يبدو لي انه ليس
لجلاد ليبيا الحق المطلق والوحيد في حكمها والبطش بها... وليس له ولأبنائه حق
الأحتفاظ بنا كحيونات ضمن مزرعة كبيرة...فأنا أخجل من الخيانت التي نعتاد
عليها كقهوة الصباح... أخجل من أصحاب الأقنعة الذين تحولوا الي ألة قمعية أشد
فتكا من الألة العسكريه التي يسلطها علينا أبو جهل ليبيا... أقلام متكيفة
تغمس في دماء الشهداء لتكتب شهادة زيف تساوي بين الحق والباطل... أقلام
مثقفين يجرون عربة اليأس لآن لا جديد في حياتهم بعد سنين من الأنتظار...
أنتظار ملئ بوعود مسلفنة داخل ثلاجات ما يسمي بالديموقراطيه المباشرة... حيث
أن الثقافة الرسمية علي جفاف تام من الثقافة والمثقفين... وعلي جهل كلي بكل
ما يمس الثقافة سوي موقع أداري مرموق ورواتب وأيفادات وحرس وحماية ومخصصات...
وتحولت أعمال القتل الي أحتفالات تعرضها شاشات التلفزيون... ثقافة رسمية تعلق
الرؤوس بالشوارع العامة وقتل الخصوم في أطار "أنا أقتل أذاً أنا موجود" وأصبح
القتل مهنة تنوعة أدواتها... أيادي تعمل في خفاء معلن, مهمتها سحب البساط من
تحت أقدام كل من حمل همومه وأنتظر شمس الحرية الغائبة من هذا البلد... أطاحوا
بأحلام الحالمين وحققوا مستحيلات المارقين... دفنوا الرغبات المؤجلة لكل من
انتظر علي نيران الصبر... متناسين أن الخارجون كل يوم للهتاف بحياة "نكولاي
شاوسيسكو" وللتمجيد في شخصه خرجوا في اليوم الأخير لتمزيق جثته... متناسين ان
ارهاب الشعوب وأمتلاك الأسلحة لا تحمي الأوطان والسلطات والشعوب, بل الذي
يحمي الأوطان والسلطات والشعوب هو شعب حر شبعان.
ان المثقف المتكيف
وصاحب الوعي البائس هو المتساهل المحصّن دائما بالتبرير الجاهز الذي لايخدم
الحقيقة... في زمن تُشكل الأشباح لتكوين الشرنقة الحديدية حول عباد لا حول
تتمفصل في مفاصلهم ولا قوة تدنوا من سواعدهم... مثقفون متكيفون يحملون رسائل
مشفرة في قواميس العولمة المفخخة بالدسائس... مثقفون متكيفون بثقافة مزيفة
كأنها سراب في صحراء تحرق نفسها... وكحال نار تأكل بعضها قبل غيرها... هم
نعامة هذا العصر يدفنون رؤسهم في رمال الخنوع, والطاعة لأحذية أسيادهم بينما
عوراتهم القذرة واضخة للجميع... طعنوا ليبيا بخناجر الغدر وهم يقرأون أية
الكرسي... فأن التكيف يا أخوتي يُخضع كل صنوف الثقافة والفكر للزيف, ومن هنا
تأتي أهمية عدم تساهل المثقف مع ذاته حتي يصبح فعالا في وجوده... فليبيا بأشد
الحاجة الي المفكر الديناميكي المسؤول الذي يرفض التكيف والكتابة المرتزقة...
