لن استغرب ولن أصاب ويصاب غيري من
البسطاء بحالة من الدهشة لما يصدر من قرارات عن اللجنة الشعبية العامة في بلادنا
, قرارات اغلبها ما يدعو للدهشة والاستغراب, قرارات تدعو وبجدية كاملة إلى ضرورة
الوقوف عليها.
بحكم علاقاتي ببعض النخب المفكرة
والمثقفة في العالم والمتابعة جيدا للشأن الليبي, حدثني أحدهم وهو يخاطبني سائلا
عن صحتي: فليعش شبابك يا عصام فقرارات وتصريحات رئاسة الوزراء عندكم (أي يقصد
اللجنة الشعبية العامة) نشطة هذا العام وقوية وستتحسن أوضاع المعيشة عندكم وسط
هذا الانفتاح الاقتصادي, وستتساوى أموركم بمواطني دول الخليج إذا ما استمرت
القرارات على هذا النهج, قلت لصديقي الحمد لله على كل حال, وتبادلنا الحديث إلى
أن انتهت المكالمة, وعندها مت من الضحك على نفسي مما قاله صديقي لي, وأنا التمس
العذر لصديقي عن تشجيعه لي بفرحة شبابي, نتيجة قرارات اللجنة الشعبية العامة,
بصفته متابع للأحداث من خلال ما يصدر من قرارات وتصريحات وتنشر من خلال وسائل
الإعلام وبخاصة موقع اللجنة الشعبية العامة الإلكتروني المتابع من قبل المهتمين
بالشان الليبي, فمن يتابع صدور اكثر من 360 قرارا خلال هذا العام 2006 يجعله لا
يقول الكلام السابق فقط , بل يصل قوله إلى أن الليبيون محضوضون بأمناء ومسؤولين
باللجنة الشعبية العامة يحسدهم العالم عليهم .. آلا تباً للجنة الشعبية العامة
بكامل قراراتها التي جعلتنا نتجرع الحنضل, بل الأسوأ من ذلك قسمت هذه القرارات
الليبيين درجتين: ليبيون درجة أولى, وليبيون درجة عاشرة .. والفرق بينهما شاسع
فالليبيون الدرجة الأولى وهؤلاء من وصفهم المهندس سيف الاسلام القذافي بالقطط
السمان وهم من يتمتعون بمزايا السفر حول العالم وجوازات سفرهم تتجدد في العام
اكثر من مرة نتيجة امتلائها بتأشيرات السفر, وأرصدتهم بالملايين ببنوك سويسرا
وغيرها, ومع ذلك وبكل برودة وجه, تجعلهم يدكون روؤسهم من اجل الإيفاد للدراسة
والعلاج على نفقة المجتمع, كما ويركبون السيارات الفارهة المشتراة بمئات الآلاف
من أموالنا المنهوبة من خزينة وثروات الشعب الليبي, وقسما بالله العلي العظيم
أنني رأيت سيارات تتجول في البلاد ولم اعرف موديلها أو نوعيتها, وهم من يسكنون
المنازل المرصعة بالياقوت والأحجار الثمينة والرخام واقل منزل لهم يساوي نصف
المليون دينار ليبي , وهم من ملّكوا المزارع بالهكتارات واقاموا عليها
إمبراطوريات خدم وجاه ومسابح ووسائل ترفيه يفتقر إليها حتى مقر الكونغرس
الأمريكي, وهم من نسائهم لا تعرف رائحة للبصل وأيديهن لا تغسل الصحون, بل تجدها
ممتلئة بالذهب واللؤلؤ والمجوهرات الثمينة, وهم من بطونهم دائما منتفخة ولما لا ,
فثلاجات بيوتهم ممتلئة بالخضراوات والفواكه واللحوم التي تمثل 60 % من قيمة
المستهلك من اقتصاد ليبيا, ويقولون لك كل الليبيون في بحبوحة!!! ليبيون من الدرجة
الأولى تعج بهم المطاعم والفنادق الراقية وتجد وجوههم مبيضة وتجري الدماء بها
ومبتسمة دائما ولما لا!!, فهم لا يفكرون في شيء, فكل سبل الراحة متوفرة .. وهم من
لا ينطبق عليهم قانون رقم 15 السيئ السمعة .. وهم من لا ينطبق عليهم قانون
العقوبات الجديد والقديم بالرغم من كل الجرائم التي ارتكبوها.
أما الليبيون من الدرجة العاشرة ,
هؤلاء المغضوب عليهم, الذين لا تنطبق عليهم قرارات اللجنة الشعبية العامة ما عدا
الفتات والقرارات الحمقاء كالتي ارتكبها الأمين السابق الرأسمالي شكري غانم الذي
تفائلنا به خيرا فصفعنا بقراراته العنجهية, ابتداء من رفع أسعار المحروقات,
ونهاية برفع أسعار الطماطم, حتى لقب (بشكري طماطم) هل تناسى الملياردير شكري غانم
أن الليبيون البسطاء محملين بمتاعب الحياة حتى يزيدهم بقراراته الطين بله ولم لا,
فهو يعيش ميسور الحال متنقلا بين دول العالم.
