الشوماخر الليبي
والعيــــــــــد الأضحى
بقلم:
محمد الجراح

السلام عليكم
لعل من تسرب اليه الخبر بقرب
مناسبة العيد الأضحى من سكان القطر المسلم الليبي والمفترض ان يكون مبارك,
سيرتعش جسده وعقله وكيانه وكل فرائسه وأرجله ويدخل مما يسمى النكد جوفه, هذا
أمر اصبح عام دون ان نترجل عن صهوة جيادنا وخيلنا وسياراتنا العالية, ونفترض
قبولاً ان يكون هذا العيد مبارك ...اي بمعنى ان نقول ولا نداري ما يدور
بقلوبنا كا كل وجماعتاً, ومن هنا ننطلق لنقول ان اعيادنا الدينية اصبحت بقدرة
قادر اللا اعياد, ولماذا ؟؟ ولعل قصة شوماخر صديقي صاحب الفراري ذات (المرميطة
مافيش) والوحيدة بالبلاد ستروي الجواب و ما نقصد ونقول.
ذاك الشوماخر صاحب السيارة الفراري
لم تكتمل عليه اهات العيد الفطر المبارك السابق, ومن يرى شوماخر بهذا الوقت
بالله لا يذكره ولو لمزاً بقرب حلول العيد الأضحى لكي لا يصاب بنوبة ربما
كبدية هذه المرة , فالمرارة عند شوماخر بدأت بإفرازات اخرى غير الحمض
الصفراوي المعهود بالكبد , ولعل قصيدة (زغرتي يا عازة *) هي نموذج فعال داخل
المجتمع الليبي, او كمن يصرخ بوجه النعاج التي ستساق الى المذابح بالعيد
الأضحى المبارك هذه المرة, فالبركة جامعة كما صلاة العيد جامعة وكما الوطن
جامع لنا جميعاً, وكما صلاة الجنازة جامعة فيه ولكن يجمعنا هذا الوطن كبشر
وليس كنعاج.
انه يتذكر كيف كان يهزه ابيه من
ذراعه قبيل العيد لسوق (السعي) او (الحوالة) او سوق الماشية , فهو الأوسط بين
أخوته الذكور الثلاثة, ولكنه انشطهم وربما لأن عيون شوماخر تحكي الف قصة وقصة
لأنها بغير الاتجاه الواحد ستنظر, او ربما عاطفة ابيه تميل اليه لسبب او لأخر
كما يحدث عادةً بين الأبناء بالعموم, ولهذا فالشوماخر كان يشعر بالفروسية منذ
نعومة أظافره هذا ان كان لشوماخر أظافر بالأصل, ويروي لنا كيف ان الفرحة لا
يضاهيها أي شيئ عند تحديد الهدف او الكبش المناسب لأضحية العيد, وكيف هو
وابيه يتقصون اخبار ربطتين من الصفصة ليحملاها الى (الأندروفر) الزينة التي
تقطع بوالد شوماخر الأب كل فيافي البلاد بتلك الايام الخوالي والتي يشعر
الناس بها بالرضى والتناغم الحقيقي للحياة برغم حالة الكفاف تلك, وكأن الكفاف
مكتوب على الليبيين منذ تسميتهم ليبيين, ولتصل تلك الأندروفر الى البيت محملة
بكبش العيد, وشوماخر الصغير حانياً وعاكفاً ذراعه عند باب السيارة ونافذتها
اليمنى رافعاً رأسه بكل شموخ وكأنه يريد ان يقول للجميع بالشارع فارس ولد
فارس, نازلاً من تلك السيارة فارداً جناحيه كما صدره للأمام برغم صغر سنه,
وعينيه ناظرتاً بكل فرسنة نحو الكبش العتيد والذي لا يضاهيه اي كبش بالناحية,
مختلساً بين الحين والآخر النظر الى ابناء الجيران وللرفاق بالشارع, ولكن
هكذا هو شوماخر الذي نذكر بالواقع, وكيف ان قصصه اصبحت حياة وعالم اخر وتاريخ
لنا .. فليس مهماً لديك ان تستمع, فربما انت لم تتعرف بالحقيقة لمعنى صوت
لإهتزاز احد نوافذ شارعنا بمساء يوم خريفي, او شاهدت نزول حبات للمطر ورائحة
التراب عبر ازقة شوارعنا الدافئة بالود, ولعلك لم تمتطي يوماً كروسة (الكوشانيتي*)
او كنت ممن يتلذذ بشرب السحلب بالقرنفل بمقهى (الواعر بالمدينة القديمة) او
ربما لم يشتم انفك المعكوف يوماً رائحة (الحساء او الرشدة) بيوم ذاك الشتاء
القارص, او لم تلبس قدميك (القنبالي *) او تخوض تلك الاقدام يوماً بـ (الغدران),
ولكني متأكد انك لم ترى اقدام الشوماخر حينما ينزع ذاك (القنبالي) الأسود
الطويل, ربما ستذكر او لا تذكر فلا يهم حينما نضيع.
