07/02/2006


 

العفو العام في كل من ليبيا وسوريا يضع مطار

 هيثرو في حالة تأهب قصوى!

 

عادل الحامدي (كاتب وإعلامي من تونس يعيش في بريطانيا)

 

 فن الممكن السياسي وأحكام الواقع الصارمة ومنطق ما لا يدرك كله لا يترك جله، ذلك هو ما حدا بالقيادة السياسية الليبية إلى الاحتيال على المسلمات الفكرية والسياسية للنظرية العالمية الثالثة والدخول بها في عالم ما بعد الحرب الباردة، في محاولة قيل بأنها لا تهدف للإفلات من قبضة المارد الأمريكي الذي أخطأت صواريخه رأس قائد ثورة الفاتح من سبتمبر منذ ما يقارب العقدين من الزمن يوم دكت الطائرات الأمريكية مقر إقامة العزيز في العزيزية المصانة، بل تستهدف إعادة بناء المنظومة السياسية على مستوى العالم.

 

عاشت الجماهيرية سنوات طويلة تحت الحصار وما أحدثه من أضرار فادحة طالت الاقتصاد الليبي  وعصفت بالحياة الاجتماعية في هذا البلد الثري حتى أتى حين من الدهر على الليبيين لا يجدون الدواء الكافي ولا الشراب الكافي ولا حتى ما اعتاده الليبيون من طعام كاف، كل ذلك والقيادة الليبية مرابطة مصابرة في وجه الغرب الليبرالي الذي أدار لها الظهر وعمل كل ما في وسعه لعزل هذا البلد العربي إقليميا ودوليا.

 

لم تكن عملية لوكربي التي ذهب ضحيتها زهاء الثلاثمائة من المدنيين أول الجرائم المقترفة ضد الأبرياء، فقد سبق الجماهيرية إلى تلك الفعلة كثيرون في لبنان وليبيا والسودان ومصر والعراق وفلسطين جمع بينهم الإحساس بالغبن والاضطهاد، لكن تلك أحداث تجاهلها مجلس الأمن الدولي وهمشها أعضاؤه الفاعلون حتى غدت نسيا منسيا.

 

أنهت ليبيا إذا سنوات الحصار بعد أن دفعت دية ثقيلة إلى الورثة والمنتفعين في حين ظل المقرحي سجينا يدفع ثمن خطايا سياسية ارتكبتها قيادته يوم كان الاختلاف ممكنا والمدافعة بين الأنظمة والأنساق ميسورة. المقرحي المذنب الذي لم تنجح أطنان الورق المالي ولا حتى قبر المشاريع العسكرية في الإفراج عنه، مثل سابقة في القانون الدولي فريدة، إذ لاول مرة يعدم فيها الجاني رغم دفع الدية.

 

الغرب ديمقراطي مع الذات حتى النخاع عندما يتعلق الأمر بشأنه الداخلي، لكنه يبدو غرائزي السلوك يستنهض كل مخزونه العدائي وحتى العقائدي كلما تعلق الأمر بمصالحه الخارجية، إذ يستأسد ويتنمر ويثور لمجرد إغراق السوق الأروبية والأمريكية بالسلع الصينية الرخيصة، وهذا مفهوم تماما، إلا أن هذا الغرب نفسه والذي تعودنا منه العقلانية والاتزان يفقد قدرته على التعاطي بنفس الحكمة والقدرة على ابتداع الحلول الوسطى عندما يتعلق الأمر بالعالمين الإسلامي والعربي على وجه الخصوص، وذلك لأسباب ثقافية وتاريخية، وليست العراق إلا مثالا صارخا على ما ذهبت إليه.

 

في رد فعل بدا كأنه متهافت سارعت واشنطن التي كانت تعد لغزو العراق على الرد على القرارات الليبية المفاجئة بما هو خير منها، فما إن أعلنت اللجان الثورية قرارها بالمسؤولية الجزائية عن حادثة لوكربي حتى بادرت كل من العاصمتين البريطانية والأمريكية إلى الترحيب علنا بما توصلت إليه القيادة الليبية من عزم على البت الفعلي في هذه القضية التي عصفت بالعلاقات الليبية ـ الغربية طوال ما يزيد عن عقد من الزمن. وهكذا دخلت الشقيقة ليبيا المجتمع الدولي على حين غرة ولم يبخل عنها هذا الغرب بمد الجسور الديبلوماسية منها والاقتصادية، وهو ما نثمنه.

