لم يكن تاريخ
الاعلام في البلاد العربية معزولا عن جملة تطورات سياسية
وفكرية عرفتها المنطقة العربية,حيث كانت الصحافة باعتبارها
سابقة تارخيا عما سواها من وسائل اعلام سمعي وبصري معبرة
الى حدود متقدمة عما كان يشق النخب من تيارات وأفكار
ومدارس سياسية.
بل ان الدور
الذي لعبته هذه الصحافة لم يكن مجرد صدى لما يشق منطقتنا
من حراك مذهبي وسياسي واجتماعي ,حيث تجاوزت صحافتنا
العربية دور اللاحق والتابع للنخب الحاكمة لتضطلع في مراحل
ولادتها الأولى بأدوار وطنية ونضالية شهدت عليها كتابات
وأقلام نخبة من أبرز الأدباء والمفكرين والزعماء والصحفيين
المتفرغين على ذمة محراب المهنة.
الصحافة المشرقية العربية
وامتزاج النضال بفنون التحرير والاعلام :
برز بطرس
البستاني في صحيفة "نفير سوريا" سنة 1860 أيام اندلاع
الفتنة الدموية الطائفية في لبنان كواحد من أشهر الأقلام
الصحفية المعبرة عن ضمير الدعوة الى قيم الائئتلاف الوطني
والانساني.
اذ كان البستاني
على صدر "نفير سوريا" داعية للاتحاد والتالف والتحابب
وازالة الخلافات المذهبية الحادة والانقسمات السياسية التي
اعتملت الشارع السياسي اللبناني,وكان جمال الدين الأفغاني
في نفس تلك الحقبة وعلى أعمدة صحف عصره باثا لروح الوطنية
والتحرر والثورة على الأوضاع السائدة في مصر,حتى حن لعملاق
الأدب والرواية العربيين أديب مروة أن يتحدث عن هذه
الكتابات كمصدر ملهم لثورة أحمد العرابي الشهيرة سنة 1882.
عبد الله النديم
صاحب جريدة "التبكيت والتنكيت" كان هو الاخر قائدا طلائعيا
في الحركة الوطنية المصرية ,بل انه انخرط في الوقت نفسه في
جماعة "مصر الفتاة" ,جامعا بذلك بين مهامه الاعلامية ودوره
السياسي الوطني.
أما أديب اسحاق
وهو واحد من أشهر أعلام الصحافة العربية على عصره فلم
تمنعه جذوره اللبنانية من الانخراط في حركة مصر الفتاة
وممارسة أدوار اعلامية متقدمة اشتهر بها على أعمدة الصحافة
المصرية ومارس أدوارها المتقدمة عبر الدعوة الى الحرية
والوطنية والفصل بين السلطات والحكم النيابي ووجوب اضطلاع
الدولة بواجباتها تجاه مواطنيها.
وعلى نفس هذا
المسار تألق الشيخ المصلح محمد عبده ,اذ كان هو الاخر
اعلاميا نشيطا لاينكسر له قلم على صدور أبرز صحف زمانه ,ليكون
بذلك داعية الى الاصلاح الاجتماعي والسياسي على صفحات "الوقائع
المصرية" التي كان رئيسا لتحريرها ,هذا علاوة على كتاباته
البارزة في جريدة "العروة الوثقى" التي تأسست على يد الشيخ
المجدد جمال الدين الأفغاني.
أما الزعماء
السياسيون فانهم لم يغفلوا هم الاخرين عن الدور الذي تلعبه
الصحافة في قيادة الرأي العام وتوجيهه وتحصينه وتثقيفه
ولعب الأدوار الطلائعية المتقدمة في نصرة القضايا الوطنية
والعربية والاسلامية العادلة ,ولذلك فاننا نجد أن الزعيم
الوطني المصري مصطفى كامل الذي أسس جريدة "اللواء" كان
يقود دعوات التحرر والانعتاق من الاستعمار البريطاني
بالاستناد الى الدور الاستراتيجي البارز الذي كانت تقوم به
الصحافة الوطنية في قيادة الجماهير المصرية وترقية أدوارها
الى مستوى التفاعل الحي مع القضايا الاصلاحية والوطنية.
الانخراط في المعارك الوطنية
والسياسية على حساب الصناعة والمهنية :
كانت الصحافة
العربية ممتشقة لسلاح النضال الوطني ضد الهيمنة والتسلط
وهو ماتجسد واضحا على عصور الاحتلال العثماني والفرنسي
والبريطاني ,الشيء الذي جعل الكاتب المصري توفيق وهبة في
مؤلفه "دروب السياسة" يصف هذه الصحافة بالجندي الحامل
سلاحه في ساحة الوغى ,فهو لايهتم بهندامه واتقان لباسه
بقدر انصباب تفكيره دوما على الحرب والكفاح ...