نحن نتذكر ان شوماخر كان يطمح بكل
اصرار ان يكون من اصحاب للشهادات العليا, وهكذا هو كان , ولكنه تربى على (نص
الزيت) ولم يتدارى ابداً امام الفوارق الإجتماعية ان كانت هناك تلك الفوارق,
بل كان الجميع سواء برغم الفارق بين نص الزيت ونص ( التن الإيطالي ) بتلك
الايام , فما هي النظرة بهذه الايام , ان السباق تعدى مصطلح الفوارق
الأجتماعية, أي بمعنى من كانوا اغنياء المال كانوا ايضاً اغنياء للروح
والانتماء للبلاد واهلها وذوي عفة ومنبت ليبي حقيقي, ويعرفون العيب, اما
اليوم فنرى أنوع اخرى من البشر المتندي الوضيع الذي لا يبرهن لك وجهه ورسماته
الا زقوم وسرقة وحرام وجريمة, فلا انتماء الا للخديعة.
اذا كانت الفرحة ذات معنى كبير بكل
عيد. فما السبب الحقيقي لكي تصبح الأعياد الدينية ايام ليست للفرح او السعادة
ليشعر بها الناس حين قدومها ؟ ولكي نتجرد من كل انواع الكذب علينا ان نخلص
يوماً لنقول حقيقة الأمور كما هي لا كما نريدها حينما نتدرج خلستاً لنكذب,
ومن هنا فإننا يجب ان نخطوا الخطى الواضحة لنكون شعوراً واحداً, ولا نكون ذات
تجزئة مبرمجة, ولعل الحديث سيطول بهذا الموضع, أي بمعنى لماذا اصبح اهل
البلاد ذات مناخ متعدد الأهواء والفصول وبرغم وجود خلفية نقية واحدة, ولماذا
نحقد ونحسد بحيث تجوب نفوسنا كل الأمراض النفسية كافة, هل هناك برمجة ما
لتدمير النفوس ؟, وهذا الكلام نقوله لأبناء الارض ولا للغرباء عنها, نقوله
بكل حب لمن يشعروا بفقدان يوم غد وكل يوم, اما من زرعت بهم وبأجسادهم حالات
الإستغوال والزقوم, فلا نظن ابداً انهم سيعوا يوماً الشعور بالمرارة او
الشعور الحقيقي عندما تجد ابن البلد المحروم من كل شيئ وكل شيئ ليمد يده اليك
باحثاً عن دينار لأجل (خبزة او علبة حليب) وللجياع الذين ينتظرونه بكل صبر,
هذا ان مددته بحنان بعشرة دينار ستكون الفرحة ذات دعاء مهم لك نحو خالقنا
ولكن بصمت وديع بجوف يرتعش حينما استفحال مرارة الحاجة ....ولكن الأمر الآخر
الذي تزهق به المرارة الكبدية عندما تسمع لفلاسفة الشأن الليبي ليقولوا لك (تكل
الليبيين يبوا يقعدوا مدراء) أي بمعنى الكلمات الجوفاء والكذب على المطلق من
الحقائق ,وكأن ابناء ليبيا لم يكونوا ولزالوا اصحاب (للكروات والبراويط
والكرارييس) او لم يكونوا يشتغلوا بالحدادة والنجارة والزراعة ومحراث الحمار
او كانوا بحارة ورياس لصيد الأسماك والحوت او كانوا يشتغلوا بأعمال البناء
كافة او كانوا (عمال مجاري قطعت عليهم المرتبات لسنوات وسنوات وضاع عرقهم
