28/12/2006


      


 
 
نطرح من خلال هذه الورقة قلقا سياسيا حقيقيا يعتري دوائر صنع القرار بالادارة الأمريكية بعد أن تدحرج مشروع الشرق الأوسط الكبير أو نشر الديمقراطية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا الى تولي حركات اسلامية الزحف على أكثر من برلمان عربي واسلامي ,حيث أثبتت تجارب الاقتراع مباشرة بعد الاعلان رسميا عن هذا المشروع الأمريكي حصول أكثر من حركة اسلامية على نسبة عالية من المقاعد البرلمانية ,وهو مايمكن رصده تحديدا في أقطار مصر والأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق والبحرين وتركيا..
 
حاولت الادارة الأمريكية على ضوء هذه النتائج المقلقة للقوى النافذة في مراكز القرار ,اعادة التفكير في سياساتها في المنطقة وفق ماترسمه مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية القريبة من الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة أو من خلال المؤسسات البحثية القريبة من اللوبي المؤيد لاسرائيل .
 
ومن ذاك المنطلق ظلت اهتمامات الأكاديميين في هذه المؤسسات مركزة على محورين رئيسين شكلا جوهر البحث ,حيث طرح السؤال عليهم في كيفية نشر الديمقراطية في العالم العربي والاسلامي من خلال هزيمة الاسلاميين انتخابيا ,بعبارة أخرى فان الولايات المتحدة أرادت من خلال هذا السؤال البحثي والمركزي الحفاظ على مصداقيتها أخلاقيا من خلال التشبث بقيمتي الديمقراطية والليبرالية ولكن في ابتعاد عن مجازفة سياسية تحمل الاسلاميين الى الحكم.
 
ضمن هذا الاطار قام "ديفيد شكينر" من معهد واشنطن لسياسيات الشرق الأدنى-مؤسسة بحثية قريبة من اللوبي الأمريكي المؤيد لاسرائيل-,بتسليط الضوء على مجموعة من الخيارات التي تلبي المطلب الأمريكي , أي : ديمقراطية دون سيطرة سياسية وبرلمانية للاسلاميين.
 
كيف يمكن هزم الاسلاميين ؟:
 
بحسب الدراسة المشار اليها في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى , فان ثلاثة من الأكاديميين الذين عملوا مع ديفيد شكينر , قاموا على تقديم ثلاث استراتيجيات مختلفة من أجل تلبية هذا المطلب السياسي المذكور- ديمقراطية تهزم الاسلاميين - ,وقد تولى كل من "جاجابتاي" , "جروجوري جوس" و "منى مكرم عبيد" تقديم أجوبة مختلفة من أجل تحقيق هذا المطمح السياسي .
 
وفيما يلي نحاول من خلال تلخيص لمحصلات بحث هذا الثلاثي الأكاديمي تسليط الضوء على معالم ثلاث استراتيجيات مختلفة هدفت الى التخفيف من حالة قلق فكري وسياسي أمريكي رسمي.
 
بعد استعراض لتجربة الولايات المتحدة الأمريكية في التصدي للزحف الشيوعي الأحمر على الحياة السياسية الايطالية مابين سنة 1947 و1958 ,ومن خلال الاستفادة من هذه التجربة التي ارتكزت على تفعيل دور الجالية الايطالية المقيمة بالولايات المتحدة وتعبئة المنظمات غير الحكومية من أجل الالتفاف على النفوذ الشيوعي بايطاليا وكذلك من خلال اعادة تشكيل المؤسسات السياسية الأمريكية عبر انشاء وحدة تخطيط السياسة الخارجية ومجلس الأمن القومي ,بعد هذا الاستعراض يقوم الباحث جاجابتاي باقتراح دور فاعل للجالية العربية في الولايات المتحدة من خلال استشعارها لتعارض مصالحها مع سيطرة الاسلاميين على شؤون بلدان المنشأ التي جاؤوا منها,ومن ثمة يذهب الى رسم معالم خطة ترتكز على مجموعة من النقاط نوجزها فيما يلي :
 
1-ضرورة التفريق بين المسلمين والاسلاميين ,حيث أن الصراع يظل قائما بين الغرب والاسلاميين وليس عموم المسلمين وبالتالي الاسلام.
 