هل تناسى شكري غانم أن المتضرر الأول
نتيجة قراراته السابقة والغير مدروسة جيدا, هم المواطنين البسطاء وان الأمناء
وابنائهم وازلامهم لا يضعون لمثل قراراته وزنا, وبخاصة قرار رفع المحروقات, لانهم
يدفعونها من حساب الدولة وعلى هيئة إيصالات وأنت أمين وتعرف ذلك جيدا..
إما أن أكون أنا غبي في علم السياسة
والاقتصاد أو العكس, فهل يعقل أن يصدر قرار برفع المحروقات ولا يقابله قرار
بتحسين دخول المواطنين البسطاء, ألا تباً للمنظرين والخبراء إذا كانت خططهم هكذا
..
ليبيون من الدرجة العاشرة لا يعرفون
شيء اسمه الدراسة بالخارج واغلبهم حملة المؤهلات العلمية وبتفوق, ليبيون لا
يعرفون شيء اسمه العلاج بالخارج واغلبهم يعاني من أمراض تستدعي العلاج الطارئ,
ليبيون منازلهم متهتكة وسيارتهم تشتغل بطريقة الدف أو الوقوف ثلاث مرات يوميا
نتيجة الأعطال الكثيرة بها وبالأصح (سيارة كحيانة متهتكة), ليبيون ينطبق عليهم
قانون 15 ذو السمعة والشهرة الواسعة الجامث على قلوبهم سنين عجاف, ليبيون لا
يعرفون شراء اللحم والخضار إلا نهاية الشهر, ليبيون لا يعرفون إلا دق أبواب
المسؤولين من اجل قضاء مصالحهم وحقوقهم المشروعة , ليبيون لا يعرفون شيء اسمه
مطاعم وفنادق راقية .. ليبيون لا يعرفون سوى المكرونة والبطاطا كحل بديل للشاورما
والخراف المحشية وحياة البذخ التي يتربع عليها الليبيون ذوي الدرجة الأولى أولاد
البابا والماما السارقون المخنثون الفاسدون !! .. ليبيون غارقون في مستنقع
البطالة وحياة التخلف ولم لا!! فأموالهم مسروقة من قبل المافيا الليبية المنظمة ,
ليبيون تعاملهم الشركات الأجنبية الساقطة التي تمتص في ثرواتنا وكأنهم عبيد وخدم,
وتباً لمسؤلينا الذين أوصلونا إلى هذا الحال المخزي ... والكثير الكثير الذي لا
يحتاج إلى مقال بل يحتاج إلى مجلدات حتى يُدون ويسجل ضمن سلسلة غينس للأرقام
القياسية.
عموما أنا شاب ليبي, وسأقول لا خير في
إن لم اقلها, ولا خير فيهم إن لم يسمعوها, وأعلن صراحة أن اللجنة الشعبية العامة
أصبحت محط نظر وتندر لدى الكثيرين ليس في ليبيا فقط بل تعدتها إلى خارج حدود
البلاد : فلماذا نقول قررنا وسنفعل وسنعمل ويبقى كله مجرد حبر على ورق, وان طبق
فانه يطبق في إطار ضيق وكأن القرارات هناك من يقف في طريقها ولا تصب في خانة
مصالحه الشخصية !! وأنا لست بصدد الطعن في أحد بقدر ما يهمني شيء واحد وهو "
اللجنة الشعبية العامة " المعنية بأمورنا بغض النظر عن من يستلم زمام أمورها
سابقا أم لاحقا أم حاليا, المهم يجب أن تترجم الأقوال إلى أفعال وستفهمون السبب
في نهاية هذا المقال , ويجب عندما نقول نفعل ... تماما مثلما تفعل مؤسسة القذافي
للتنمية التي يترأسها المهندس سيف الاسلام القذافي, فهذا الشاب استطاع تكوين
مؤسسة ناجحة وجدت احترامها داخليا وخارجيا والسبب الرئيسي في ذلك هو ما يدلي به
سيف الاسلام من تصريحات تترجم سريعا إلى خطوات عمل في طريق الخير والتنمية , أما
قرارات اللجنة الشعبية العامة فحدث ولا حرج , وبخاصة قرارات السنوات الماضية التي
اغلبها كانت قرارات أقوال لا أفعال , بل منها ما يثير الضحك مثل قرار إنشاء ملتقى
رجال الأعمال الليبيين, آلا تباً لكم وتباً لرجال أعمالكم, فكيف اصبحوا رجال
أعمال وباهوات وباشوات!! من أين جاؤا بالمال؟؟ ومن سماهم بهذا الاسم؟ الذي أزعج
الفقراء.. عموما لي معهم مقال آخر, سأعرفهم بشأنهم الذي يرونه كبيرا, وإذا كانت
الأمور كذلك سنعلن نحن أيضا (رجال الخدم الليبيين) فهم وصموا أنفسهم أسياد لنا.