العزيز هباء) او كانوا تجاراً .. او كانوا يمتهنون الأعمال المتواضعة جيلاً
بعد جيل , فمن ينظر من اعلى للأمور لن يحتاج لعدسات الشوماخر لكي يعلم, ولكن
الشوماخر يعلم بكل بد انه ابن لهذه البلد, ولكنه يدرك ايضاً ان العيد الاضحى
القادم يحتاج لمعجزة ما لكي يداري سؤته امام صغاره بيوم العيد, وكذلك يعلم
بالتمام ان ليبيا يطلق عليها انها من اغنى البلاد بالأرض وتمتلك ثروة نفطيه
هائلة وكبيرة وربما ستمنحه هبة او منحة او تتذكره ليبيا برجوع جزء ضئيل جداً
من حقوقة المسلوبة بوضح النهار والليل, ولكن الاستعمار الخسيس الماكر حرمهم
منها قصداً, فالشوماخر لا يطالب بتلك الثروة ألان انه يطالب بشيئ يشعره
بالكرامة امام هذه الحياة الغريبة بالبلاد, فكم هم الذين تعودوا بالهروب
للفيافي بيوم العيد مدخرين نصف كيلو لحم لأجل المناسبة العظيمة, فنحن لا نذكر
هنا البواعث الدينية واصولها السمحاء بالرضى, ولكننا نريد الحقيقة والحقوق
والشعور بالأدامية البشرية, فهل سكان ليبيا يصل عددهم لسكان مصر مثلاً ؟ ان
السؤال هنا لمن هم افيال سمينة تنهش بعرق الناس كل لحظة وزمن, فيجب ان تبحثوا
عن اساليب جادة للإقناع والكذب لا للكذب الوضيع على الناس بزيادة ثلاثة دينار
للرواتب, ولتأتوا دون حياء لتسلبوها بالمئات وبالملايين وبأيديكم القذرة منهم
عبر فواتير الكهرباء وبزنس الجمارك وبزنس الطعام وعلب الطماطم والزيت المغشوش
وبزنس الدواء المشتعل ناراً على قلال الحال, وتجزئة المجزء من الراتب ليكون
ضرائب للجهاد بفلسطين العربية, وكروت التليفونات, هذا ان وصل شوماخر ليشتري
تلفون بالأصل, فيجب ان تجدوا ايها الأفيال الشرسة الطباع عن طائرات خاصة لتقل
الليبيين الى مكان اخر غير ليبيا الارض فربما سيشعروا بأدمية البشر, والتي
بدأنا نشك ان تلك الليبيا هى ارضنا او ارض الاجداد الأولين ؟ وخاصة بعد
اكتشاف كل انواع الكذب علينا بأرض الوطن, فحالة الإفلاس بالبلاد اصبحت معهودة
وواضحة وغاية مقصودة لتدمير كل من يملك عصارة صفراء, ولم تغمس يديه بالحرام
والزقوم.
وهنا نقول الإفلاس وليس الفقر,
ولأن بكل بساطة الإفلاس لا يوازي ولا يساوي الفقر بكل بد , فبغياب كل العهود
وخصائص الحياة الكريمة نبقى بحالة من الإفلاس وليس الفقر, فالفقر حالة تكون
عامة قد يتذوقها كل بشري بالعموم على وجه هذه الأرض ولكنه يحيا بكرامة ما,
ولكن ان يصل لكي يتجرد الانسان من كل شيء ولو بفرحة اعتيادية او ابتسامة
سخرها الله سبحانه له وبالفطرة البشرية فهذا افلاس وتحول تدريجي الى عدم
البقاء والفناء بهذه الارض.