2- ضرورة دعم المسلمين وليس الاسلاميين في مشاريع خدماتية موازية تثبت كفاءتها وتفوقها وجاذبيتها في قطاع الخدمات والصحة والتعليم والمساعدة الاجتماعية ,مع الصبر على مردودية هذه المشروعات ضمن اطار زمني مريح.
 
3-رفع فاتورة الانخراط في التيارات الاسلامية من خلال منع المساعدات المادية الأمريكية عن أعضاء هذه الحركات كما حرمانهم من الاستفادة من برامج الهجرة والتعليم بالولايات المتحدة.
 
أما جروجوري جوس أحد معدي ورقات دراسة معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى,فانه يرى بأن الحل يكمن حاليا في تأجيل الاستحقاق الديمقراطي بالمنطقة العربية ,حيث أن المشكل في تقديره بالنسبة لموضوع انتشار الارهاب لايكمن في غياب الديمقراطية بقدر ماأنه يكمن في وجود حركات متشددة تكفر بهذه القيمة السياسية-الديمقراطية-وتعتبرها من صنائع الغرب الدخيلة على المنطقة والاسلام ,اذ أن هذه الجماعات المتشددة لاتؤمن بمرتكزات الديمقراطية الأمريكية والتي تقوم على التسامح والتعدد كما أنها لاتعترف باسرائيل.
وفي سياق لاحق فان جروجوري جوس يرى بأنه ينبغي تأجيل موضوع الانتخابات والدمقرطة في المجتمعات العربية في انتظار تحقيق شروط مجتمع ليبرالي حقيقي يوفر أجواء ديمقراطية حقيقية.
 
منى مكرم عبيد وخيار المشاركة السياسية :
 
أما الباحثة منى مكرم عبيد فانها في اطار اجابتها على القلق الأمريكي في موضوع نشر الديمقراطية بمنطقة الشرق الأوسط الكبير فانها ترى أن الاشكال المركزي يبرز في غياب قطب ليبرالي حقيقي يمكن أن يجلب أصوات الناخبين , اذ أنها تعرج في هذا الموضع على اقتصار المنافسة في مصر على قطبي الاخوان المسلمين والحزب الوطني الحاكم ,وهو ماأدى بحسب تقديراتها الى عزوف حوالي الثمانين بالمائة من الناخبين عن الادلاء بأصواتهم.
 
من ناحية ثانية فان الباحثة عبيد ترى بأنه لامجال لاقصاء الاسلاميين المعتدلين وذلك بحكم تجذرهم في بئاتهم العربية و تغلغلهم الاجتماعي والمؤسساتي ,وهي من هذا المنطلق تقترح على الادارة الأمريكية تشريك التيارات الاسلامية المعتدلة في الحياة السياسية وادماجهم فيها مع تحمل تكاليف سياسية يمكن تقليصها عبر التركيز على الاصلاح الثقافي والسياسي والتعليمي الى جانب الاصلاح الاقتصادي .
 
وتضيف الباحثة عبيد في مقترحاتها على الادارة الأمريكية وشركائها ضرورة اقحام العدالة الاجتماعية والليبرالية والديمقراطية والاصلاح السياسي والدستوري ضمن خطاب هذه الحركات الاسلامية الموصوفة بالاعتدال كسبيل يخفف من تكاليف ادماج هذه التيارات في الحياة السياسية الرسمية العامة.
 
ختاما يمكن القول بأن ماقدمته هذه الورقات الثلاث من أجوبة قلقة أحيانا وأجوبة هادئة أحيانا اخرى يشكل هدية نقدمها لهذه الحركات الاسلامية المعتدلة كما للأنظمة السياسية العربية التي تبحث عن فهم أدق لما يراود الادارة الأمريكية من رؤى وتصورات تجاه المستقبل السياسي للمنطقة العربية في ظل ماتعيشه من صراعات واكراهات نأمل أن تعالج على اساس من حسن الفهم للذات والحوار الداخلي والبحث الفكري والسياسي المعمق كما هو حاصل في كثير من جوانب دراسة معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.
 

نشر بالوسط التونسية - 7 ذو الحجة 1427 هـ 27 ديسمبر 2006  www.tunisalwasat.info
 

أرشيف الكاتب

 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com