09/12/2006

      


 
ضحايا قيام الدولة... (3)
 
بقلم: أسعـد العـقيلي
 

وصلنا الى الضحية الثالثة التي اصابتها (طراقيع) اعلان قيام الدولة .. واتمنى ان تكون الاخيرة .. وهذه تختلف عن الحالات السابقة .. السيد (غانم) .. والسيد (سيف) .. كونها تفتقد دروع الحماية .. فلا ظهير ايمن او ايسر .. ولا نصير .. ولا شفيع يُحترم .. ولا وسيط يُطاع .. ولاشرعية ثورية بابوية تسنده ..
 
بداء أن الوعود مجرد فخاخ استدراج .. وصخور ناتئة .. مغطاة بقشرة العسل .. وخدعة عتيقة من مقالب (جحا وجحوان) .. "غوًص تلحق الطين" .. وحسك مدهون بزبدة .. ومسطحات مائية زلقة .. تحت حوافها (مناديف) التماسيح .. وشتلات بلاستيك تغرس في سباخ التيه .. ووداعة قرار (الاهتمام بمشاكل الليبين المهاجرين) .. يقود الى موظفي الاستقبال عند المؤسسات الامنية (القابضة ) .. الظاهر ان تعليمات لجنة شئون المهاجرين لم تصلهم بعد .. ربما لايوجد ضابط اتصال بين الجهتين .. او اختلاف لهجات .. وظيفة شاغرة .. قد يستفيد منها احد ال 30 في المئة العاطلين عن العمل.
 
الملفت في قضية الدكتور(ادريس بوفايد) .. انه صار ك (ابي العلاء) رهين المحبسين .. فهو رهين الفترتين .. كما قال الاستاذ (شمام) .. فقد انطلقت الفتوحات الثورية الكبرى .. بعابرات الصحراء .. تلك المركبات العملاقة .. التي تنقل الدبابات الروسية ت62 و تي 72 .. و " تي تي عليك قو حكومة " .. لنسف تجمعات المجاعات في (انجامينا) .. و(فادا).. والهيمنة على مناجم الوقود الذري .. تم تسليمه ذرة .. ذرة .. بعد " برمة لافلاك " .. على طاولة كشف الحساب و(التفاهم المشترك) .. والحمد لله انكم فعلتم ..
 
ماعلينا .. قلت ان عابرات الصحراء بضجيجها.. قامت بتصديع رأس (ميتران) في واحدة من اهم مناطق النفوذ الفرنسي .. لعبت فيها حركة (فلورينا) دور راس الحربة.. ولتحقيق ذلك طبقت القيادة مفهوم (التجييش الاعمى) .. وهذا من عندي .. والذي لا يعجبه المصطلح يضع امامه (الخلاًق) .. حتى يليق بسياسات العولمة .. و(الهاي تك) .. .. ويمكن فهمه .. وكشفت الصباحات .. و(القوايل) .. والمساءات .. والفجائع المتاعقبة .. على رأس المواطن (صاحب السلطة) .. وسيد القراروالمصير .. كما يتعلم (الاشبال) و(السواعد) في ساحات التجهيل .. و(الدوائر المغلقة) .. المتخصصة في مسح ال (هارد ديسك) .. .. كشفت عن فيلم هندي تراجيدي (دُبر بليل) .. وسدت القبعات الحمراء مفارق الطرق .. وتمترست مداخل ومخارج المدن ببراميل النفط الفارغة .. المحزمة بلون الدم .. والتي ذهب ريعها الى بالوعة الحسابات الخفية والتي تقول لك حينما تصلها " اوراقك ياشاب " .. و"درس عاليمين وانزل"..
 
يغمرك حينها شعور بالاهانة .. بين (بتاتي) صدئة .. وشفرات (الكلاشن) القاطعة .. هل ذاق احدكم طعم الغريب في بلده .. وغصت الحافلات .. و(اليوشن) بطلبة الاعدادية .. والعمال .. والموظفين .. وخريجي الجامعة الجدد .. الذين اُستعملوا كوقود اشعال .. في خنادق الرمال الحارقة .. واندفعت الكتائب المسلحة .. لمحاصرة المدينة الرياضية في بنغازي .. للحصول على مزيد من حطب المنجنيق .. (الفيفا) لم تستنكر !!! "غريبة شوية " وخرق الرصاص طبلة الاوزون .. وسُمعت لعلعته من خلف (تربونة الشمس) .. الزاوية الاثيرة لمشجعي (الاهلي) ..
 
كثيرون كانوا شهوداً على هذا الغزو (التاريخي) .. مبارة (النصر) و(الهلال) .. ستبقى اهانة عالقة في ذاكرة المدينة .. التي تربى في حضنها عابري السبيل .. وارضعت كل اطفال الوطن .. بعض (الذواح) عندما كبروا .. وصار لهم شأن ومكان .. وتراصت على اكتافهم الرتب .. وصاركل واحد منهم " فوق راسه ريشة " .. وطفحت ارصدتهم بالنقود .. وانتفشت في مخازنهم الحراب .. قاموا بتقطيع ثدييها ..
 
المهم (خلونا) في المدينة الرياضية ..
 
