21/08/2007 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
الأستاذ عمر المستيري* أيها الإعلامي المهدّد بالسجن ضريبة غياب حرية النشر والتعبير، والمنتظر لصبح قد ينتصر على شظايا الغروب...قرأت خبر إحالتك على التحقيق، ومحاولة إسكات قلمك، كما هي عادة كل الذين يخافون طلوع الشمس وانقشاع الغيوم، يودّون أن تتلحّف الصمت وأن لا تقول إلا ما يرضي السيد المسؤول، أن تكون متآمرا على وأد الحقائق وخنق الضمير، وإني أعبر عن تضامني معك وشدي على يديك، من أجل أن تواصل مسيرتك، صحبة كل فريق موقع كلمة، وكل الصاحين " تونس نيوز - الحوار نت - الموقف - تونس أونلاين – نواة ...وكل المنابر الحرّة، والواقفين في زمن تنكيس الأقلام، وهبوط أسهم العقول، ضد هبوب رياح السموم، ضدّ الرأي المأجور، ضدّ النص المأمور، من أجل المساهمة في تطعيم العقول، وحقن الأذهان وتنشيط الوعي المستور، الذي يأبى الفتات ويرفض الزحف على البطون، ويتمرّد ضدّ خسف الحقائق وتكفين الواقع المبتور...سوف لن احزن يا صديقي، سوف لن أتألم يا ابن أرضي لسجنك أو إحالتك على قلم التحقيق، لأنك ببساطة لم تكن انقلابيا ولا قاطع طريق، لم تكن تحمل رشاّشا ولا بندقية ولا منجنيق، ولا عصيّا ولا كرباجا تجلد به من كان يحلم بالتحول والتغيير، لم يكن معك أثناء استجوابك سوى قلما في شكل سكين، يشرّح ما كان خافيا عن الأذهان والعقول، لتزيح تجاعيد الظلام عن واقع الحال، وتنزع اللثام عن جمهورية لا زالت بعد خمسين سنة تسجن الوعي، تطعن الرأي الحرّ وتحاول تأميم العقول، جمهورية بعد خمسين سنة لا زالت تحاور الناس بالأقدام والأحذية وكل أنواع الاستنطاق المحظور، جمهورية بعد خمسين سنة لا زالت تعتبر الصحافة الحرّة مكانها السجن أو المنفى أو القبور، جمهورية بعد خمسين سنة لا زالت لا تعترف بان الرأي الحر، يساهم في نهضة الأمم والبلدان...قد تسجن يا ابن وطني، وقد يمارس عليك ما مورس على غيرك، من أشياء يندى له القلم والجبين، أو تحفظ القضية ولا تحفظ التتبعات والمضايقات والمساومات والمساءلات، كما هو حال كل الذين أبوا التورّط في نشر أقوال الزور، لتكون ذاك الذي يسير وكفنه على أكتاف قلمه، كذاك الذي يتجول كل يوم في الأسواق يسمع تألم الجماهير، ويقترب من هموم وأوجاع الناس، يقتنص مواجع وأخبار بلد يحلم أن لا يكون على مثل هذه الحال، يحلم أن يكون بلدا يحترم الرأي والإنسان، بلدا لا مجال فيه لرئاسة مدى الحياة، بلدا لا مجال فيه للظلم والحيف والاعتقال، بلدا لا يكون فيه القضاء سيفا يقطع رؤوس الأقلام، بلدا لا يكون فيه القانون فأسا يدمر الإنسان، بلدا لا يكون فيه الصحفي الملتزم عرضة للتعذيب والتهجير والتجويع والاعتقال، بلد نحيا فيه بشرف وكرامة بعيدا عن الدف والتزمير، تحلم أن لا تكون متهما قبل الشروع في كتابة مقال، تحلم أن لا توزّع التهم على كل الشرفاء بالتقسيط وبالمجان...ربما تكون يا ابن بلدي وأنت أمام قاضي التحقيق، الجالس وراء مكتب وثير، وعلى يمينه ويساره مكتبات تصطف فيها ملفات وتقارير، تتمنى أن تقول له سيدي القاضي، ماذا لو استيقظ فيك الحسّ والضمير، ونهضت من مكانك رمز الطهر والعفّة والقانون، وقلت لا يمكن أن أحقق في قضية عنوانها خنق حرية الرأي والتعبير، وأن دوري هو الاستنصار للعدل واسترجاع الحق المهدور، أن أقاوم الاستغلال وأن أتصدى لأقوال الزور، وأن دوري لا يمكن أن يكون التحقيق في النوايا والتفتيش في العقول، وأن مهمتي هو التحقيق في الجرائم التي ترتكب باسم الوطن وباسم القانون، مسئوليتي أن أردع الظالم وأنصف المظلوم، أن أقول كلمة الحق أمام سلطان جائر، دوري أن لا أكون سيفا يسلط على الأقلام، دوري أن لا أكون مقصّا يجزّر الأوراق والنص والمقال، دوري أن لا أقف صامتا، وأن انتفض من مكاني احتجاجا على عشرات المساجين، هناك في سجون الجمهورية، الذين يعانون كل صنوف القهر والتدمير، أولئك المساجين الذين ما عادت تضمّد جراحاتهم ولا مآسيهم أكداس التقارير، أولئك المساجين الذين ما عادت تكفكف همومهم أطنان الخطب والكلمات، أولئك المساجين الذين ما عادت تضمّد جراحاتهم أكداس التقارير والتحاليل والعرائض والمناشدات، أولئك المساجين الذين خسفت أجسادهم، ودمرّت أعمارهم، وتحطمت أحلامهم... فأي معنى للاحتفال بأعياد الجمهورية وأي معنى للأعياد الوطنية والأعياد الدينية وجزء من شعب الجمهورية، منذ عشرات السنوات ومئات الأعياد، لا زالوا هناك لا يعرفون لون الأعياد، لا يعرفون طعم الأفراح، وأطفال فطموا على رؤية آبائهم خلف القيود والأغلال، وزوجات مطلقات بالحياة، وشباب هناك ضاعت منهم أبهى اللحظات، وباتوا أحياء في شكل أموات، أكلت منهم الرطوبة والسنوات...سوف لن يضرّك يا ابن بلدي الاستجواب أو التحقيق، أو الاعتقال أو كل أنواع التضييق، فالكلمة الحرة لا تعترف بالحدود لا تخضع للحواجز، ولا تنظر تأشيرة عبور، والأقلام الواعية لا يمكن آن تقف يوما تستجدي الإذن من أصحاب القصور، والرأي الحر مهما حوصر فسوف لن يسكت عن الضيم والجور، وأن الظلم مهما عمّر لن يدوم، وأن الصحفي الذي يصطفّ إلى قضايا الناس، ويتحالف مع هموم الجماهير، سيكون عنوانا في جبين التاريخ، الذي لا يعترف إلا بأصحاب الضمائر والعقول، ولا يحتضن من كانوا يكتبون باللسان والبطون...
*عمر المستيري / مدير موقع مجلة
كلمة التونسية، مثل يوم 2 آوت 2007 أمام المحكمة الابتدائية التونسية من أجل
نشر مقال، وتكرّر استنطاقه، وهو مهدد بالسجن في قضية إعلامية، تشير كل
الدلائل بأنها ذات صبغة سياسية، تحمل في مضمونها التضييق على منبر مجلة كلمة،
التي باتت مزعجة للسلطة، من حيث الجرأة في التحاليل والأخبار...
|
|||||||
|
|
|
تعليقات القراء: |
|
|
|
|