ختـــامـــا: وجهت لي دعوة رسمية من
كُتّاب شباب عرب من اجل المساهمة معهم في كتاب سيُعدونه قريبا بعنوان (قالوا
وكذبوا) وطالبوني بإعداد الجزء الخاص بليبيا باعتباري كاتب شاب ليبي, هذا الكتاب
مشابه تماما لكتاب يصدر سنويا في فرنسا عنوانه (قالوا وكذبوا), وقد صدرت طبعة
جديدة مؤخرا من هذا الكتاب الذي يتم من خلاله رصد ما يقوله السياسيون من وزراء
ومسؤولين وحكام ولم يصدقوا فيه, أي الذين يقولون أصدرنا وقررنا وسنعمل, وتبقى
أقوالهم وقراراتهم وتصريحاتهم مجرد نشاز ومسكنات, لا تطبق على ارض الواقع, وكـان
عنـــوان الكتاب هذا العام (الأغبياء فقط لا يغيرون آرائهم) لان هذا العام ارتفعت
نسبة المسؤولين والوزراء الذين يقولون ولا يفعلون .... في السابق رفضت الدعوة,
ولكنني ساجد نفسي ملزما في الكتابة من خلال هذا الكتاب, فما اكثر المسؤولين
والأمناء في بلادي الذين تنطبق قراراتهم على مواطنين ليبيين في كوكب آخر واغلبها
حبر على ورق, وما اكثر الذين يقولون ولا يفعلون في بلادي.
فلنجنب بلادنا ويلات الفتن والأزمات
والمشاكل والمصائب التي فيها البلدان الأخرى, ولنستدرك أخطائنا بأنفسنا ولنجعل
العفو سلاحنا طالما أن الاعتراف بالذنب فضيلة, ولنمنع تكدس الثروة في يد مجموعات
صغيرة, فإلى متى نظل متخلفين اجتماعيا حتى أفسدنا القطاع العام في بلادنا بالرشوة
والوساطة والبيروقراطية والفساد التي أوصلنا إليها مسئولي الجهل والتخلف والقبلية
, والى متى يظل اسم بلادنا موضوع في قوائم الدول الأكثر فسادا والأكثر قمعا لحرية
التعبير, فمن المشين جدا أن ندخل الألفية السابعة ونحن " مكانك راوح ", ومتى نقضي
على الواسطة حتى في العلاج والإيفاد للدراسة بالخارج الذي أزكمت فضائحهم الأنوف,
نتيجة علاج أناس من اجل إزالة وشام وإيفاد طلبة من حملة المقبول , متى
الاستفهامية تنتهي عندما يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتتحقق العدالة
الاجتماعية, وعندما نتعود على الوضوح والصدق والصراحة ونبتعد عن النفاق , وعندما
نستدرك أخطاءنا في كل المهن, بداية باللجنة الشعبية العامة التي أصبحت وكرا
لممارسات خاطئة من بينها قراراتها المجمدة , فمن المؤسف جدا أن يكتب المعلم
معلوماته على السبورة بأخطاء فادحة , والطالب يتولى إصلاح أخطاء معلمه المتكررة,
فليبيا بأرضها وثرواتها ملكا لكل الليبيين, وليست بقرة ذلول يحلبها الانتهازيين
والممثلين والكذابين والحذاق والمعتوهين والفاسدين ليشربوا حليبها ونظل نحن أبناء
البلد نعاني من نقص شديد من عنصر الكالسيوم والفيتامينات الغني بها الحليب ونحن
أصحاب البقرة !!
ختاما ... أهدي هذه الأبيات للشاعر حسن
الزهراني لمن يستحقها ومن تنطبق عليه أوصافها والعقلاء يفهمون:
خُشبٌ مسندة (وأفئدة هواء)
وملامح شوهاء تنطق بالغباء
الميتون وهم على وجه الثرى
يمشون تبّاً للرعاع الأدعياء
الخائنون الغادرون الكاذبون
السارقون (الكحل) من دمع البكاء
الباحثون عن الدراهم دونما
وعي ولا أدبٍ ولا أدنى حياء
ظنوا السعادة في الغنى فتمزقت
آمالهم وذوت فيا للأشقياء
المهندس عصام العول ..
* كاتب
شاب من ليبيا .. منسق وعضو لدى جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والمنظمات
الحقوقية المدافعة عن الكُتّاب والصحفيين, ورئيس منظمة كُتّاب شباب ضد الفساد..
لمراسلة الكاتب:
Esam_alool2002@yahoo.com
|