الملك سعود قليلا ثم قال: إنني لم أكن أعلم أن ليبيا على هذا المستوي
من التقدم والازدهار، ومع ذلك، فإنني ـ يا صاحب الجلالة ـ لست مرتاحا ولا
معجبا بنموذج دولتكم هذه!.. هذه الدولة التي تحكم بثلاث برلمانات، وثلاث
حكومات محلية، وأيضا بمجلس للنواب ومجلس للشيوخ وحكومة اتحادية، ومحكمة عليا
من صلاحيتها إلغاء آي إجراء تتخذه الحكومة أو أي سلطة تنفيذية، ولها صلاحية
القبول والنظر في أي شكوي أو طعن يرفعه أي مواطن.. ضد قرار أو قانون يري
فيه، ما يخالف الدستور!!
وقال الملك س! عود: ـ ما هدف هذا التوسع في التعليم وفتح المدارس أمام جميع
أفراد الشعب بلا رابط ولا ضوابط.. ثم لماذا أنتم مهتمون بتكوين جيش حديث
وقوة عسكرية مسلحة، في الوقت الذي تسير فيه مظاهرات شعبية في مدن المملكة،
يهتف فيها المتظاهرون بشعارات مشبوهة ولا علاقة لها بليبيا!!
وكان الملك سعود قد أحيط علما بأخبار المظاهرة الشعبية التي سارت في مدينة
طرابلس، أثناء هذه الزيارة وهي ترفع يفط وشعارات ضد حلف بغداد وتردّد: '
جمال ـ سعود ـإدريس / يسقط نوري مندريس ' آي (نوري السعيد رئيس وزراء العراق
وعدنان مندريس رئيس وزراء تركيا) وكأنها تبدي التأييد لحملة مصر ضد حلف
بغداد التي يقودها يومذاك راديو صوت العرب ؟
قال الملك إدريس بهدوئه التقليدي وصوته الخافت: ليس في وسعنا ـ يا جلالة
الملك ـ المضيّ سوي في هذا الطريق، وعلى هذا النحو.. ثم أضاف: لقد تغيّر
الزمن، وهذا هو العصر الذي نعيشه، وهذا هو ما قامت عليه المملكة الليبية..
صمت الملك سعود، وكأنه صدم بإجابة الملك إدريس..
وعاد الملك إدريس بابتسامة يسأل الملك سعود: فما الذي يراه جلالتكم ؟
هنا ظهرت على وجه العاهل السعودي مسحة من عدم! الارتياح، قبل أن يقول: إن
النتائج يا جلالة الملك، على المدي البعيد و القريب، سوف لن تكون طيبة.. بل
وستكون وخيمة!
تساءل الملك إدريس: فما الذي يقترح جلالتكم ؟
قال الملك سعود: الذي أراه هو إلغاء هذا ' البرلمان والمجالس التشريعية
للولايات التي تتشكل عن طريق الانتخاب ' وكذلك لا حاجة لكم بمحكمة عليا، لها
كل هذه الصلاحيات، ولا لهذا الدستور.. وعليك إذا أردت أن تحافظ على مملكتك،
أن تكتفي بتعيين ' مجلس استشاري ' من أهل الحل والعقد والمشايخ والعلماء من
المخلصين، بدلا من هذا البرلمان وهذا الدستور.. وتضع بدلا منها على يمينك
(المصحف) وعلى يسارك (سوط) وتقول للشعب: هذا هو دستورنا.. الدستور الإلهي
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..
ورأيي أيضا، أن لا تمضي في تكوين جيش حديث ولا قوة عسكرية منظمة '، وإنما
يكفيكم فقط تكوين (حرس وطني) من رجال القبائل الموالية مثل ما فعلنا نحن.
ابتسم الملك إدريس، وغير اتجاه الكلام، فلقد كان الملك إدريس ليس من عصر
الملك سعود ولا من جيل المفاهيم التي كانت يومها سائدة..
الملك الذي تلقي البيعة من ممثلي الشعب في الجمعية التأسيسية التي وضعت
الدستور، وبدأ عهد مملكته بإلغاء لقب (صاحب ال! جلالة) وقال قولته المشهورة:
إن الجلالة لله عز وجل، وأصرّ على إصدار' قانون تنظيم الأسرة المالكة ' لا
يعترف بوجود عائلة مالكة ولا وجود أمراء من الأسرة السنوسية، وأطلق على
زوجته وهي ابنة عمه ' زوجة الملك ' لا لقب الملكة، ورفض أن يطلق اسمه على
شارع واحد من شوارع مدن المملكة، وأزال صورته من أوراق النقد بعد أن فوجئ
بوضعها دون موافقته، على أوراق العملة في أول إصدار لها بعد الاستقلال..
هذا الملك، الذي لا يملك من مملكته ـ حسب ما كشفت محكمة بشير هوّادي (محكمة
الثورة) الا أربع هكتارات ونصف، في بلدة ' مسّه ' ومنزل قديم ورثه عن والده،
ومزرعة اشتراها من الشيخ أحمد العالم ' نائب مفتي ليبيا ' بطريق سواني بن
يادم، في طرابلس بما تمكن من اقتطاعه من ' مخصصاته السنوية ' التي تمنح له
بموجب الدستور والقانون المالى للدولة، وكانت هذه المزرعة، عبارة عن 82
هكتارا من الرمال، بني فيها مسكنا يقيم فيه عند وجوده في عاصمة مملكته
طرابلس وحرص بعد ذلك على رزاعتها.. هذا الملك الذي يتنقل في سيارة حكومية مع
أربع جنود من البوليس هي كل حراساته وحراسه.. الملك إدريس هذا، فعلا وحقا،
ليس من جيل ملوك ! العرب في هذا الزمن، ولا يفكر بعقلية أمرائهم ولاحكامهم،
حتى عندما أصبح بعض حكامهم ثوارا واشتراكيين!
ولذلك لقي وسيلاقي كل الذين حنثوا بقسم الولاء له عند التخرّج من الكلية
العسكرية أو عندما تقلدوا شارات ترقياتهم على سلم الضباط بعد ذلك، وغدروا
به، وهو الملك الزاهد في الملك والمصرّ على الاعتزال، والتخلي عن العرش،
وترك الحرية لرعاياه ليختاروا شكل الحكم الذي يريدون.. سيلقي كل أولئك
الغادرين مصارعهم، الواحد تلو الآخر.. ولن يفلت منهم أحدا.
ودمتم
فى حفظ الله
احمد بن احمد
عبدالرحمن
libyans4libya@yahoo.com
|