ولقد ترتب عن
هذه الأوضاع النضالية المستمرة أن أهملت الصحافة العربية
الى حدود الستينات والسبعينات من القرن الماضي فنون
الصحافة والأخبار وماتتطلبه صناعتهما من حضور حرفي ومهني
يبعد هذا القطاع الاعلامي الحساس عن الارتجالية والسياسوية
والسقوط في أفخاخ *الترويج للايديولوجيات والمذاهب الحزبية
والسياسية الضيقة-1.
لقد كتب توفيق
وهبه في كتابه دروب السياسة موصفا هذه الحالة الاعلامية
العربية وانعكاساتها على رجال المهنة والقطاع قائلا " نجد
الصحافي العربي قد أتقن لغة الوطنية أكثر من اتقانه لغة
الصحافة ,وقد سحره التغني بحقوق الوطن واستقلاله ,وقلما
اتجه الى تعزيز المهنة من الناحية الصناعية وعذره أن الوطن
قبل الصحافة وأن الناس يطربون لاناشيد الجهاد القومي أكثر
من مظاهر الفن الصحافي ,وهكذا أصبحت الصحف الأكثر رواجا هي
صحف الحماسة والفروسية والبطولة الوطنية ,فلا يلومنا
الغربي على انخفاض مستوى الصحافة العربية فقد كانت هذه في
حرب دائمة ونضال قائم ,فماسايرت تطور الصحافة العالمية
ولاصرفت جهودها الى تحسين الالة والاخراج والتنظيم.ذلك أن
الصحافة العربية لم تغادر ميادين القتال حتى في أوقات
السلم."
واقع الاعلام التونسي بين
النضال الوطني والتأميم الرسمي:
أ_ معطيات تاريخية حول صحافة تشبعت بقيم الوطنية والنضال:
برغم عراقة
الصحافة التونسية مقارنة بنظيراتها العربية حيث عدت-بضم
العين- جريدة الرائد التونسي والتي تأسست على يد الصادق
باشا سنة 1860 رابع صحيفة عربية في العالم من حيث القدم أي
بعد التنبيه والوقائع المصرية والمبشر الجزائرية ,فان واقع
هذه الصحافة لم يختلف في مجمله عن واقع الصحافة المصرية
واللبنانية الذين عرفا بالريادة السياسية والفكرية على
مستوى عربي الى حدود نهاية القرن التاسع عشر ,غير أن هذه
الريادة لم تستمر طويلا حين برزت الصحافة التونسية بكثافة
عددية ونوعية حيث عرفت الساحة الاعلامية في تونس بروز
مالايقل عن 54صحيفة مابين سنة 1903 وعام 1912 وكان من اشهر
روادها الوطنيين انذاك الطيب بن عيسى الذي اشتهر بمهاراته
الصحفية واثاره الوطنية العظيمة.
الحرب العالمية
الأولى شكلت في واقع الصحافة التونسية نكسة غير طبيعية
حتمتها عوامل سياسية عالمية لم يكن للعرب دور بارز فيها.
ومن منطلق تلكم
الظروف التاريخية تقلص عدد الصحف وانزوت الأقلام في ظروف
قاهرة نتيجة ماعرفه العالم من أجواء حربية واحتلالية قاهرة.
وبحلول سنة 1919
عاودت الصحافة التونسية بروزها على الساحة الوطنية من جديد
لتشهد البلاد حملة قلمية قوية ضد الاستعمار الفرنسي
ولتتمايز الساحة الاعلامية بميلاد صحافة عمالية وحزبية
تزامنت مع ميلاد حزب الدستور على يد الشيخ المناضل عبد
العزيز الثعالبي وتأسيس صحيفة "العصر الجديد" كصحيفة
دستورية على يد أحمد حسين المهيري في مدينة صفاقس سنة 1920
.
اما الساحة
العمالية فقد شهدت هي الأخرى ميلاد جريدة "المنبر العربي"
لمؤسسها صالح بن محمود والتي عرفت بنفسها النضالي ودعوتها
الى انشاء منازل ومستشفيات للعمال ومطالبتها بزيادة الأجور
والتنظم النقابي.
وفي الخارج عرف
التونسيون صحفهم الوطنية المناضلة فكانت مجلة "المغرب"
الفرنسية والتي أسسها محمد باش حانبه في جنيف صوتا لواحد
من التونسيين المنفيين بسويسرا ,وقد دعى فيها صاحبها الى
تطبيق بنود ويلسون الداعية الى حق الدول في تقرير المصير.
ولقد استصحبت
الصحافة التونسية هذا البعد النضالي في أبرز عناوينها
ليستمر ذلك الى أشد فترات الاضطهاد الذي تعرضت له,حيث
اضطرتها الظروف مابين سنة 1945 و1952 الى الصدور في شكل
صحف سرية تطبع بالجلاتين وتوزع باليد والبريد ,وكانت بذلك
صحف الكفاح والهلال الصادرتين عن حزب الدستور عنوانا
لمرحلة انتقالية سبقت تاريخ الاستقلال.
وبين سنتي 1952
و1954 تعرضت الصحافة التونسية للاحتجاب ولم تبق بذلك الا
صحف الموالاة للاستعمار الفرنسي أو بعض الصحف الوطنية
السرية.