ومن هنا قد تشعر حيناً بالتواضع
وترضى بقلة الحال والمال وبقناعة تامة انك تزاول وتمتلك حاجيات دونية للبشر
او قد تمتلك ولو افتراضية ما لكي تكون تحلم بغد افضل للأبناء, ان شوماخر لا
يطالب مجالس ومؤسسات حقوق الانسان بالعالم الكاذب , انه يطالب بكل تواضع
بمحكمة ذاتية للضمائر, و ليحاكم بها أي كان نفسه وليقول لماذا نحن نسير
بالبلاد بإتجاه خطير ان لم تنظروا بحق , وتنزلوا جماعتاً للقاع وتتركوا
اعاليكم لبرهة لترو شوماخر وابناء العمومة بالبلاد والذين هم المنبت والجذور
النظيفة التائهة, او ان ظهور خيلكم عالية ولا تستطيعوا النزول عنها لتروا على
ماذا تقف خيولكم , فالارض اصبحت رخوة ايها الناس والنتيجة هي الكارثة, فصححوا
الامر الان وليس غداً واشعروا كما البشر بحالتكم ولأي تسيرو وتنبهوا ان
بلادكم هي تكوين اساسي واصلي من عدد هائل من الشوماخرات اليتامى والجود من
فوقهم قناطيرو ..
لن تكون هناك محكمة للأخلاق علنية
بأرض غابت بها كل الأخلاق, وغاب بها ولو اسطر قلية من مفاهيم بشارية,
والتدمير متواصل ايها السادة بكل برودة اعصاب وعناد, فقد وصل للذات هذه المرة
ودخل بكل بد لأعماق هذه الذات, فماذا بعد ؟ فماذا بعد يا امراء المساجد
الكرام وأئمتها .. لكي تطبلوا للكذب, وماذا بعد ؟ وماذا بعد لرجال ذوي وجوه
اصبحوا دون أي وجوه من اثار الكذب والتعالي الزائف. وماذا بعد ؟ ولكي نرى
قضاة ورجال قانون يزحفون دون أي خجل نحو الكذب والتطبيل ؟ وماذا بعد ؟ و لكي
نرى مثقفينا وكتابنا خارجاً وداخلاً العقلاء والغير عقلاء يترفعون على شوماخر
المهندس الفقير الذي لم يصل لإفلاس الروح كما هم ...بل ترفعوا كما شئتم فلن
تطال رقابكم الا نار جهنم والعار وبئس المصير, هذا ان كان بعد ذلك من مصير
... نحن يجب ان ننزل لنرى كل حبات التراب والطين ولا نرى للون قوسنا القزحي
بأفاق سمائنا فقط.
ان شوماخر لا يعلم بقدوم العيد
الأضحى, ولكنه يتقاضى مرتباً معقولاً يصل الى ثلاثمئة واثنى عشر ديناراً (عز
ما بعده عز يا شوماخر) ولكنه يدفع بفاتورة كهربائية تصل الى الأربعين ديناراً,
ولم يشتري منذ ستة سنوات حذاء جديد, ولم يجلس منذ زمن بأي مقهى ليحتسي فنجان
قهوة, فهو يصحوا منذ الصباح الباكر ليشتغل كما الاخرين بالعالم بالتمام, فهل
من حقه ان يدفع ثمناً لأضحية العيد, دون ان يصاب بقية الشهر بحالة الفاقة
والعوز ؟
وكل العام وانت بخير يا شوماخر يا
بطل الفراري (المنزوعة المراميطة) وكذلك بطلاً للصبر ومبارك عليك بحلول العيد
الأضحى المبارك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المصطلحات
•
كروسة الكوشانيتي = عربة خشبية مسطحة على مدحرجات تعتبر من لعب الاطفال وربما
سيلجئ اليها الكبار بهذا الوقت
• زغرتي يا عازة = الصوت الذي تخرجه المرأة عند العرس او الفرحة , وبإفتراض
ان هذه المرأة تسمى ( عازة )
• القنبالي = حذاء مطاطي طويل يستخدم بفصل الشتاء
أرشيف الكاتب
|