فالنهار باطل مالم يستطيع تحرير خيطاً في نهايات الليل... فما قيمة بلاد بلا
مبدعين, وما قيمة حضارة بلا مسلة تحكي سنوات سطُوعها تؤ رقهم مجيئ صبحات تكنس
أوضار ودسائس العتاة والمارقين... فأن علم الإنسان وثقافته لا يمكن قياسهما
بمقدار ما يحمله منهما ولكن بقدر ما يعطي منهما ...ما المانع أن نتخلى قليلاً
عن محاولة إبراز الذات والبحث عن من يمجدون ما نقوم به والردود الكثيرة في
سبيل أن يكون للواحد منا رسالة وهدف أسمى من ذلك وهو الهدف المجتمعي ... يجب
أن نتخلى عن الأثرة وحب الذات ونحاول أن نجرب الإيثار والتضحية ... فهذا
المجتمع هم إخواننا وأبنائنا ... يجب أن نحتضنهم ونأخذ بأيديهم إلى شاطئ
الأمان... وحتي لا تضيع منا الهوية... يجب ان لا ندنس أقلامنا بالمشاعر
السلبية... ونتذكر ما قاله فكتور هيجو "... واجب المثقف أن يسلط النور علي
بقعة الظلام المعتمة... علي أوكار خفافيش الليل المختبئة هنا وهناك...".
قلوب تنهار...
وأقلام عاجزة أمام الحقيقة...تجمل الأحداث وتبني خيالات عن ذهبية الأحلام
ودولتهم الفاضلة متمادين في جريمة لا تغتفر قي حق وعقول وقلوب تعيش هذا الحلم...
ترفض ان تبوح بالمقصود... فبكل ما في الخريف من ذبول, ستبقي أحرف هذه الأقلام
شاحبة تكسوها ملامح الجفاف والأصفرار وهي تعاني من لحظاتها الأخيرة... فشتان
شتان بين من ينزف حبراً وبين من ينزف دماً... فالعبد الجبان الذي يهرب
ويتواكل, لا خيار ولا حرية له, أم السيد الشجاع الذي يتحمل المسؤولية فهو
صاحب الأرادة...واللقاء بين الموقفين غير ممكن... أنني أحلم بيوم تتقدم فيه
أقلامنا وعقولنا لتكون شمعة في ظلام الحرف... وعتمة معاني الأبجدية الحالية
لتذوب معلنة بداية مسافات الربيع... أحلم ان نكتب أخر ما تخطه أناملنا
الباهتة من بقايا أشلاء كلمات قد أنتظرت طويلا علي عتبات الأحزان...لنزرع في
كبد السماء أحرف كلماتنا لتهطل دموع الغيوم وتنهمر بسخاء وتبقي ذكري لمن يعيش
بعدنا... لقد ذقنا مرارة التستر علي العيوب ولمسنا شؤن دفن الأخطاء بأسم
المجاملة, فلنعلن البراءة اليوم قبل الغد...هذا وقت عصرنا وزمننا... حان وقت
الفكر المسؤول المستنير وأعادة بناء الحياة وتخليصها من السموم التي فيها.
اننا مدعوون لخلق
فضاء واسع للتفكير وابداع ممارسة جديدة تقطع مع ما هو سائد وشائع... ان في
ربوعنا الثقافي والفكري والسياسي افكار مميتة وقاتلة كما يقول المفكر "مالك
ابن نبي"... افكار قاتلة وكامنة تنتظر الظروف لتفعل فعلها... ألي متي نظل قوم
لاتكاد دمعتنا تجف حتي نطرح دمعة جديدة أشد حرقة وأيلاماً... أننا مدعوون
لتشخيص خريطة الأفكار الموجودة بيننا, كل الأفكار... لنعرف الواقع وصانعيه...
ولنعرف مذا نريد وما المسعي والهدف ؟... وهنا أريد ان أختم هذا المقال بقصة
سطورها تحمل عبرات كثيره...فكل ما أقرء هذه القصة القصيرة... أكتشف فسها عبرة
جديدة...
"يحكى أن أحد
الحكماء خرج مع ابنه خارج المدينة ليعرفه على التضاريس من حوله في جوٍ نقي..