ومع الخطاب
التاريخي لمنديس فرانس في 31 تموز سنة 1954 منحت تونس
ماعرف بالاستقلال الذاتي,لتشهد بذلك البلاد التونسية
انطلاقة نوعية لعناوين الندوة ومجلة الفكر وغيرهما من
الصحف الوطنية..
وفي نظرة لاحقة
على ماعرفته الصحافة التونسية من تطور تاريخي في عهد
الاستقلال فانه أمكن القول بأن هذه المرحلة شهدت والى حدود
بداية الثمانينات تأميما للقطاع الاعلامي المقروء
والسمعبصري ,لتعرف البلاد منبرين صحفيين كبيرين هما جريدة
العمل لسان الحزم الحاكم وجريدة الاتحاد-صوت العمل لاحقا-
كلسان للاتحاد العام التونسي للشغل...
أما عن الاعلام
المرئي والمسموع فان حاله لم يكن يختلف على مدار عمر دولة
الاستقلال عن حالة الاذاعة اليمنية التي كان أئمة اليمن
يحملون مفاتيحها في جيوبهم ليفتحوها في الصباح ويغلقوها
بأنفسهم في المساء...
ففيما عدى نشرات سرية وحزبية ومجلات فكرية وثقافية وصحف
تابعة لمنظمات واحزاب تعمل تحت الأرض وتصدر بشكل سري فان
تونس ظلت ترزح الى حدود نهاية السبعينات تحت اعلام سياسي
موجه ومؤمم الى قبلة الزعيم التاريخي والحزب الذي لاينازعه
هيكل او مؤسسة في مسائل الشرعية والتاريخية...
ب- هل شهد الاعلام التونسي المعاصر
خروجا من نفق التأميم الى أضواء الحرية والمهنية ?:
واذ عرفت الساحة
التونسية على عهد الوزير الأول السيد محمد
مزالي-مابين81و86- انفتاحا اعلاميا بارزا ومشهودا جعل
العديد من الأطراف تضيق به ذرعا وتتنافس في خضمه تأليبا
للقصر عليه,فان البلاد التونسية لم تشهد على عهد مابعد
ازاحة بورقيبة عن الحكم تحريرا حقيقيا لقطاع الاعلام,حيث
ظل الحزب الحاكم فيما عدى استثناءات قليلة ونادرة مهيمنا
على هذا القطاع.
فلا مجال هنا
للحديث عن الاعلام الاذاعي والتلفزيوني,حيث تعض السلطة
والحزب الحاكم الى يوم الناس هذا على مؤسستيهما
بالنواجذ,أما الاعلام المكتوب الصادر داخل البلاد
التونسية-تستثنى منه صحيفة الموقف لسان الحزب الديمقراطي
التقدمي-فانه لازال الى اليوم يخضع للوصاية الرسمية
والتوجيه السياسي المقصود من قبل بعض الأطراف الايديولوجية
المتسربة ضمن هياكل الدولة ,ولعل احسنه حالا برغم الانخفاض
الكبير لسقف التعبير هو حال جريدة الصباح التونسية.
اننا اليوم امام
واقع ثورة اتصالية ومعلوماتية عالمية لم يواكبها الا حالة
من الانغلاق والانسداد الاعلامي والمواكبة بدورها لحالة من
الانسداد السياسي والحقوقي والاجتماعي,ومن ثمة فانه ليس
أمام التونسيين سوى متنفس الاعلام الاليكتروني الناشط
انطلاقا من بلدان غربية أو متنفس الفضائيات التي تحاول أن
تواكب الحدث التونسي برغم انعدام مكاتبها أو مصادرة حقها
اصلا في الوجود.
الاعلام الفضائي
العربي حمل بلا شك الى التونسيين مزيدا من الحسرة والألم
على ماصار اليه واقع منابرنا الاعلامية,وهو مايعنى-في
ماعدى حالتي قناة الجزيرة والعربية ولو بشكل مناسباتي- ان
الاعلام السياسي الفضائي لم يستطع وبشكل دوري منتظم مواكبة
الحالة السياسية التونسية المستعصية على التشخيص والوصف في
ظل ماتتمتع به البلاد من ثروة بشرية متعلمة ومتخصصة وذكية.
ان الساحة تشهد
اليوم ظاهرة بروز الفضائيات غير الدورية كما هو حال
الزيتونة سابقا والحوار التونسي اليوم ,وظاهرة المنابر
والصحف الاليكترونية التي برزت كمعطى أساسي ومؤثر في
الحركة الوطنية المعاصرة وهو مايطرح العديد من الأسئلة حول
واقع ومستقبل هذه الظواهر الاعلامية الحديثة في ظل مايعتمل
البلاد من حالات احتقان سياسي واجتماعي,غير أننا نترك شأن
الاجابة على موضوعات هذه الأسئلة الى حلقة قادمة باذن الله.
*1 الصحافة
العربية لأديب مروة
|