23/08/2007
 

الثورة أو الانقلاب الجديد بدأ بالأمس
 
بقلم: ا. إلياس العقاد

 
اختتم السيد سيف الإسلام حديثه مساء الاثنين الموافق 20/8/2007 م الذي ألقاه أمام جموع من الشباب في مدينة بنغازي بنفس البيان الذي بدأه والده في أول يوم (للثورة كما يسميها أنصارها) أو (للانقلاب كما يسميه المعارضون) الذي أدى إلى إسقاط النظام الملكي السنوسي؛ حيث ستشهد ليبيا الأيام القليلة المقبلة ذكرى هذا الحدث التاريخي الذي غير مجريات الأحداث في ليبيا من الملكية إلى الجماهيرية . لقد كانت الكلمات التي احتواها البيان في جملته يعبر عن معاناة الشعب الليبي من هيمنة البطانة الفاسدة التي كانت تحيط بالملك محمد إدريس السنوسي في ذلك الوقت كما هي معاناتهم من بطانة اللجان الثورية والفاسدون المحيطون بالقائد معمر القذافي في يومنا هذا، وعلى الرغم من تشابه البطانتين إلا إنهما يختلفان من الناحية الإيديولوجية اختلافا كبيرا ولا أود هنا الدخول في تفاصيل هذا الاختلاف، غير أن المخضرمين في كلا العصرين يعرفون جيدا التباين بين البطانتين ويعلمون أيضا أيهما ارحم على شعب ليبيا، فكلمات ذلك البيان كانت تحمل في طياته قيم إنسانية عريقة أتت مترجمة لاماني ذلك الشعب الذي عانى حقبات مريرة من الاستعمار، والتسلط، والاضطهاد، وسلب المقدرات؛ إلا أن هذا البيان وبعد ثمانية وثلاثون عاما أضحى ورقة بالية وفاقداً لروحه وفحواه ولم يعزز تلك القيم التي نادى بها الزعيم الليبي في أول خطاب له توجه به إلى الجماهير بعد إعلانه للثورة وقد خرجت هذه الجماهير ملبية لهذا النداء كما خرج الآن شباب ليبيا المستقبل مغمورين لاستقبال سيف الإسلام ابن الزعيم الذي يبدو انه تنازل على إحدى خصوصياته في مخاطبة الجماهير في هكذا مناسبات.
 
بعد ثمانية وثلاثون عاما كبر الأبناء وتغيرت مفاهيم العالم وانتقلت فيه القوة الثورية الرامية لمحاربة الديمقراطية الغربية سابقا إلى عالم يرتكن إلى أحضان الديمقراطية الأمريكية المشوهة وأصبحت لغة الحوار تتغير فكرا ومنهجا من العداء إلى السلام. في الواقع لا تكره الشعوب السلام العالمي وإنما تكره ذلك السلام الذي يسعى به حكامها من اجل الحفاظ على أمنهم واستقرارهم بعدما دفعت الشعوب ثمنا باهظا من سنوات الصمود وتحمل الفقر، والفاقة، والصبر على المحن.
 
خرج سيف في لقائه الثاني هذا أكثر هدوءً وسياسة وابتعد عن لغة الهجوم التي انتهجها في لقائه الأول وهو أسلوب أرى فيه أكثر حكمة من سابقه وقد بدا واضحا عليه الارتباك الشديد فنحن لا نلومه فهو لا يزال غرا ولم يتحنك في لغة الخطاب الارتجالي الفصيح. إن الأجندة التي طرحها سيف الإسلام تحمل في بعضها نوع من الانفراج السياسي الذي نادى به المعارضون من قبل إلا أننا نشتم رائحة القليل من الدكتاتورية التي طفت على السطح في العديد من الأمور ومنها تلك الخطوط الحمراء التي فرضها على المجتمع الليبي دون اخذ إرادته الحرة، فهل يا ترى يرضى سيف بان تتخذ ضده خطوط حمراء دون احترام لرأيه ؟ تلك الخطوط التي أؤيده في بعضها وأنكر عليه بعضها الأخر فتطبيق الشريعة الإسلامية، وامن تربة الوطن الليبي ووحدته، وامن ليبيا القومي كلها مطالب لا ينكرها عليه احد أما الخط الرابع الذي تمثل في شخص العقيد القذافي كنت أتمنى لو انه لم يذكرها علانية لأنها ليست في السياسة في شيء فهو يعلم جيدا أن اغلب الشعوب تكره فرض فكرة محبة الحاكم بالقوة.
 
لا احد يجهل الآن أن سيف بدأ يأخذ دور العقيد القذافي علانية ولعل إضفاء لقب الأخ الذي رايته في القنوات الليبية هو اكبر دليل على ذلك فسنة التوريث ليست غريبة على الكثير من الدول العربية. أن الظهور الخطابي الذي اتبعه سيف الإسلام لا أرى فيه فائدة لدعمه شعبيا فلم تعد لغة الخطابة لها فائدة بين الشعوب وانصح الأخ سيف أن يتبع منهج الأفعال بدلا من الأقوال وان يتبنى التجربة الإماراتية التي أخذت طريقها في تدشين المشاريع التنموية دون أن نشهد خطابات من الشيخ زايد رحمة الله عليه أو أبنائه أو حتى أمراء الإمارات ولكن أكثر ما شد انتباهنا إلى شهرة الإمارات العربية المتحدة هو ما حققه هؤلاء من انجازات في صمت لا تخرج له الجماهير والكل يعلم أن لغة الخطاب أصبحت الآن لغة الضعفاء الذين ليس لهم أجندة محددة في طريقهم إلى تنمية شعوبهم، فخطب هتلر، وموسيليني، وستالين، وماوتسى تونغ وان كانت حماسية من الناحية العسكرية؛ إلا أنها جّرت الحروب والويلات على شعوبهم ما كانت لتحدث لو كرسوا مقدرتهم في التنمية الصناعية.
 
نتمنى من الأخ سيف أن يترجم أقواله إلى أفعال وان يتنازل هو ووالده للشعب الليبي بهامش من ممارسة الديمقراطية وان توضع للمجتمع خطوط بإرادته هو وليس بإرادة الآخرين فالديمقراطية ليست حائلا أمام صناعة الوحدة ، والقوة ، والتنمية فهذه الولايات المتحدة فدرالية الحكومة متعددة الأجناس ولكن لن تجد احد يدعو إلى الانفصال لأنه ليس بحاجة إليه فالحرية لديهم متكافلة للجميع. هذه فرنسا أيضا بها طوائف من بقايا النعرة الآرية ذات المجد الألماني غير أن الديمقراطية الفرنسية كفلت الحرية والمساواة لكل أفراد المجتمع على حد سواء ولم تترك هناك مجالا للدعوة للانفصال بسبب الظلم والاضطهاد فإذا لمس الأخ سيف دعوة انفصالية في المجتمع الليبي فيجب عليه أن يعالج أسباب هذا الداء وليس أن يذكي نار الحقد بتلك الخطوط الحمراء فالشعب الليبي قد مل من التهديد والوعيد وما عاد يريد سماع هذه اللغة السمجة التي يتبعها النظام.
 
الياس العقاد
امريكا
 
 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com