بعيداً عن صخب المدينة وهمومها.. سلك الاثنان وادياً عميقاً تحيط به جبال
شاهقة... وأثناء سيرهما... تعثر الطفل في مشيته... سقط على ركبته... صرخ
الطفل على إثرها بصوتٍ مرتفع تعبيراً عن ألمه... فإذا به يسمع من أقصى الوادي
من يشاطره الألم بصوتٍ مماثل... نسي الطفل الألم وسارع في دهشةٍ سائلاً مصدر
الصوت: ومن أنت ؟؟
فإذا الجواب يرد
عليه سؤاله: ومن أنت ؟؟
انزعج الطفل من
هذا التحدي بالسؤال فرد عليه مؤكداً: بل أنا أسألك من أنت ؟
ومرة أخرى لا يكون
الرد إلا بنفس الجفاء والحدة: بل أنا أسألك من أنت ؟
فقد الطفل صوابه
بعد أن استثارته المجابهة في الخطاب.. فصاح غاضباً "أنت جبان" فهل كان الجزاء
إلا من جنس العمل... وبنفس القوة يجيء الرد "أنت جبان" ...
أدرك الصغير عندها
أنه بحاجة لأن يتعلم فصلاً جديداً في الحياة من أبيه الحكيم الذي وقف بجانبه
دون أن يتدخل في المشهد الذي كان من إخراج ابنه.
قبل أن يتمادى في
تقاذف الشتائم تملك الابن أعصابه وترك المجال لأبيه لإدارة الموقف حتى يتفرغ
هو لفهم هذا الدرس... تعامل الأب كعادته بحكمةٍ مع الحدث... وطلب من ولده أن
ينتبه للجواب هذه المرة وصاح في الوادي: "إني أحترمك"
"كان الجواب من
جنس العمل أيضاً... فجاء بنفس نغمة الوقار "إني أحترمك"...
عجب الابن من
تغيّر لهجة المجيب... ولكن الأب أكمل المساجلة قائلاً: "كم أنت رائع"... فلم
يقلّ الرد عن تلك العبارة الراقية "كم أنت رائع".
ذهل الطفل مما سمع
ولكن لم يفهم سر التحول في الجواب ولذا صمت بعمق لينتظر تفسيراً من أبيه لهذه
التجربة الفيزيائية ....
علّق الحكيم على
الواقعة بهذه الحكمة: "أي بني: نحن نسمي هذه الظاهرة الطبيعية في عالم
الفيزياء "صدى"... لكنها في الواقع هي الحياة بعينها... إن الحياة لا تعطيك
إلا بقدر ما تعطيها... ولا تحرمك إلا بمقدار ما تحرم نفسك منها... الحياة
مرآة أعمالك وصدى أقوالك... إذا أردت أن يحبك أحد فأحب غيرك... وإذا أردت أن
يوقرك أحد فوقر غيرك... إذا أردت أن يرحمك أحد فارحم غيرك... وإذا أردت أن
يسترك أحد فاستر غيرك... إذا أردت الناس أن يساعدوك فساعد غيرك...
وإذا أردت الناس أن يستمعوا إليك ليفهموك فاستمع إليهم لتفهمهم أولاً... لا
تتوقع من الناس أن يصبروا عليك إلا إذا صبرت عليهم ابتداء... أي بني ... هذه
سنة الله التي تنطبق على شتى مجالات الحياة... وهذا ناموس الكون الذي تجده في
كافة تضاريس الحياة... إنه صدى الحياة.. ستجد ما قدمت وستحصد ما زرعت..."
مقالات سابقة:
حنين أثقل السطور
|
|
|
تعليقات القراء:
|
|
عائشة
حسين: لاننا نعانى نزيف الروح والغربة سيدى نتوارى وراء
ثقافة الاستسلام..والخضوع الملزم ..نستسلم للخوف والخنوع كالنعام
..نعانى معها نوع من الماشوسية الغريبة فى جلد الذات..ولا تسعفنا الذات
العليا ولا ابناء الذوات..بقليل من الوقوف للعبور الى الطريق
الاخر الذى فيه سبيل او بصيص نور للحرية..فقد تقوقعت ارواحنا
وتكلست..تحت كل انواع الاحذية العسكرية والفاخرة المسلوخة من
جلودنا..لهذا سيدى لاتعجب ولا تتعجب ولا تستغرب ..فيكفينا غربة الروح
واغتراب النفس والعقل وغروب الوطن لك فائق تقديرى
|
|
|
|