 

يشهد للنظام الليبي كثير من المراقبين والساسة بالفطنة والذكاء والقدرة على التأقلم مع المتغيرات الدولية، لكن ذلك لم يمنعه من المراوحة المزمنة في نفس المستنقع السياسي الداخلي، حيث أثبت عجزا كبيرا في قدرته على الانفتاح السياسي الضروري لأية سلطة تريد الاستمرار في الحكم من غير متاعب ولا تثريب.

 

ولقد حسبنا في تلك المرحلة أن ما لوحت به القيادة الليبية من وعود بالانفتاح السياسي وما صرح به نجل العقيد من رغبة صادقة في معالجة الملفات الحقوقية والإنسانية بنفس الروح العالية التي عالجت بها ملف لوكربي، حسبنا أن سجون اللجان الثورية لن يبقى فيها سجين فكر واحد، ولكن مرت أشهر طويلة على تلك الوعود دون أن نرى لها أثرا. ولسوء حظنا فإن الإعلام الغربي والعربي سكتا عن هذه المطالب كأن ليس في ليبيا إلا مصالح اللجان الثورية.

 

إن الشارع العربي لم يعد يقوى رغم انضباطه الذي لا يحمد عليه على رؤية المقابرالجماعية لأمواته ومقابر يوسفية لأحيائه وهو يتابع المتغيرات المتسارعة من حوله كأنه ليس من كوكبنا في حين لا نزال نسمع عن سجناء رأي وانسداد لكل أبواب المصالحة في كل من ليبيا وسوريا التي لا يزال بعض رجالاتها يواجهون مساءلة حاكم التحقيق الدولي ميليس الذي يذكرنا بسلفه بليكس واتهاماته المباشرة بضلوع أجهزتها الأمنية في اغتيال شخصية سياسية كما لو كانت لوكربي الثانية.

 

القضاء  الذي جر ليبيا إلى قاعات المحاكم الدولية وأنهى ما يربو على العقد ونيف من عزلة طرابلس الدولية، هو من يجر سوريا إلى متاهات التقاضي. والسؤال هنا: هل تكفي بلاغة ديار الشام وقصائد التحدي أن تحجب شبح ما يتهددها من القوانين الدولية المدعومة بقوة المنطق والسلاح؟ وهل يمكن للنظام البعثي بكل ما يملكه من طاقات سياسية وعسكرية حافظ بها على استقلال سوريا طيلة العقود الثلاثة والنصف المنصرمة أن تقف في وجه الشرعية الدولية؟ وعلى الأعراف ما بين الخيارين يتكلف ذوو الأقلام المتواضعة والقلوب المحبة المشفقة مشقة الكتابة للخوض فيما ليس من خوضه بد لنقول: إن استحفار الملفات السياسية ومحاولة البت فيها قضائيا تحت إشراف دولي يصعب أن يكون محايدا زمن استفراد الغرب العولمي الجديد بالقيادة، لا بد أن يتم في إطار أخلاقي شفاف بعيدا عن روح التشفي والثأر من التاريخ ومن شريك الأمس حتى وإن بدا مخالفا لبعض قواعد اللعبة الجديدة. وأحسب أن ردغية العقل السياسي المعاصر وكثافة "فاته"  وعكوفه الشائن على المصلحة الآنية العاجلة ليست مبررا كافيا لاستبعاد قيم التسامح والتسامي بل والتعالي على الذات قدر الإمكان البشري من أجل إصلاح ذات البين وإعادة النظر البصير في الكثير من الملفات السياسية الساخن منها والبارد والعاجل منها والمعتق، وعندها لن نحتاج لديات مشطة كتلك التي أنهت قضية لوكربي أو الأخرى التي تعكف على إصدارها هيئة الإنصاف والمصالحة في مغرب العرب الأقصى.

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com