واذ ادرك صديقنا (الهيلا هوب) انه مُحاصر .. اطلق ساقيه للريح .. وقد نجا من هذه الواقعة باعجوبة .. فقد كان بديناً .. ويشكو من التواء بالكاحل ..والسرفي مدرجات (الظل) .. فالطريق من وراءها كانت سالكة .. منحته الوقت الكافي للهرب .. وقد تمكنا من اللاحاق به .. وهو يثير الغبار بقدميه (الفلات فوت) .. وما ان لمحنا حتى قفز وسطنا نحن الخمسة في (الفيات) 128 .. او الداتسون 120 واي .. لم اعد اذكر ايهما ..
 
وعندما سألناه عن سرعته الفائقة .. كعداء ماراثوني خبير .. " فرقة حال " (سعيد عويطة) معاه .. وهو الذي كان لايطيق قبل قليل احداً يلمس رجله .. اجاب بمنطق ولد البلاد البار بامه .. " لعزيًزماعندها إلا نا " .. واضاف بأنها مريضة بالقلب .. والسكر .. ولو اخذوني الى (تشاد) فهي ميتة لا محالة ..
 
من يُحصي عدد العجائز الليبيات المدفونات في التراب المختلط بالاهات .. والدموع .. والحسرات .. على ضياع ابنائهن في الحروب العبثية ..التي صنعها الباحثون عن الشهرة .. وقعقعة الالقاب الزائفة ..
 
ياسيدي .. اكليل المجد يضعه (اسد الضريح) .. الذي اختار "المبيت على الطوى" .. يصطلي ببريق النجوم .. هامساً لاصحابه ..
 
ارى السحاب يحمل في طياته البذار..
ويوعد الصغار..
بموسم ( القرعون) .. والغلال ..
احس رغم قسوة الصقيع .. وجفاف مساقط المياه ..
والانهار ..
احس رغم انطفاء النار .. وغيبة الانوار..
احس .. بالربيع .. بالمطر ..
يغمر التلال ..
 
يضعه (جيفارا) .. تقتفي اثره الجيوش .. في حفنة من رفاقه .. وسط ادغال (فالي غراندي) .. محارباً الظلم .. وقهر الانسان ..
 
يضعه (مانديلا) وحيداً.. تغطه زنزانة .. باردة الاطراف .. تمتص منه نضارة الجسد .. يخرج منها .. في نهاية خريف عمره .. كالنهر الدافق ..
 
المجد لبني وطني .. الكرامة للانسان .. ولا يستحقه الذي يتخلى عن ابنائه جوعى .. عطشى .. عراة .. وسط لهيب الصحارى القاتلة .. واول درس يتعلمه ربان السفينة : لاتنطح بسفينتك جبال الثلج .. وان فعلت .. فلا تقترف الخطيئة الثانية: لاتقفز في اول قارب نجاة .. حتى تطمئن على نجاة اخر بحار ميكانيكي في قعر المركب.
 
القائد العسكري الحقيقي .. لايترك جنوده وسط عذابات الاسر .. وينكر صلته بهم في تصريح تلفزيوني مسجل .. ثم يذهب لاحتساء الشاي مع كبار الزوار ..
 
"وحين فوجئوا بحد السيف : قايضوا بنا ..
والتمسوا النجاة والفرارا !
ونحن جرحى القلب ,
جرحى الروح والفم ,
لم يبق إلا الموت
والحطام ..
والدمار .. "
 
خرج الدكتور ادريس مع الناجين من رفاقه من غبار الحطام والدمار .. من جحيم الاسر .. وتششتوا في المهاجر.. وتنأت بهم المسافات .. ليخوض غربة تحت رعاية منظمة الصليب الاحمر .. ستدوم لاكثر من 16 عاماً .. كان يحمل على كتفيه باتصال.. هم الاغتراب .. وهم الخراب الذي طال موطنه ليبيا .. كان بوسعه وهو الذي تحصل على وظيفة فى مستشفى مدينة (سيون) .. التي تحاذيها سلسلة جبال الالب الرائعة الجمال .. ويجاورها منتجع (مونتانا) الشتوي .. قبلة السياح .. والاثرياء .. والمشاهير.. ان يقنع بطيب العيش .. بيد ان نداءات قيام الدولة .. ووعود الاصلاح القادمة من شواطئ طرابلس .. والحنين الى نسائم جبل (غريان) .. و(القواسم) و(اللماميش) دفعته لخوض المعركة السلمية ل (بناء ليبيا) .. من داخل قلعة الاشباح نفسها .. وهي مغامرة لم يجروء احدنا .. حتى مجرد التفكير فيها .. خطوة محسوبة .. او غير محسوبة .. وقتها .. او مبُكرة قليلاً.. قدر بشكل صحيح .. ام خانه التقدير ..
 
كيف يلصق بيانات اصلاح .. مكشوفاً تحت شعاع الشمس .. على حائط من ادمن القتل والتعذيب ؟ .. ايدعو للفضيلة .. وسط مراقص العراة ؟ .. هل يُعقل ان يثق في دعاة اصلاح من داخل البلد .. هم انفسهم "معلقين بالوشق" .. ويبحثون عن من يحميهم..
 
فلنحلل ماشاء لنا التحليل .. ولنفسرحيث شاء لنا التفسير .. ولنتسأل ما حق لنا السؤال .. ما اراه جلياُ .. واضحاً الان .. هو ان الدكتور (بوفايد) اطال الله عمره .. وفك اسره .. قد اسند كفنه فوق كفه .. وتمكن من وضع الجرس في رقبة القط ..
 
أسعـد العـقيلي
 

راجع: ضحايا قيام الدولة... (1)
راجع: ضحايا قيام الدولة... (2)

 

 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com